نتائج الاستفتاء: إطلاق يد الرئيس أمْ تهيئة الأجواء لمفاوضات تركية كردية؟

عشية الاستفتاء الذي نظمته الحكومة التركية في 16 نيسان/أبريل الماضي لإقرار مشروع اقتراح عمل عليه حزب العدالة والتنمية منذ عام 2005 بقصد إجراء تعديلات على الدستور للانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، تباينت وجهات نظر الشارع التركي بين معارض للتعديلات الدستورية التي تمهد لنظام استبدادي يقلل من فرص المعارضة في ممارسة الحياة السياسية والتغيير، ومؤيد للانتقال إلى نظام رئاسي ضامن لاستقرار الحكومة وإبعادها عن تجاذبات عدم الاستقرار السياسي في إطار التنافس بين الأحزاب.
وجاءت نتائج الاستفتاء مقاربة إلى حد بعيد لمعظم استطلاعات الرأي العام التي تراوحت في تقديراتها بين 52٪ و56٪، من خلال متابعة «القدس العربي» لثلاثة مراكز أبحاث تركية، وبلغ عدد المصوتين بـ «نعم» 24.32 مليون بنسبة 51.2٪ في مقابل 23.2 مليون بنسبة 48.8٪ صوتوا بـ «لا» من أصل 58.36 مليون ناخب مُسجل حضر منهم إلى مراكز الاقتراع 49.62 مليون بمعدل مشاركة يصل إلى 86٪ من مجموع 55.3 مليون ناخب يحق لهم التصويت، حسب اللجنة العليا للانتخابات.
وفي أول ردود الأفعال بُعيد إعلان النتائج، رفض حزب الشعب الجمهوري المعارض نتائج الاستفتاء إلى جانب حزب الشعوب الديمقراطي الكردي واتهما الحكومة بالتلاعب بنتائجه.
شملت التعديلات الدستورية 18 مادة تُحدد ملامح مرحلة جديدة من نظام الحكم الذي ألغى النظام البرلماني القائم ومنصب رئيس الوزراء وانتقل إلى النظام الرئاسي الذي يمنح الرئيس المزيد من الصلاحيات في السلطة التنفيذية مع تعديلات أخرى لزيادة عدد المقاعد في البرلمان من 500 إلى 600 مقعد، وتغييرات في السلطة القضائية أيضا.
تُعد الأحزاب والمنظمات والحركات الكردية وجماهيرها القريبة من حزب العمال الكردستاني من أكثر الأحزاب التي عارضت الاستفتاء وشاركت بكثافة لعدم تمريره، مثل حزب الشعوب الديمقراطي، أكبر الأحزاب الكردية، وحزب المناطق الحرة وحركة المرأة الحرة ومجلس المجتمع الديمقراطي، وتلتقي هذه الأحزاب والحركات والمنظمات على الخشية من التصعيد العسكري مستقبلاً ضد حزب العمال الكردستاني المصنّف على قائمة الإرهاب في تركيا، أو التضييق السياسي على الأحزاب والحركات الكردية الأخرى.
لكن ثمّة أحزابا وحركات كردية أيدت الاستفتاء ونتائجه، وهي في معظمها تنتمي إلى التيار الإسلامي التقليدي، مثل حزب «هدى بار» المتحالف مع الحكومة في قتال حزب العمال الكردستاني.

تحقيق المطالب الكردية

يرى حزب «هدى بار» أنّ الاستفتاء سيعطي الرئيس التركي قدرةً أكبر على تحقيق المطالب الكردية وفق رؤية إسلامية مشتركة للحزب مع حزب العدالة والتنمية الحاكم ذو التوجه الإسلامي، غير أن الأحزاب الكردية المعارضة ترى إن المواد الدستورية التي طُرحت في الاستفتاء لا تتناول بشكل مباشر ما يتعلق بالحل السياسي للقضية الكردية، أو الحقوق الثقافية للأكراد الذين يبلغ عددهم أكثر من 14 مليون نسمة يشكلون حوالي 20٪ من مجموع سكان تركيا البالغ نحو 80 مليون نسمة.
ويضم حزب العدالة والتنمية، الذي من المتوقع أن يعود الرئيس أردوغان ثانيةً إلى قيادته، نسبة من الأكراد أيدوا التعديلات الدستورية في مقابل غالبية كردية تتبنى موقف حزب الشعوب الديمقراطي الرافض لها. ويتخوف الأكراد من مواجهة أوسع نطاقاً ستخوضها القوات التركية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في المرحلة المقبلة مع تأكيد مستمر من الرئيس التركي على عزمه محاربة مقاتلي الحزب، والتضييق أكثر على حزب الشعوب الديمقراطية الذي يُنظر إليه كجناح سياسي لحزب العمال الكردستاني المحظور.
وأصدرت الرئاسة المشتركة لمنظومة المجتمع الكردستاني (تجمع يقوده حزب العمال الكردستاني ويضم ممثلين عن أحزاب كردية من العراق وسوريا وإيران وتركيا) بياناً طعنت فيه بشرعية الاستفتاء والتعديلات الدستورية التي جاءت بعد «حملة شنتها السلطات التركية ضد حزب الشعوب الديمقراطي وسجن قادته و12 نائباً واعتقال الآلاف من أنصاره، ما أفقد الحزب الكثير من قدرته على تنظيم حملات إعلامية ضد الاستفتاء».
وتراجعت نسبة الرافضين لسياسات حزب العدالة والتنمية في مدن الكثافة الكردية في الاستفتاء على التعديلات الدستورية قياساً بنتائج انتخابات 2015. ففي مدنٍ مثل ديار بكر بلغت نسبة المصوتين لصالح حزب العدالة والتنمية في الانتخابات 22٪ في حين صوت 32٪ لصالح التعديلات الدستورية التي هي مشروع خاص بالعدالة والتنمية. كما أن مدنا كردية أخرى سارت في ذات الاتجاه ما يعطي دلالة واضحة على تغيير جزئي في الاتجاه العام للأكراد إلى اتجاه آخر لا يتبنى بالمطلق الموقف المضاد لحزب العدالة والتنمية، وهي أيضاً إشارة على زيادة في نسبة الأكراد المؤيدين لحزب العدالة والتنمية في مقابل اتساع الهوة بين القطاعات الشعبية والقيادات الحزبية الكردية.

تزايد مخاوف الأكراد

تخوض الحركة الكردية التي يقودها عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني منذ عام 1984 حرباً مستمرة مع القوات التركية في إطار الكفاح لإقامة حكم ذاتي مرتبط بالحكومة المركزية في جنوب شرقي تركيا، أو إقامة نظام حكم كونفدرالي اتحادي مع الدولة التركية دون الانفصال عنها في الحالتين.
لكنّ القتال الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من الطرفين المتحاربين لم يؤدِ إلى تحقيق الأهداف الكردية بالقدر الذي أشاع حالةً من عدم الاستقرار وهدر في الإنفاق الحكومي لتغطية متطلبات الحرب وأثرها على الحياة اليومية في عدم الاستقرار الأمني والإضرار بوحدة المجتمع التركي وتهديد وحدة أراضي الدولة التركية القائمة.
تزايدت مخاوف الأكراد في تركيا مجدداً بعد تفسيرات لتصريحات رسمية أوحت باحتمالات انطلاق عملية برية للقوات التركية على الأراضي العراقية في مناطق محاذية للحدود التركية تشكل معاقل لحزب العمال الكردستاني على غرار العملية التركية في سوريا المعروفة باسم درع الفرات ضد تنظيم الدولة التي أعلنت تركيا مؤخراً نهايتها مع التحضير والاستعداد لبدء عملية جديدة في سوريا أو في العراق تستهدف هذه المرة حزب العمال الكردستاني في العراق ووحدات الحماية الشعبية الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا الذي يُعد الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني.
لكنّ نتائج الاستفتاء التي تقترب من بعضها مناصفةً تؤيد إلى حد ما رؤية مغايرة لما تراه الأحزاب الكردية من احتمالات زيادة حدة العمليات التي تشنها قوات الأمن والطيران التركي ضد المقاتلين الأكراد في جنوب شرقي البلاد أو ضد مواقعهم ومقراتهم في معقلهم الرئيس بجبال قنديل شمال العراق.
ولا تبدو نسبة الفوز مريحة إلى الحد الذي تدعو الرئيس ضمن صلاحياته الدستورية الجديدة لاتخاذ قرارات لتصعيد المواجهات ضد حزب العمال الكردستاني.
ومن غير المستبعد أن يتبنى الرئيس التركي بصلاحياته الجديدة سياسة أكثر مرونة في العودة إلى طاولة الحوار عبر وسطاء مقبولين إلى حد ما من الطرفين، مثل إيران التي تربطها علاقات تجارية ومصالح مشتركة مع تركيا، كما تربطها علاقات وثيقة مع حزب العمال الكردستاني وتنسيق ميداني مع الحشد الشعبي في محافظة نينوى الحليف المشترك لكل من إيران والحزب.

نتائج الاستفتاء: إطلاق يد الرئيس أمْ تهيئة الأجواء لمفاوضات تركية كردية؟

رائد الحامد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية