إسطنبول ـ «القدس العربي»: على الرغم من أن تمرير الاستفتاء الأخير حول التعديلات الدستورية والنظام الرئاسي في تركيا يعتبر بمثابة حلقة جديدة في سلسلة انتصارات حزب العدالة والتنمية الحاكم والمتواصلة دون انقطاع منذ 15 عاماً في البلاد، إلا أن تفاصيل النتائج تكشف عن «رسائل مخيفة» تلقتها قيادة الحزب من الشارع التركي.
هذه القيادة المتمثلة في الرئيس الحالي بن علي يلدريم تستعد خلال الفترة القريبة المقبلة للتنحي عن موقعها وتسليم الراية مجدداً للمؤسس والزعيم الفعلي للحزب الرئيس رجب طيب أردوغان الذي بات بإمكانه وبموجب التعديلات الدستورية الجديدة العودة للحزب بعد أن اضطر لتركه إبان الانتخابات الرئاسية عام 2014.
فالحزب الذي انتصر في عشرة انتخابات متتالية منذ أول انتخابات خاضها عام 2002 اكتفى بفارق الـ1.4٪ من الأصوات، وفشل في تحشيد جمهوره لدعم الاستفتاء في مراكز هامة وحساسة لا سيما في المدن الأربع الأكبر في البلاد لا سيما مدينة اسطنبول التي تمثل أكبر ثقل انتخابي بأكثر من 10 مليون ناخب، كل ذلك على الرغم من الدعم الذي تلقاه من حزب الحركة القومية المعارض وهو ما يكشف عن تراجع فعلي لشعبية «العدالة والتنمية».
15 عاماً من الانتصارات الانتخابية
«العدالة والتنمية» ظهر لأول مرة بهذا الاسم على مسرح السياسة التركية في 14 آب/أغسطس 2001، بزعامة المؤسس أردوغان، ومنذ ذلك الحين أفرز الحزب رئيسين للجمهورية هما عبد الله غل، ورجب طيب أردوغان، وأربع رؤساء وزراء هم غل، وأردوغان، وأحمد داود أوغلو، وبن علي يلدريم.
وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر2002، وبعد 15 شهراً فقط من تأسيسه خاض حزب العدالة والتنمية، أول معركة انتخابات عامة في تاريخه السياسي، تمكن خلالها من الفوز في الانتخابات بنسبة 34٪ مكنته من تشكيل الحكومة الـ 58 في الجمهورية التركية برئاسة عبد الله غل.
أردوغان لم يتمكن آنذاك من ترؤس الحكومة بسبب تبعات الحكم عليه بالحبس عام 1998 لمدة 10 أشهر، إثر اقتباسه أبياتاً من شعر تركي أثناء إلقائه خطاباً جماهيرياً في مدينة سعرد، اعتبرتها المحكمة وقتها تحريضاً على الكراهية الدينية، ومنعته من العمل في الوظائف الحكومية لمدة معينة، ومنها الترشيح للانتخابات العامة.
لكن سرعان ما عاد أردوغان للساحة السياسية في 8 آذار/مارس 2003، وفاز في الانتخابات العامة المعادة في ولاية سيعرت (جنوب شرق)، ليصبح نائباً عنها في البرلمان التركي، أعقب ذلك استقالة حكومة غل في 11 آذار/مارس 2003، ومنح الرئيس العاشر للجمهورية التركية أحمد نجدت سيزر، مهمة تشكيل الحكومة الـ 59 لأردوغان، في 15 آذار/مارس 2003، ليصبح بعدها رئيسًا للوزراء.
وفي عام 2004 شهدت تركيا انتخابات محلية احتل فيها حزب العدالة والتنمية الصدارة أمام الأحزاب التركية المشاركة بنسبة 38. ومرة أخرى، تمكن العدالة والتنمية بقيادة أردوغان من الفوز في الانتخابات العامة التي جرت عام 2007 بنسبة 46.6 ٪. وكذلك في الانتخابات المحلية عام 2009، تمكن الحزب من حصد معظم الأصوات الانتخابية، وفاز بإدارة 442 بلدية 10 منها في المدن الكبرى بما نسبته 43٪.. وفي الانتخابات العامة عام 2011 تمكن العدالة والتنمية من الحصول على 49.53٪ من الأصوات الانتخابية واستمر على رأس السلطة في تركيا. وفي عام 2014، دخل الحزب آخر انتخابات محلية بقيادة أردوغان، ليتمكن من الفوز بـ 818 بلدية، 18 منها في المدن الكبرى بنسبة 38.8 ٪.
وشهد آب/أغسطس عام 2014 إجراء أول انتخابات رئاسية صوّت فيها الشعب في تاريخ تركيا، وفاز بها أردوغان بأكثر قليلا من 52٪ من الأصوات، ليصبح الرئيس الـ12 لتركيا، وفي أول انتخابات عامة جرت في عهد رئاسة أحمد داود أوغلو للحزب، فاز العدالة والتنمية في انتخابات 7 يونيو/ حزيران 2015، بنسبة 40.87٪.، لم يتمكن خلالها من تشكيل حكومة بمفرده وفضل الذهاب إلى انتخابات جديدة بدلاً من تشكيل حكومة ائتلافية، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2015 أعيدت الانتخابات العامة، وحصل الحزب على 49.49٪ من أصوات الناخبين وشكل حكومة بمفرده.
كما تمكن الحزب من تمرير استفتاءين سابقين في 2010 و 2014، بنسب تقترب من 60٪. وأخيراً، تمكن وبدعم من أطراف سياسية أخرى في البلاد من تمرير الاستفتاء على التعديلات الدستورية ولكن بنسبة لم تتجاوز 51.4٪، مع خسارة الأغلبية في المحافظات الكبرى كأسطنبول والعاصمة أنقرة وإزمير وديار بكر وغيرها.
عودة أردوغان إلى قيادة الحزب
مواد الدستور الـ18 التي جرى تمريرها في الاستفتاء ستصبح سارية المفعول عقب إعلان لجنة الانتخابات المركزية النتائج النهائية والإعلان عن بدء سريانها رسمياً في الجريدة الرسمية، وهو ما سيتم حسب التوقعات قبيل نهاية الشهر الجاري، وسيبدأ التطبيق الفعلي للمواد المتعلقة بالنظام الرئاسي وغيرها في نهاية 2019، يمكن لأردوغان التطبيق الفوري للمادة المتعلقة بإمكانية انتساب الرئيس لحزب سياسي.
وقال رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية مصطفى أليطاش إن قيادة الحزب ستلجأ إلى دعوة أردوغان في السابع والعشرين أو الثامن والعشرين من الشهر الجاري إلى العودة لأروقة الحزب وذلك بموجب التعديلات الدستورية الجديدة. وقال الرئيس الحالي للحزب بن علي يلدريم، إن أردوغان، بصدد العودة للحزب قريباً، بعد أن تقرر هيئات الحزب الخطوات المقبلة في هذا الصدد. وأكد أردوغان في لقاء تلفزيوني أنه سيعود لحزب العدالة والتنمية بعد إعلان النتيجة النهائية والرسمية.
ويرى مراقبون أتراك في عودة أردوغان «خطوة مهمة» قد تساعد الحزب في تدارك التراجع الذي حل به خلال الأشهر الأخيرة وظهر في نتائج الاستفتاء، لا سيما وأن شعبية الحزب الأساسية بنيت على شخص أردوغان الذي يحظي بتأييد أنصاره بشكل عاطفي وكبير بسبب الكاريزما التي يتمتع بها، وذلك على العكس من بن علي يلدريم الذي لا يتمتع بأي من هذه الصفات.
والخميس، اعتبر أردوغان أن عودته إلى الحزب «ستضيف قوة له وللحزب ستصب في صالح تنمية تركيا».
الإصلاحات وتدارك النتائج
باستثناء التقدم اللافت الذي حققه الحزب في المناطق ذات الأغلية التركية في جنوبي وشرقي البلاد، أظهرت النتائج التفصيلية للاستفتاء تراجعا لافتا في شعبيته في الكثير من المراكز الهامة، وهو ما اعتبر بمثابة ناقوس خطر ولد مطالبات واسعة للحزب بسرعة العمل على تدارك الأمر قبل حدوث تراجع أكبر في شعبيته قد ينهي تدريجياً تفرده بحكم البلاد المتواصل منذ 15 عاماً.
وعلى الرغم من أن قيادات الحزب حاولت التأكيد في البداية على أنه لا سيمكن قياس شعبية الحزب من نتيجة الاستفتاء كونه لم يكن يتعلق باستفتاء على شعبية الأحزاب أو انتخابات تقيس شعبيتها، إلا أنه اضطر لاحقاً إلى الإعلان وإن بطرق غير مباشرة عن أن الحزب فهم الرسائل التي وجهها الشعب التركي له من خلال التصويت.
رئيس الوزراء كان الأكثر وضوحاً عندما اعتبر أن المواطنين أرسلوا من خلال الاستفتاء رسائل إلى جميع الأحزاب بما فيها حزب العدالة والتنمية. وقال «إن الرسالة التي فهمها الحزب من تصويت المواطنين هي أن ثقتهم في الحزب مستمرة، إلا أنهم يريدون منه أن يكون أكثر دقة في عدد من الموضوعات، وهو ما سيراعيه الحزب مستقبلا».
ولفت يلدريم إلى أن الحزب سيعقد خلال العام الجاري مؤتمراته على مستوى الولايات والمدن، ثم يعقد في العام المقبل 2018 مؤتمره العام الاعتيادي.
من جهته، قال محمد شيمشك نائب رئيس الوزراء التركي لشؤون الاقتصاد إن التصويت لصالح التعديلات سيساهم في إزالة الغموض الاقتصادي في تركيا، متوقعا العودة في المرحلة المقبلة لتحقيق نمو يتراوح بين 5-6 في المئة، مضيفاً: «حكومة العدالة والتنمية ستعطي الأولوية في المرحلة الحالية لتنفيذ برنامج من الإصلاحات الشاملة كانت أعدته قبل عدة سنوات، وستتم ملاحظة هذه الإصلاحات على المدى القريب، لاسيما في قطاعات التعليم والعدالة وتوفير فرص العمل والضرائب».
إسماعيل جمال