بعد قرابة الثلاث سنواتٍ قضتها في السجن قيد الحبس الاحتياطي أُفرج عن آية حجازي وسبعة آخرين في قضيةٍ باتت شهيرة باسم «جمعية بلادي» بعد إسقاط كل الاتهامات عنهم. ولمن لا يعرفها، آية شابةٌ دارسةٌ للقانون قريبٌ سنها من العقد الثالث، و الأهم من كل ذلك فهي تحمل الجنسية الأمريكية بالإضافة إلى المصرية، تلك التصريفة من تصاريف القدر أو ضربة الحظ أو ما شئت من الأوصاف كانت مفصلية في قصتها في كل مفارقها.
عقب ثورة 25 يناير عادت آية إلى مصر، يحدوها ذلك الأمل الوردي الذي داعب كثيرين كانوا يحلمون بغدٍ أفضل، بالحرية والكرامة الإنسانية، بانبعاثٍ من الوحل الزنخ، ومن ثم أسست «جمعية بلادي» لرعاية أطفال الشوارع والمهملين في مصر بعد الحصول على التراخيص اللازمة كافة، إلى أن ارتطمت بقبح واقع الثورة المضادة وعصابها الأمني حيث تتبع الأخيرون طفلاً ألقوا القبض عليه في إحدى المظاهرات إلى مقر الجمعية حيث وجدوا مجموعةً أخرى من الأطفال فقبضوا على آية وزوجها وخمسة آخرين من المتطوعين ووجهوا إليهم مجموعة مفزعة من التهم من بينها تشكيل عصابة للاتجار بأعضاء البشر والاستغلال الجنسي للأطفال ما تسبب في الحبس الاحتياطي!
فلما كانت تحمل الجنسية الأمريكية طالب بإطلاق سراحها عضو كونجرس أمريكي والحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون فلم يكن من المتحدث باسم الخارجية المصرية إلا أن استنكر «إصرار بعض الدوائر الأمريكية على الاستهانة بمبدأ سيادة القانون في مصر» لمجرد أنها أمريكية!
وفي ردٍ على سؤالٍ من شبكة فوكس الإخبارية عن آية أثناء زيارته للولايات المتحدة رد الرئيس السيسي بأنه يتابع القضية- ثم أُفرج عنها مبرأةً من التهم، ولا أظن أننا بحاجة هنا إلى أي تعليق.
لا حصر لما يمكن أن يقال تعليقاً وتعقيباً على هذا الموضوع أو الزوايا التي يمكن أن نتناوله منها، فهو في رأيي يحتوي ويختزل في آنٍ معاً كل سمات النظام في فترته وطبعته السيسية، كل مكونات الطبخة، يقول كل شيء، إلا أنني هنا سأركز على أمرين استوقفاني ملياً.
الأول هو تعامل النظام الفظ مع آيه و مشروعها. فبقراءةٍ في التكوين الذهني لجهاز الأمن المصري بميراثه من الجهل وحالته النفسية بما يسكنها من بارانويا والدولة المصرية بعلاقتها ثنائية القطب والتردد بين الانسحاق الغالب تجاه الغرب (الولايات المتحدة تحديداً) وتلك النوبات العابرة النادرة التي لا تستمر طويلاً كالخسوف أو الكسوف من العنترية و العنجهية والتظاهر بنديةٍ فارغة من كل مضمون، خاوية خواء القيادة، فإن مسألة الجنسية الأمريكية لعبت دوراً جوهرياً وفاصلاً في قضية آية، الدور بأل التعريف، فمن ناحية أثارت كل هواجس الأمن الذي تسيطر عليه نظريات المؤامرة التي أطلقها النظام وأبواقه نهاراً وصدقاها ليلاً ومن ناحيةٍ أخرى تسببت في إطلاق سراحها من الأسر.
جريمة آية وشركاؤها في مشروعها وأمثالهم من الشباب الحقيقية والوحيدة في نظر النظام لا يُفصح عنها، جريمتها هي الحلم. الإيمان بغدٍ أفضل والعمل مع الناس. إيمانهم بأنه وقد قام حراكٌ ثوري في مصر فإن الناس والمجتمع المدني لهما دور وعليهما واجب في النهوض بالناس المهملين تماماً، وما أكثرهم. في أعقاب الانعطافة الدموية التي أخدتها الثورة وتلك الهجمة الشرسة وغير المسبوقة للأمن قد يعتبر البعض آية ساذجة، لكن ذلك لا يعدو ادعاءً للحكمة بأثرٍ رجعي، فكل حريةٍ وانعتاقٍ مستقبليين لا بد لهما من حالمين…و مناضلين.
لقد حرك آية حلمٌ جميل ونبيل، ويا لها من مفارقةٍ مثقلة بالرمزية بين سمو حلمها وبشاعة ما كيل لها من اتهاماتٍ. إذ لم تدرك أنها بذلك ترتطم بمنظومةٍ أمنية تخشى النور والحرية، منظومةٌ هي قلب النظام وإحدى وسائله الأمضى في ثورته المضادة، فأفرغت على آية وحلمها كل ما يختزنه جوفها من قاذورات، فلا حصر للتهم الممكن تلفيقها، وحد بشاعتها هو حد ما يصل إليه خيالٌ مريض و قروسطي تماماً. من زاويةٍ أخرى، فإنني أتساءل جزعاً متألماً: ما قيمة الإنسان في هذا البلد وسائر بلدان الشرق العربي المنكوبة؟ ما قيمته إن لم يكن إبن فلان أو علان؟! هل له سعر أساساً في نظر النظام وأجهزة الأمن؟ ما قيمة ذكرياته وأحلامه، أفكاره، تلك الروابط بينه وبين محبيه و أقربائه، الكتب التي قرأها والموسيقى التي سمعها، كيانه؟ هل لها سعر؟! وأي نوعٍ من الكائنات هم أفراد الأمن هؤلاء الذين يغتالون المستقبل فيكيلون التهم ويعذبون ويهتكون ويقتلون؟! ما يقارب الثلاث سنواتٍ مضت على آية في السجن، بتهمٍ ملفقة: من الذي سيعوضها عنها؟ أو بالأصح هل من الممكن استعادة ذلك الزمن الضائع؟ وماذا عن الذل و الإهانات والفراق؟ وهل سيحاسب أحدٌ على تلك الجريمة؟ بالطبع، وكما نتوقع تماماً، فالإجابة بالنفي القاطع وقد صرح بذلك الرئيس السيسي نفسه والذي لا يفوت فرصةً للثناء على ضباط الشرطة و شكرهم. فلا قيمة لشخصٍ أو لشيء. لا قيمة لأي قيمة. مفهوم القيمة منتفٍ تماماً. اهتمام النظام الآن ينحصر في أمرٍ واحدٍ فقط: البقاء، وفي مقابل ذلك فكل شيءٍ مبذول و مضحىً به على مذبح ذلك المسخ في طقسٍ وثنيٍ بدائي.
ليس هناك سياسة، فقط تغولٌ وتمددٌ أمني والرسالة المراد إيصالها أن العنف لم يعد له سقفٌ بالإضافة إلى رفع كلفة المعارضة إلى فوق ما يطيق الكثيرون. وللإنصاف، فإنه وعلى الرغم من عدم وضوح ما الذي يستثير النظام في بعض الأحيان، إلا أنه حين يقرر استضافة أحدٍ فإن تعامل ضباطه وجنوده معه متسقٌ ويمكن التنبؤ به من تجريحٍ وإهانةٍ وحبسٍ في ظروفٍ غير آدمية.
«عذبوه وقتلوه كما لو كان مصرياً» استعدت ذلك التعليق الصادر عن أم جوليو ريجيني وأنا أقرأ خبر براءة آية. إن الجنسية المصرية هي ما أسقط آية تحت يد الأمن المصري، والجنسية الأمريكية هي ما أنقذها في نهاية المطاف من ساديتهم، وكذلك الحال مع محمد سلطان. الاثنان في ذلك أوفر حظاً من جوليو الذي عذب وقتل دون أن يستفيد من جنسيته الإيطالية. مزق وديس عليه تماماً كأنه مصري.
آية ومحمد سلطان من «مشاهير» السجناء، فهنيئاً لهم بأوراق الهوية تلك التي أنقذتهم من براثن وحشٍ منفلتٍ شرسٍ لا يعرف الشبع. لكن، ما بال عشرات الآلاف ممن لا نعرف، أولئك الذين لا اسم لهم؟ الأقل حظاً؟ المصريون المعتقلون دون علمٍ أو سفارةٍ تسأل عنهم أو تطالب بإطلاق سراحهم؟! الذين يتعفنون ببطء دون رعاية طبية ويموتون؟ أمام خوف وعدم مبالاة القطاعات الأوسع وحالة الحصار التي تعاني منها منظمات حقوق الإنسان وبراعم التنظيمات السياسية المسحوقة والمحاصرة بدورها فليس لهم إلا الله.كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل