إدخال العامل الديني في الاستفتاء كان خطأ أوروبياً: الشعب التركي يقرر مصيره السياسي الداخلي ويختار الدستور بإرادته

جاءت التعديلات الدستورية يوم 16 نيسان/أبريل بعد سنوات وربما عقود من الزمن والرؤساء والمسؤولون الأتراك يحاولون ذلك، ولكنهم لم يتمكنوا من تعديل الدستور وبالأخص في مادته الأساسية التي تجعل النظام السياسي في تركيا رئاسيا، بدل النظام الحالي البرلماني، وكلاهما البرلماني والرئاسي في نظام جمهوري علماني، ونقصد بالنظام العلماني، المؤسساتي الذي يساوي بين كل أبناء الشعب التركي بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الطائفي أو القومي أو العرقي أو الاثني أو غيرها. فالدولة التركية كانت تدار من خلال البرلمان والحكومة التي يصوت على الثقة لها نواب البرلمان، والبرلمان الحالي هو الذي أسس للتعديلات الدستورية وللاستفتاء الأخير. فقد صوت على المواد الثماني عشرة في مرحلتين في النصف الأول من شهر شباط/فبراير الماضي، فالاستفتاء هو مشروع الشعب، وليس مشروع الأحزاب فقط، ولكن تأسيس الحياة السياسية التركية منذ عام 1946 على التعددية السياسية وحرية العمل الحزبي الذي يشكل السلطة السياسية عن طريق الانتخاب الديمقراطي كان أكثر ظهوراً، فقد تمركزت المشاريع السياسية في تركيا بما تقدمه الأحزاب السياسية من مشاريع تطوير سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو غيرها.
إن الاستفتاء في حد ذاته هو عمل استثنائي، فليس هناك استفتاءات دورية مثل الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية أو البلدية، وإنما هي عملية استثنائية تلجأ لها الحكومة وفق الدستور لتمرير مشروع قد لا تستطيع تمريره في البرلمان، بسبب نسب تواجد نواب الأحزاب السياسية، وبالتالي فالاستفتاء هو عودة للشعب الذي ينتخب النواب والبرلمان أصلاً، ولذلك كان عملاً قانونياً وديمقراطياً، لمعرفة توجهات الشعب وخياراته المصيرية، ولذلك لا يوجه الاستفتاء إلى أتباع دين معين ولا لأبناء قومية معينة وإنما إلى الشعب التركي كله، وبغض النظر عن النتيجة فإن الشعب هو الذي يتخذ قراره ولو بأغلبية قليلة أو كثيرة، ولو لم يوافق الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية لكان ذلك قرار الشعب التركي أيضاً، وليس قرار المعارضة، بدليل أن حزب الحركة القومية وهو من أكبر أحزاب المعارضة كان من المؤيدين للاستفتاء، حتى لو كان تأييده بنسبة 2٪ وكذلك كان أبناء القومية الكردية من أكثر المؤيدين لإنجاح الاستفتاء والتصويت بنعم، فحق التصويت هو حق لكل مواطن تركي، وهذا مكفول في المادة 76 من الدستور.

الاستفتاء والمستقبل التركي

لذلك ينبغي الحديث عن أثر الاستفتاء على المستقبل التركي وليس على الماضي، فحزب العدالة والتنمية الحاكم سعى منذ وصوله إلى السلطة عام 2002 لتطوير العملية الديمقراطية، وأطلق عليها الديمقراطية المحافظة، وكذلك دعا إلى الانفتاح الاجتماعي والمصالحة الداخلية بين كل أبناء الشعب التركي على اختلاف قومياتهم، وقدم من أجل ذلك أكثر من عشر حزم ديمقراطية تم تمريرها من خلال البرلمان في السنوات الماضية، وقد أجريت من قبل سبعة استفتاءات، والأخير هو الثامن في التاريخ التركي الحديث. فالاستفتاء في كل الأحوال خاص على مسألة معينة وقد تمت، فجاء تصويت الموافقين بـ«نعم» 51.4٪، وبـ «لا» بنسبة 48.6٪ ولذلك فإن قرار التصويت بـ«نعم» أو «لا» لن يغير من موقف المواطن التركي في انتمائه لوطنه أولاً، ولا لحزبه أو غيره.
من الملاحظات الأساسية في هذا الاستفتاء إن الكتلة الكردية أيدت بنسبة عالية، وتضاعفت أصوات الأكراد الذي أيدوا الاستفتاء عشرات المرات عن الذين كانوا يصوتون للانتخابات البرلمانية السابقة، ودليل ذلك نسب التصويت العالية في المدن التي يكثر فيها الأكراد في جنوب شرق البلاد، وهذه الزيادة في الصوت الكردي فيها دلالة مهمة، وهي أن المصوتين لم يعدوا يرون خلاصهم على يد الأحزاب التي تخرب المدن، وإنما في مشاريع الحكومة والدولة التي تخدم الشعب كله، وهذا يثبت أن تأييد حزب العمال الكردستاني قد تراجع كثيرا، فالمواطن التركي من أصل كردي يرى الآن أن مشروعه مع المواطنة والشراكة السياسية في بناء الدولة الديمقراطية وصناعة دستورها الجديد، فالتصويت للدستور الجديد هو قمة المواطنة بغض النظر عن نوع التصويت إن كان نعم أو لا.
وأما مواقف المعارضة في الطعن بالاستفتاء بحجة وجود مخالفات دستورية فهذا يتم الرد عليه من خلال اللجنة العليا للانتخابات، فهي الجهة القانونية الوحيدة التي يحق لها تقرير ذلك، وهذه اللجنة ليست حكومية، ولا من حزب العدالة والتنمية فقط، وإنما يمثل فيها أعضاء من كل الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان بالتساوي، بغض النظر عن نسبة وجود الحزب في البرلمان، فكما لحزب العدالة والتنمية عضو في اللجنة فإن لحزب الحركة القومية عضو، ولحزب الشعب الجمهوري عضو أيضا، وكذلك لحزب الشعوب الديمقراطي، والطعن الذي حصل بعد صدور نتائج التصويت كان على أمر قد تم التصويت عليه بالإجماع من قبل لجنة الانتخابات العليا، بموافقة ممثلي كل الأحزاب التركية، وذلك بقبول بعض أوراق التصويت غير مختومة من اللجان المختصة مسبقا لأسباب شكلية، فلجنة الانتخابات العليا هي المسؤولة عن اتخاذ قرارات متعلقة بعملية التصويت في يوم التصويت، فهي المخولة وحدها بمعالجة كل الاشكاليات التي تواجهها، والغريب أن الأحزاب التي طعنت بصحة الاستفتاء على أساس هذه الاشكالية ليس لديها رقم محدد لعدد البطاقات غير المختومة، فهي في الغالب استقت هذه المعلومة من مندوبها في اللجنة العليا في الانتخابات، وبينما وافق مندوبها على اعتماد تلك البطاقات جاءت قيادة حزب الشعب الجمهوري لتطعن بقرار ممثلها في اللجنة العليا. وعلى فرض وجود خطأ في بعض البطاقات فإن من يتحمل مسؤولية ذلك هي اللجنة العليا وليس الحكومة، ومن باب أولى ان لا يتحمل ذلك المواطن الذي قام بواجبه وحقه، وفي النهاية فإن اللجنة العليا للانتخابات هي الجهة التي تقرر صحة الاستفتاء أو عدمه، وقد أقرت نتائج الاستفتاء أولاً، ورفضت إلغائه ثانياً، وبحكم الدستور التركي فإن قرار اللجنة العليا للانتخابات مصدق وله حصانة كاملة، ولا يمكن الطعن بقراراتها أمام المحاكم التركية.

اللجان الأوروبية المراقبة مطعون في شهادتها

وأما لجان المراقبة الأوروبية فلم تستطع تسجيل عملية تزوير واحدة، ولكنها سجلت ملاحظات أحزاب المعارضة التركية على الاستفتاء، ولذلك تبقى ملاحظات اللجان الأوروبية مجرد وجهات نظر مسموعة، ولكن ما خدش بملاحظاتهم وجود مؤيدين لحزب العمال الكردستاني داخلها، فبدت اللجان الأوروبية المراقبة لعملية الاستفتاء مطعون في تقريرها وشهادتها، ومرفوضة من الحكومة التركية على إثر ذلك، وبالتالي فإن الشعب التركي يدخل شهادتها في حملة المعاداة للاستفتاء التي شنتها بعض الدول الأوروبية منذ أشهر وسنوات، بل إن المواقف الأوروبية المعادية للاستفتاء على الأراضي الأوروبية كانت ذات ردود أفعال سلبية بالنسبة لأوروبا وإيجابية بالنسبة لتركيا، فالشعب التركي لا يثق في الأوروبيين ولا في الغرب عموماً، فالأوروبيون لم يعودوا يخفون مواقفهم العدائية ضد تركيا، بل ويظهرون دعمهم للانقلابيين الذين قتلوا أبناء الشعب بالمئات في تموز/يوليو الماضي.
على أساس هذه المواقف والمشاهد فإن دور الدين قد أدخلته الحملات الأوروبية ضد الاستفتاء وليس الأحزاب التركية، لا المؤيدة مثل حزب العدالة والتنمية والحركة القومية وحزب الاتحاد الكبير وحزب الهدى «الكردي» ولا الأحزاب المعارضة للاستفتاء مثل حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي وحزب السعادة (الإسلامي) فإدخال العامل الديني في الاستفتاء كان خطأ أوروبياً خالصاً، فهم واتباعهم الذين أخذوا يتحدثون عن السلطان العثماني وأشباهها من الإساءات للرئيس، هي ذات انعكاسات دينية معروفة.
وأما موقف الجيش التركي، فقد كان حياديا وإيجابيا نحو الشعب كله، فلم يكن طرفا مع أحد، ففي استفتاء 2010 وبعض الحزم الديمقراطية السابقة جرى تعديل وظيفة الجيش التركي، ليصبح مثل باقي جيوش العالم المتقدمة ويعمل على حماية الحدود الخارجية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية السياسية أو الاقتصادية أو غيرها، والجيش التركي حريص على استقرار الدولة، ولا يتدخل في تطوير الحياة السياسية المدنية، بل إن في الدستور المعدل بعض المواد التي تنص على نهاية عهد المحاكم العسكرية، وقد كان لانتصار الشعب في تموز/يوليو الماضي على الانقلابيين أثر كبير على الجيش، لأنه وجد الشعب يحمي الحكومة والجيش والدولة، فاحترام الشعب للجيش أصبح من القضايا التي يتباهى بها الجيش بعد الانقلاب الأخير، وبالتالي فإنه يحفظ للشعب حقه في تقرير مصيره السياسي الداخلي ووضع الدستور الذي يختاره بإرادته الحرة، فاللحمة والثقة بين الجيش والشعب التركي في أقوى مراحلها وصورها.

إدخال العامل الديني في الاستفتاء كان خطأ أوروبياً: الشعب التركي يقرر مصيره السياسي الداخلي ويختار الدستور بإرادته

محمد زاهد جول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية