انتخابات فرنسا بين المتهم بالفساد والعنصرية والستاليني!

حجم الخط
22

لم يكن ينقص انتخابات الرئاسة الفرنسية غير حدث هجوم شخص ذي اسم عربيّ ـ إسلاميّ في قلب باريس الأشهر، شارع الشانزليزيه، لتكتمل عناصر «الأكشن» الهائلة التي تعجّ بها طاحونة السياسة الفرنسية الحمراء.
سارع المرشّحون الأساسيون لاستغلال الحادث وتوظيفه في تأجيج المشاعر لعلّها تنقلب أصواتا في صناديق الانتخاب، فزعيمة حزب «الجبهة الوطنية» العنصري مارين لوبان قالت إنها ستنفذ، حالما تصبح رئيسة، «حرباً على الإرهاب» وإغلاق الحدود الفرنسية وطرد 17 ألف شخص، وطالبت بتشريع صارم ضد المتطرفين، فيما وعد فرانسوا فيون، بتوظيف 10 آلاف ضابط شرطة جديد (وهو المتهم بتوظيف زوجته في وظيفة وهمية كلّفت دافع الضرائب الفرنسي نصف مليون يورو!)، وبأن تكون أولوية سياسته الخارجية «تدمير الدولة الإسلامية» و«حل كل التنظيمات السلفية وكل من يوالي فكر جماعة الإخوان المسلمين»، إضافة إلى تشكيله حلفا عالميا «يضم روسيا وإيران لمحاربة المنظمات الإرهابية».
التصريحات الأخرى لم تقم بامتطاء الحصان الهائج للحدث، كما فعل فيون ولوبان، بل انتظمت ضمن خطوطها السياسية المعروفة، فأكد مرشح الوسط، إيمانويل ماكرون أن «حماية الفرنسيين ستكون أولوية قصوى» فيما ركز مرشح اليسار جان لوك ميلانشون على الوحدة الوطنية وتعزية الضحايا، وقامت ناتالي آرتو المحسوبة على الحزب الشيوعي، وفيليب بوتو، عن الحزب المناهض للرأسمالية، بربط الموضوع بـ«الحروب الخارجية والتدخل العسكري الفرنسي في عدد من الدول العربية والإفريقية».
لم يكن الحادث الإرهابي في الشانزليزيه الأكبر أو الأول بالمقاييس الفرنسية ولكن وقوعه قبل أيام قليلة من بدء السباق الرئاسي سيعطي دفعة بالتأكيد للاتجاه العنصريّ الذي تمثّله لوبان، وقد ارتفعت موجة من التعليقات العربية في وسائل التواصل الاجتماعي تعتبر الأمر مؤامرة بين تنظيم «الدولة» وعتاة اليمين الفرنسي والواقع يقول إن لا حاجة لمؤامرة، فالطرفان إرهابيان ويعتاش كل منهما على تطرّف الآخر وهمجيته، واستراتيجيتا لوبان وفيون الداخلية والخارجية كفيلتان بمدّ تنظيم «الدولة» وأمثاله بعشرات آلاف المتطوّعين والمتحمسين لخوض هذا الصراع الانتحاري.
لكنّ أكثر الأمور غرابة في مرشّحي الرئاسة الفرنسية لهذه المرّة هو أن لوبان وفيون، القادمين من اتجاهات اليمين الفرنسي، لا يختلفان في سياساتهما الخارجية عن مرشح اليسار «الراديكالي» (كما تسميه وكالات الأنباء العالمية) جان لوك ميلانشون، والستاليني، كما نسميه نحن.
ينطلق الأولان من زواج ملتهب بين مرجعيات الفاشية وخصمها الافتراضي: الديغولية، أما ميلانشون الذي ارتفعت أسهمه مع تفكك الحزب الاشتراكي (الذي كان أحد أعضائه قبل تأسيسه «حزب اليسار») بين الليبرالية واليسارية، فيعمل ضمن الخط التقليدي القديم للاشتراكيين والشيوعيين الذي يتحدث عن العدالة الاجتماعية، ولكنّ المرشحين الثلاثة، على اختلاف مساقاتهم الأيديولوجية يجمعهم الشغف برئيس روسيا الحاليّ فلاديمير بوتين، من دون أن يقوم أحد منهم بمساءلة نفسه عن معنى هذا اللقاء وكيف حصل.
يجتمع المرشحون الديمقراطيون الثلاثة إذن على احترام نظام غير ديمقراطي يحكمه فرد ارتقى لمنصبه عبر أجهزة الاستخبارات ويحتكر السلطة والثروة ويقوم باغتيال خصومه السياسيين وتصفيتهم بطرق مخيفة ويدعم زعماء أنظمة الاستبداد الذين يتفننون في قتل شعوبهم ويتفاخر بإيقافه مدّ الثورات العربية.
تفصح هذه المفارقة الهائلة لاجتماع أقصى اليمين واليسار الفرنسيين على دعم الطغيان والدكتاتوريات عن خلل بنيوي في الوضع الفرنسي، وعلينا لهذه الأسباب أن نتوقع مفاجآت سيئة لفرنسا وللعرب والعالم.

انتخابات فرنسا بين المتهم بالفساد والعنصرية والستاليني!

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية