من الأسئلة المهمة التي يثيرها كتاب الدكتورة أماني حارث الغانمي «الشعراء نقّاداً… المفهوم والتمثلات» هل يمكن أن يكون الشاعر ناقداً؟ وهل نجح الشاعر في أن يصبح ناقداً؟ وما العلاقة بين الكتابة الشعرية والنقد؟
هذه الأسئلة تحيلنا إلى أسئلة أكبر من أهمها: ما مسوغات وجود الشاعر الناقد وما موجهات مفهومه للنقد، ومن أجل الوصول إلى نتائج مرجوّة، استندت الغانمي إلى ثلاثة محاور مهمة لطرح رؤاها: البيانات الشعرية، والتجربة والسيرة الشعريتين، والكتابة النقدية… مقدمةً مفهومها وسؤالها الأول حول العلاقة بين الشعر كعالم جمالي أدواته قائمة على اللغة والرؤى في بناء القصيدة، والبيان الشعري الذي يُعدُّ مرحلة فكرية جديدة على الشاعر، إذ يبتعد عن الشعر قليلاً ليدخل في التنظير.
أما التجربة والسيرة الشعريتان، فقد كانتا مرحلتين مهمتين من مراحل الشعرية العراقية، وإذا عددنا الشعراء الذين أقدموا على كتابة سيرهم أو تجربتهم في الكتابة أو في الحياة، لا نجد حشداً من الشعراء أقدموا على هذا، بل شعراء قليلون جداً نسبة إلى أسماء عربية أو عالمية كتبت سيرها، الأمر نفسه ينطبق على الكتابة النقدية، رغم أن الشعراء الذين أصبحوا نقاداً يفوق عددهم عدد الشعراء الذي كتبوا بيانات شعرية أو سيرة شعرية، بل إن الكثير منهم أهملوا الشعر مقابل النقد، حتى قيل إن النقاد شعراء فاشلون! وبعيداً عن صحة هذه المقولة من عدمها، فإن الغانمي في كـتابها هذا تسعى لتقديم إجابة وافية عن هذه الأسئلة التي تخطر في فكر أي قارئ لهذا الكتاب.
وتشير في مقدمة كتابها إلى أن مفهوم الشاعر الناقد ليس من المفاهيم المحدثة في الدرس النقدي، ولا هو من علامات حقبة أدبية أو نقدية بعينها، وإن كان يظهر بجلاء وأهمية في بعض من تلك الحقب دون غيرها؛ لأسباب مختلفة لا علاقة لها به من حيث هو مفهوم، بل بنمط الممارستين الشعرية والنقدية في تلك الحقب. ويكاد الرأي السائد يرى في هذا المفهوم مجرد تقرير واقع فعلي مفاده أن الشاعر ناقد أصالة، بالإمكان إن لم يكن بالفعل؛ فالشعر، على وفق هذا الرأي، عملية معقدة تقتضي وجوباً معرفة مسبقة بمستلزماته وأصوله وآلياته وغاياته، وهي قضايا من صميم عملية النقد؛ وعلى هذا فالشاعر يحتقب الناقد في صميم عملية الإبداع الشعري، وهذا الناقد الأول هو الشاعر نفسه، وإن لم يعلن عن مجريات فعله النقدي في أثناء عملية الإبداع. فالنصّ بإتقانه وجماليته وتعقّده الفني إنما يعلن بطريق غير مباشر عن الجهد النقدي المحتقب فيه والمتساوق معه إبداعياً من خلال عمليات الاختيار والحذف والتشذيب والتحويل والتوظيف التي مارسها الشاعر على مادته الخام لتكون نصّاً شعرياً.
مضيفة، ولعل ما يمكن أن يؤسس لإعادة النظر في المفهوم إعادة النظر أصلاً في مكوناته: من الشاعر ومن الناقد وما العلاقة بينهما؟ ولماذا تثار أسئلة المزاوجة بين الفعل الشعري والفعل النقدي في حقب بعينها، ويُتغافل عنها في حقب أخرى؟ وأيهما أولى بالتقديم في هذه المزاوجة: الفعل الشعري أم الفعل النقدي؟ وما مسوغات التقديم إن حصل؟ فالحقيقة أن هذه الأسئلة وغيرها مما تثيره متعلقات المفهوم وتستدعيه، كثيراً ما نُظر إليها على أنها مسلمات انتهى القول فيها، ولو لم ينتهِ القول فيها لما أمكن صياغة مفهوم دال عليها.
وقد يكون لهذا الرأي نصيب كبير من الصحّة لو أن هذه المسلمات كانت مسلمات فعلاً، وليست مقولات حوّلتها سلطة التراكم المعرفي إلى مسلمات، ما منع ضمناً إعادة النظر فيها أو مقاربتها من رؤية مختلفة. فسلطة التراكم هي التي تمنعنا من الاعتراف بأننا بلا تعريف فعلي للشعر أو للشاعر، أو للنقد أو للناقد، أو للمفهوم الجامع بينهما: الشاعر الناقد. فما بين أيدينا من تعريفات، على كثرته واختلاف الآراء فيه، إنما يسوّر هذه المفاهيم ويحدها عن غيرها، ولكنه لا يعرفها تعريفاً مانعاً جامعاً، يمكن الركون إليه لمقاربتها مقاربة نقدية وافية. فعلى الرغم من سهولة سؤال: ما الشعر؟ التي توحي ضمناً بسهولة الإجابة عليه، تكاد الإجابة تكون مستحيلة، أو هي متغيرة إلى الحد الذي يمنع أن ينبثق منها تعريف قابل للاتفاق عليه. وكذلك الحال في الأسئلة الأخرى: من الشاعر؟ وما النقد؟ ومن الناقد؟ ومن الشاعر الناقد؟
ومن خلال هذه الأسئلة، يتضح للغانمي أن الشاعر صار عبر ثقافته، التي هي مقاربة أو تفوق ثقافة الناقد، يسعى إلى أمرين متداخلين: الأول التعرف على لغته، والآخر التعرف على قواعد صنعته استناداً إلى الموروث النقدي لتلك القواعد وليس الموروث الإبداعي فحسب. وعلى خطورة هذه الظاهرة في ذاتها، فإن الذي يعنينا منها هنا أن الشاعر صار عارفاً بتفاصيل عمل الناقد، من خلال اشتراكهما في المعطى الثقافي/التعليمي، ذي الأصل التراثي، نفسه. وبسبب من تلك الثقافة نفسها ظلّ الشاعر متعالياً على وظيفة النقد، ولم يكن يرى في ثقافته النقدية إلاّ وسيلة لتجويد شعره على وفق القواعد التي أعلنها النقاد من جهة، والتخلّص من مماحكات النقاد في عصره من جهة أخرى، وهذا الطابع الوظيفي للثقافة كما اجترحه الشاعر يتماهى في العمق مع الطابع الوظيفي الذي صار راسخاً في مفهومه للشعر نفسه.
وحسب الغانمي، فإذا كان الشعر مشروعاً فردياً على أعلى درجة من الخصوصية وعياً وتجربة وتعبيراً وأدوات، كما يقدمه الشعراء ويدعون إليه، فما الحاجة إلى تعميمه وجعله مشاعاً بين الناس، والاجتهاد في تسويقه وتسويغه وفك رموزه والدعوة إلى تلقيه والاحتفاء به؟ بعبارة أخرى: ما حاجة الشاعر إلى الناس إذا كان الشعر، كما يقول الشاعر نفسه، فعلاً متعالياً عن التداول والعامية وسطحية التجربة وحسيّتها وواقعيتها، وهو متأسس على وعي فردي وحساسية خاصة وتجربة متفردة باطنية الوجود والمغزى، يعجز الشاعر نفسه عن الإحاطة بماهيتها كما يزعم؟ فلو أن الشاعر كان بلا جمهور فهل يُفقده هذا جوهر شاعريته، وهل يُفقد نصه الشعري تفرده الإبداعي؟ أليس في هذا السعي إلى تفعيل مشاركة المتلقي – من خلال الشرح النقدي الذي يجتهد الشعراء النقاد في تقديمه لخصيصة المنجز الإبداعي- إيماء إلى حاجة الشعر إلى التلقي بوصفها حاجة تكوينية؟ فإذا كانت كذلك فما يبقى من خصوصية المنجز التكوينية وفرادته؟
قسّمت الغانمي كتابها إلى تمهيد (مفهوم الشاعر الناقد موجهاته ومسوغاته) وثلاثة فصول، الفصل الأول: البيانات الشعرية فعلاً نقدياً، الفصل الثاني: التجارب والسير الشعرية فعلاً نقدياً، والثالث: الرؤى النقدية واتجاهات الكتابة النقدية عند الشعراء النقاد.
وقد خلصت في كتابها إلى أن البحث أعاد قراءة مفهوم الشعراء النقاد في ضوء مساءلة مختلفة لمسوغات وجوده وموجهاته والمعطيات التي أسهمت في تشكّله مفهوماً ذا خطر كبير في الدرس النقدي الحديث، ولاسيما علائقه مع وظيفة الشعر والشاعر والنقد والناقد في الوجود والصراع بين الوظيفتين في السياق الثقافي الذي أفضى إلى اجتراح جامع وظيفي بينهما هو الشاعر الناقد. كما أنه نظر في مكونات الرؤى النقدية وتجلياتها عند الشعراء النقاد فوجد أنها تقع على ثلاثة محاور رئيسية: البيانات الشعرية، والتجربة والسيرة الشعريتان، والكتابة النقدية. وكان تقسيم الرؤى النقدية على هذا المثلث تحقيقاً لشمولية المفهوم في الدرس النقدي الحديث، فكل ضلع من هذه الأضلاع الثلاثة كان تمثيلاً صريحاً للرؤية النقدية النظرية أو الإجرائية، للشاعر الناقد في المشهد الشعري العراقي قيد الدراسة. فضلاً عن بحثه في مفهوم البيان الشعري وضروراته الوجودية والمحيط الشعري والسياقي المنتج له، ليصل إلى نتيجة تختلف عما سبق إقراره عنها في الدراسات الأخرى ذات الصلة، مفاده أن البيانات لم تكن حاجة وجودية أو شعرية في المشهد الشعري وإن كانت تمثيلاً متقدماً للصورة النقدية للشاعر الناقد، لأنها نقلته من تبعيته النظرية للنقد إلى اقتراح رؤى نقدية تعتمد كلياً على تصوره الشعري: أصيلاً كان أم منقولاً من تجارب الشعراء الغربيين، وعلى الرغم من الوجه المجاني المقلد الذي غلب على البيانات، ومخالفتها للبنية الموضوعية المنتجة لها ثقافياً واجتماعياً وحضارياً، أكد البحث أثرها العميق في ما بعدها من مشهد شعري ونقدي يدين لها بحيويته وتنوعه. وغار الكتاب في التجربة والسيرة بوصفهما فعلين نقديين عند الشعراء النقاد، على الرغم من قلّتهما، وأعاد النظر في مكوناتهما وملامحهما وارتباطهما الوثيق بالصراع الوظيفي بين الشعراء أنفسهم: أفراداً وأجيالاً، ولاحظ البحث الطبيعة الثنائية للسيرة العراقية الشعرية: الفردية والجيلية وبيّن مقوماتها، فاحصاً أثرها النقدي.
إضافة إلى ذلك، عالج الكتاب على قدر استطاعته الجهد النقدي الصريح: الكتابة النقدية، عند الشعراء النقاد بصورتيها النظرية والإجرائية، وهي صورة غاية في الاتساع والكثرة، ومن الصعب الإحاطة بها، ولكن البحث سعى إلى تبيان ملامحها البنيوية من خلال نماذجها الأشهر، وهي ملامح فرّقت بين نمطين في النقد: النقد الصريح الذي يمثله النقاد، والنقد الذي يمثله الشعراء النقاد الذي تميز بسعة أفقه الإجرائي وانطباعيته والتداخل الوظيفي فيه بين النظرية والتطبيق، وتعدد صوره وأنماطه، واشتغاله على استثمار التجربة الشعرية الخاصة لتكون عوناً للناقد، في صورة الشاعر الناقد، على التقاط ما يصعب التقاطه على الناقد الصريح.
الدكتورة أماني حارث الغانمي: «الشعراء نقاّداً…المفهوم والتمثّلات»
دار شهريار، البصرة، 2017
190 صفحة.
صفاء ذياب