الساعة الثامنة مساء جوار البيت عشرات الأطفال يحملون سعف النخيل في إحدى يديهم وفي اليد الأخرى أكياس بلاستيكة تحتوي على ملابس جديدة. في الجهة المقابلة من الشارع زحام كبير على أمام الكنيسة للاستعداد للاحتفال بأسبوع الآلام وأحد الشعانين، وهو ذكرى دخول السيد المسيح لمدينة القدس ويسمى هذا اليوم أيضا بأحد الزيتونة لأن أهالي القدس استقبلوه بسعف النخيل والزيتون المزين.
في مدخل البيت يضع أحدهم يده على كتفي، ألتفت لأجد مريم تحتضني، وبجوارها طفل صغير يشبهها كثيراً، خمس سنوات مرت منذ هاجرت مع والديها إلى كندا، وحدها الجدة رفضت السفر وأصرت على البقاء، نصعد سوياً ونجلس في غرفتها، نستعيد ذكريات كثيرة، وقبل أن أغادر، تهديني فراشة صغيرة صنعتها من السعف، مازالت مريم ماهرة في صناعتها، تبدو كما كانت منذ خمسة عشر عاما، كأنها لا تزال في الثانية عشرة من عمرها، بتنورتها الجميلة، ووجها البشوش.
في اليوم التالي الساعة التاسعة صباحاً الشارع مزدحم ومكتظ بالباعة الجائلين والأطفال، أعبر الحاجز الأمني الذي يغلق شارع الكنسية أمام السيارات، أوقف تاكسي لأنجو من الزحام، بعد وصولي مقر الجريدة، تأتي أنباء عن وقوع انفجار قرب كنيسة مارجرجس في محافظة طنطا. سرعان ما يتأكد الخبر وتتضح تفاصيله أكثر، فالتفجير وقع داخل الكنسية ووصل عدد الضحايا إلى 30 قتيلا وأكثر من 100 مصاب، بعد وقت قصير يأتي الخبر التالي بحدوث إنفجار آخر في الكنيسة المرقسية بالإسكندرية أحد أكبر الكنائس المصرية وتسبب في مقتل 19 وإصابة 80 آخرين، وأعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» عن أسماء منفذي التفجيرات وهما أبو البراء المصري منفذ هجوم كنيسة الإسكندرية، وأبوإسحاق المصري منفذ هجوم كنيسة طنطا.
تأتي هذه الحوادث الإرهابية والتفجيرات بعد مضي أقل من خمسة أشهر على تفجير كاتدرائية الأقباط في القاهرة العام الماضي، وقبل أيام من زيارة البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان لمصر والذي أعرب عن تعازيه للشعب المصري، وقال في كلمته التي ألقاها بمناسبة الاحتفالات بـ «أحد الشعانين» إنه يصلي من أجل القتلى والمصابين في التفجيرات.
على مواقع التواصل الاجتماعي ظهرت حالة غضب خاصة من الشباب الذين حملوا السيسي المسؤولية كاملة عن هذا الفشل الأمني، خصوصُاً أن العمليات التي تستهدف الأقباط مستمرة بوتيرة متصاعدة منذ وصوله للحكم، وكان آخرها منذ عدة أسابيع حيث تم تهجير عشرات الأسر القبطية من سيناء بسبب إستهدافهم من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية» وعدم قدرة قوات الأمن على حمايتهم.
وعن ذلك، قال مايكل ميخائيل: «النظام الحاكم في مصر كل يوم يؤكد فشله، والمواطنون الأبرياء يدفعون ثمن هذا الفشل من أرواحهم، بعد تفجير العباسية السيسي وعد بأن الأمر لن يتكرر، لكنه تكرر وبشكل مضاعف، ورغم كل هذا الفشل بدل ما يقدم المسؤولين استقالتهم، يخرجون ليتكلموا عن بطولات ونجاحات الأمن في التصدي للإرهاب».
في السياق ذاته، قالت زوجة المصاب في حادث تفجير كنيسة مارجرجس، مينا فؤاد «الكنسية طوال الوقت من غير حراسة ومن غير أجهزة تكشف المتفجرات، ولا أحد يشعر بالأمان»، هذا الكم المخيف من الدماء والتفجيرات المتتالية التي يتعرض لها المسيحيون في مصر خلال السنوات الماضية حولت أعيادهم إلى طقس جنائزي مستمر، وأصبحت أكثر الجملة تدوالا بين شباب الأقباط «كل سنة وإحنا متفجرين» بدلًا من «كل سنة وإحنا طيبين»
ورغم حالة الإجماع حتى من داعمي النظام على التقصير الأمني وفشل النظام الحاكم، إلا أن الرئيس السيسي ظهر في خطاب تلفزيوني متحدثًا عن كــــون الأزمة ليست في منظومة الحكم بل في الإعـــلام، والدول المعادية لمصر، ثم أعلن حالة الطوارىء ثلاثة أشهر، وإنشاء المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، بالإضافة لتكليف وحدات من الجيش بتأمين المنشآت الحيوية، ليسدل الستار على هذا اليوم القاسي ونحن ننتظر مزيدا من الضحايا الجديد ومزيدا من التفجيرات كنتيجة طبيعية لهذه السياسات الفاشلة.
إسراء هلال