كشفته «خطبة الشيخ» لطه حسين: الفساد الثقافي وفلسفة الترهيب الحاكمة في مصر

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: قدر «طه حسين» أن يكون دوماً مثاراً للجدل، وقدر المناخ الثقافي المصري أن يكون دوماً مثاراً للشفقة، ما بين معارك وهمية موسمة بالضلال، والبحث الدائم عن وجود مزعوم من هذا الشخص أو ذاك، وأن يصبح أحدهم الراعي الرسمي للتنوير وما شابه من العيش على البحث في كتابات الآخرين، انتقاداً أو تأويلاً أو ادعاء بالاكتشاف، أو ما شئت من المسميات. الصورة تبدو أكثر مأساوية وشكلاً من أشكال الكوميديا السوداء، حتى أن الخيال الروائي من الممكن أن يختلق عملاً روائياً ساخراً عن شخصيات منتفخة تتوهم أنها معصومة لم ولن تمس.
ومنذ الإعلان عن اكتشاف رواية جديدة لعميد الأدب العربي، بعنوان «خطبة الشيخ»، بدأ الصخب ولم يهدأ في الوسط الثقافي المصري، كان على إثره كتابة مقال مطوّل من قِبل جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق، والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الأسبق أيضاً في جريدة الأهرام المصرية، في لغة عنيفة واتهامات بعدم المهنية والتزوير لكل من الصحافي ناقل الخبر، وقائله رئيس دار الكتب والوثائق المصرية السابق، ونتاج ذلك قدّم كل من المذكورين ــ وكأننا في حالة ضبط بوليسي ــ استقالتهما إلى وزير الثقافة الحالي «حلمي النمنم»، الذي قبلها على الفور. ولا شأن لنا باستقالة هذا أو ذاك، ولكن الأمر اللافت هو مدى السيطرة التي يمارسها حتى الآن عصفور على المناخ الثقافي في مصر، وكأنه شرطي يصدر أوامره الجديرة بالتنفيذ، وعلى الجميع السمع والطاعة. عصفور لم يزل يمنع ويمنح بركاته على المشتغلين في المجال الثقافي المصري، ولا يستطيع احتمال أن يمر خبر مثل هذا إلا من خلاله، وإلا ماذا سيفعل الراعي الرسمي للتنوير؟!
قضية رواية طه حسين تفتح ملف هؤلاء، أكثر من كونها رواية مجهولة، وبغض النظر عن اكتشافها من عدمه، وبغض النظر عن الجيل الجديد الذي تربى على يد عصفور، والذي يحاول أن ينشئ علاقاته الخاصة، ليصبح بدوره سلطة في يوم ما، وأن التسرع في إظهار وجوده قبل الأوان ستكون عواقبه وخيمة. فتبدو الأمانة التي ينادي بها عصفور من المفارقات المضحكة في الثقافة المصرية، وتاريخ الرجل يشهد بذلك، فهو الذي أدار عملية (التدجين) والمؤسس الفعلي لحظيرة فاروق حسني، وتحويل المثقفين إلى كائنات مستأنسة تأكل وتشرب وتأخذ الجوائز. فلم يكن الرجل بعيداً عن النظام الذي سقط طيلة العقدين الأخيرين، رغم الادعاء الدائم بغير ذلك، بأنه حسب قوله «يحاول تغيير السلطة من الداخل»! لتتواتر التبريرات، كقبوله وساماً من الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بن علي، الذي رآه عصفور وساماً من الشعب التونسي إلى الشعب المصري. كذلك عند قبوله جائزة القذافي، الوصمة التي رفضها الكثيرون، ليقول كلمته وقتها.. «عندما تكرمونني، فأنتم في حقيقة الأمر تكرمون الوحدة العربية والحرية والاشتراكية، فمن أجل هذا الحلم أحييكم».
سنستعرض الأحداث سريعاً، ونستــشهــــد بآراء بعض المثقفين المصريين على المعارك الثقافية الخائبة:

أحلام الجيل الجديد

نشر الكاتب الصحافي «سيد محمود» رئيس تحرير جريدة القاهرة السابق، يوم 23 آذار/مارس 2017، في جريدة الحياة اللندنية مقالاً بعنوان «اكتشاف رواية مجهولة لطه حسين»، جاء فيه أنها رواية تنتقد الأزهريين، وتدور حول مناقشة قضايا المرأة وحقوقها فى التعليم وحرية الفكر والحياة والزواج، واعتمدت الرواية في سرد أحداثها على 15 رسالة متبادلة بين شخصياتها وهى، الابنة إحسان، صديقتها أسماء والأب سيد رحمى والخطيب الشيخ علام وقاضى المحاكم الشرعية الشيخ زهران. وحيث تنتهي كل رسالة بكتابة اسم المرسل ومكانه وتاريخ الإرسال، ما يكشف زمن الكتابة بين نيسان/أبريل وايار/مايو 1913، ورغم أنها نشرت في حلقات في مجلة «السفور» فى عام 1916، إلا أنها أسبق كتابة من رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، والتي صدرت عام 1914. ذلك كما جاء تصريح «محمود الضبع» رئيس دار الكتب والوثائق الأسبق. وفي المقال سبب الأزمة، استشهد سيد محمود بآراء بعض النقاد والكتاب عن هذا الحدث، أمثال صلاح فضل، وأنور مغيث، ومحمد برادة.

شرطي الثقافة المصرية

في 7 نيسان/أبريل 2017 نشر جابر عصفور مقالة في جريدة الأهرام المصرية ــ تتجاوز الألفي كلمة ــ تحت عنوان «عن ريادة الروايات العربية تسرع وعدم أمانة»، ومن خلال بعض فقراتها يوضح عصفور رؤيته ودوره في الأحداث الجسام، وما يضرب الثقافة المصرية من تزوير وعدم أمانة، إضافة إلى اتصال وزير الثقافة به وهو في حالة من الغضب الشديد، وكأنه يُشهده على ما حدث! وسنكتفي بفقرة من المقال على سبيل المثال، إذ يقول عصفور: «ما وصفه سيد محمود بالاكتشاف على يد محمود الضبع الرئيس السابق لدار الكتب بأنه حدث بارز جداً أدبياً وثقافياً ليس جديداً، ولم يكن كذلك، بل تعجل أهوج وعدم أمانة علمية، سواء من الذي كتب خبر هذا الاكتشاف، أو من الذي زعم أنه صاحب الاكتشاف، فالأمر لا يدخل في باب الاكتشاف أصلاً … ولكنهما للأسف تسرعا ونسيا الأمانة العلمية التي حاول جيلي والجيل السابق على جيلي أن يؤسساها في ضمائر أساتذة هذا الجيل».

عصفور ورفاقه

يمثل جابر عصفور المثال الأكبر للسلطة داخل المناخ الثقافي المصري، رغم ابتعاده عن أي منصب رسمي الآن، هنالك العديد من أشباه عصفور، كل حسب قدراته وشبكة علاقاته التي تواصل مسيرتها مع النظام السياسي السابق والذي لم يختلف عنه النظام الحالي ــ الفترة الثورية كانت ومضة استثناء ــ هناك العديد من النقاد يعتبرونه مثلاً أعلى، ويقومون بدورهم على الوجه الأكمل حتى الآن، كإصرارهم على تربية تلاميذ أوفياء يخوضون المعارك بدلاً عنهم، ويردون على منتقديهم في الصحف وشبكات التواصل الاجتماعي ــ أحد الأكاديميين وبعض الكتّاب طلبنا رأيهم في قضية أثيرت أخيراً بشأن آراء ناقد كبير السن، يعمه في غيه منذ زمن، فما كان من أحدهم إلا القول صراحة .. «لو اتكلمت بجد هاقعد في بيتنا، أنا مش حِمله ولا حِمل صُبيانه».

فلسفة الترهيب

ويرى الروائي «رؤوف مسعد» أنه .. إذا كان ما قيل بالفعل هو حقيقي وحقيقة، وبغض النظر عن موقف جابر عصفور ــ فمن المفترض أنه خارج دائرة السلطة والسلطان ــ لكن من المؤكد أن هناك علاقة ما بين استقالة سيد محمود والضبع بما قيل ويقال عن الرواية، وحتى ولو كان هناك خطأ ما منهما في تحديد مَن المُكتشِف الأول، فلا يجوز أن يكون هذا سبباً في أن يستقيل كلاهما أو يُفصلان، لأنه يعد سبباً تافهاً وغير مؤثر، وما العمل لو قام أشخاص من المسؤولين الكبار في وزارة الثقافة بجرائم كبيرة وحقيقية على العكس من احتمال خطأ محمود والضبع؟! أنا لا أود أن أتهم الوزير ــ لا تربطني به أي مصلحة ــ لأنه لا توجد أدلة كافية على تدخله بهذا الأمر، لكن ما أراه الآن من حكاية الفصل وتبعاتها هو أمر مقزز ومثير للغثيان أن يكون فصلاً أو استقالة لسبب أراه تافهاً للغاية، لذا اندهش أن رجل مثل عصفور عنده ضغائن على أسباب غير هامة بالمرّة. من الممكن لو كان هناك خطأ يتم تصحيحه بشكل آخر، وأرى أنها أزمة تعبر عن حالة من الضحالة الفكرية داخل أجهزة الدولة الهامة مثل وزارة الثقافة، كما أن يصبح منصب رئيس تحرير مجلة أسبوعية ــ بغض النظر عن مَن يكون ــ أخطر وأهم من محاسبة هذا الرئيس على تجاوز ما في عمله بالفصل، كل هذا يوضح تركيبة فلسفة الحكم القائم على الترهيب بشكل عام، فلكل حكم فلسفة ما، وفلسفة الحكم الآن هي الترهيب.

النماذج الثقافية ومعارك وجودها

كما يؤصل الباحث والشاعر والمترجم «حاتم الجوهري» للأمر بقوله: أعتقد أن الأمر له جذور أبعد مما يطفو علي السطح؛ ولا يتعلق برواية واكتشافها أو طريقة تقديم ذلك في جريدةّ، أو رد الفعل تجاههما .. الثقافة المصرية فى أزمة منذ يناير 2011، بشرت بنماذج ثقافية ومعرفية طوال سنوات وراهنت على نجاحها، لكن صدمة يناير أربكت دعاة هذه النماذج الثقافية! وكان أمامهم اختياران إما الانسلاخ عن النماذج القديمة، والتكيف مع النماذج الجديدة والتحول لمجرد أبنية فرعية تجاوزتها الظرفية التاريخية. أو الاختيار الثاني أن يتشبثوا بمواقعهم ويدافعوا عن وجودهم ومصالحهم، ومعيار الحسم كان تبعية بنية الثقافة المصرية لمؤسسات الدولة السياسية، فحين عجزت الثورة عن التحول لنظام سياسي، صارت الغلبة لدعاة النماذج التاريخية، وحاولوا إعادة إنتاج الخطاب الثقافي ذاته الذي يقوم على وجود تناقضات داخل المجتمع وبنيته السياسية، ومحاولة تقديم الخطاب الثقافي كبنية فرعية وظيفية في معركة هذه التناقضات. في ظل التوصيف السابق، يمكنك أن تضع معظم «التباديل» والتوافيق التي جرت في مؤسسات الثقافة المصرية حتى اليوم؛ كل ما يحدث هو تغيير في لون طلاء الغرفة القديمة، وليس تدافعاً من أجل بناء غرفة جديدة أو مشروع ثقافي جديد يعيد إنتاج الحضارة المصرية ويواجه مشاكل البلاد التاريخية! ما حدث هو تدافع على النفوذ ومساحة دور البعض فى البنية الثقافية ذاتها، ربما شعر البعض أنه يملك ما يؤهله لتجاوز دور العباءة التاريخية حين أصبح داخل المطبخ، وربما شعر الآباء المؤسسون أن ولايتهم على النمط الثقافي سارية، وتستوجب الردع قبل أن ينجح البعض في تقديم نفسه كشيخ جديد للطريقة. الأزمة أن كل ذلك في إطار العباءة، في حين أننا في حاجة لمشروع ثقافي يقوم على منتجات معرفية متجذرة تتفهم طبيعة البلاد، وتقدم البدائل والحلول المرتبطة بواقعها المأمول.

ولو القليل عن الرواية ودلالتها

وفي ما يخص الحديث عن الرواية ودلالة وجودها، تقول الشاعرة «مروة نبيل» .. «حريصون على تجميع تلك الرواية المُكْتَشفة حديثًا لعميد الأدب العربي، ليس تتبُّعًا وافتتانًا بالعميد بقدر ما هي مطالبة بحقوق الباحثين في مواصلة التقصي عن منابع التنوير في مجتمعنا العربي، بوصفها الإرث الحي، وبوصفها حُججاً يمنحها لنا التاريخ كي نستخدمها عندما نريد التحدُّث عن حقيقة ريادتنا. فأن يكتب طه حسين روايته عام 1915 أي عندما كان عمره لا يزيد عن ستة وعشرين ربيعًا، ويبثها على هيئة رسائل تتحاور مع بعضها البعض؛ تتحدث في مضمونها عن أحقية المرأة ــ نصف المجتمع ــ في أن تحوز حريتها، ثم يوسم هذه المحاورات بعنوان «خطبة الشيخ»، وهو في نظري عنوان مفعم بالدلالة فهذا معناه أننا اكتشفنا منتجاً أدبياً ومعرفياً نابضاً يمتلك في ذاته تساؤلات دقيقة، ويحمل بعض الإرهاصات الحقيقية للإجابة عليها، وكون الرواية تنشر مُسلسلة فهذا يدعونا للظن أنها كانت دعوة منه كي يتشارك المجتمع في استكمال تلك الإجابات، قد تكون الرواية تعضيدًا لدعاوى تنويــــرية أخري اهتمت بتحسين وضع المرأة وقتذاك كمحاولة قاسم أمين مثلا؛ ولكن أن يقدم الأخير كتابًا بعنوان «تحرير المرأة» من باب المشاركة المباشرة في إصلاح المجتمع؛ يختلف كثيراً عما يقدمه ناقد وأديب كطه حسين ذو التجربة المتفردة في كل جوانبها، تجربة لا يتصدرها إلا الخيال، ولا تنظمها إلا عين العقل، فبالضرورة سينتج عن ذلك نسق واقعي مؤطر ومزيّل بجمال خاص. اللافت للنظر أن رواية «خطبة الشيخ» بدأت تصدر في العام الذي عاد فيه طه حسين من فرنسا حيث أوفدته الجامعة المصرية إلى مونبلييه، وقد ظل في مصر ثلاثة أشهر قبل أن يعود إلى فرنسا ثانية، مما يشير أنها تجــــربة كتبت تحـــت وطأة حِسه النقدي المُقارِن المحــــض، وذوقه الذي كان بالتأكيد في أقصى درجات صيرورته نحو التنوير، وأنها أيضا كتبت في المرحلة التحضيرية الخاصة بأطروحة الدكتوراه الثانية «الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون»، وكل هذه الخيوط الهائمة تحث الباحثات والباحثين على التنبؤ بقيمة هذا المحتوى المُكْتَشف.

كشفته «خطبة الشيخ» لطه حسين: الفساد الثقافي وفلسفة الترهيب الحاكمة في مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية