وجه الدولة

حجم الخط
0

شكل قرار المحكمة العليا الاسبوع الماضي، الذي صادق على قرار بلدية تل ابيب السماح بفتح أكشاك البيع في السبوت، خلفية مناسبة لبحث جرى الخميس الماضي في معهد سياسة الشعب اليهودي. التوقيت: قريبا من يوم الاستقلال. السبب: نشر معطيات من «مؤشر التعددية» السنوي للمعهد. اعتراف: أنا زميل كبير في المعهد وأشتغل على المؤشر. بمعنى أن لي مسؤولية معينة عن هذا البحث، عن نقاط ضعفه وقوته، ولكن يخيل لي انه حتى الناظر الاكثر موضوعية يمكنه أن يتفق على أن المعطيات مثيرة للاهتمام. في المداولات التي شارك فيها غير قليل من الخبراء العارفين جيدا للمجتمع الإسرائيلي نشأ ايضا الانطباع بانه يمكن ان يستمد من هذه المعطيات بعض التفاؤل.
وهذه تتعلق بمسألة أنه في مركز جدول الاعمال الإسرائيلي، توجد ما أسماه الرئيس روبين ريفلين «مسألة القبائل». فإسرائيل هي مجتمع متعدد الجماعات، متعدد التوترات، متعدد الهويات. دولة التكافل الاجتماعي هو حجر الرحى في بنائها وبقائها، ومع ذلك توجد فيها غير قليل من الجماعات التي تسعى إلى بناء هويتها دون تدخل من عموم المجتمع. فالاصوليون يريدون أن يكونوا اصوليين بلا جدال. ومن جهة أخرى، كما اثبتت ردود الفعل على قرار محكمة العدل العليا، ليس تماما بلا جدال. والا، لما كان لاحد مبرر للشكوى من أن في المدينة التي معظمها علمانيون، تفتح الاكشاك في يوم الراحة.
ما الذي يريده الإسرائيليون، التراص أم الانفصال للجماعات؟ يريدون، بالطبع، هذا وذاك. مؤشر المعهد لسياسة الشعب اليهودي يبين، مثلا، ان الإسرائيليين لا يريدون أن يعيشوا في احياء مختلطة لليهود وللعرب، لا اليهود منهم ولا العرب أيضا. والموضوع الوطني يحدد رغبة في السكن المنفصل. ومثله أيضا المزايا الدينية للجماعات المختلفة. هذا بارز على نحو خاص، في حالة المسيحيين والمسلمين في إسرائيل، ممن لا يريدون حقا العيش معا، لدرجة ان في العينة لم يظهر حتى ولا مسيحي إسرائيلي واحد قال انه مع احياء مشتركة للمسلمين والمسيحيين (من اوساط المسلمين نحو العشر يعتقدون انه مناسب او مناسب جدا أن يعيش المسلمون والمسيحيون في احياء مختلطة).
وبالفعل، في اوساط اليهود نجد أن الرغبة في الانفصال أقل حدة. ومع ذلك، كلهم يهود. ومن جهة اخرى حتى عندما يدور الحديث عنهم، فإن العنصر الديني هو عنصر فاصل، وليس موحد. فنحو نصف ممن يعرفون أنفسهم «علمانيين تماما» ـ نحو الثلث بين اليهود ـ لا يعتقدون ان من المناسب للعلمانيين والمتدينين أن يسكنوا في احياء مختلطة. نسبة أعلى منهم، 53 في المئة، لا يعتقدون ان من المناسب أن يسكن العلمانيون والاصوليون في احياء مختلطة.

نوع من الاجماع

فحص المؤشر السكان اليهود في تقسيم لسبع جماعات وفقا للانتماء الديني: الاصوليون، الاصوليون القوميون، المتدينون، المتدينون الليبراليون، التقليديون، العلمانيون شبه التقليديين والعلمانيون. الفوارق بين الجماعات واضحة. وهذا معروف من بحوث اخرى، ولكنها تتضح أيضا من الاسئلة عن الرغبة، او عدم الرغبة في السكن المشترك. فالمتدينون يريدون السكن معا ـ 81 في المئة منهم. العلمانيون «شبه التقليديين» يريدون هم ايضا السكن مع المتدينين، وان كان أقل، 68 في المئة. ولكن المتدينين ليسوا اصوليين. مع الاصوليين ـ حتى العلمانيون شبه التقليديين لا يريدون ان يسكنوا. وبالمناسبة، فإن الاصوليين انفسهم لا يستبعدون ذلك بالضرورة. فنحو نصفهم يؤيدون الاحياء المختلطة مع العلمانيين. لعله لانهم يخافون اقل من أن يرغب الطرف الاخر في أن يفرض عليهم عادات ليست عاداتهم.
بشكل عام، الاصوليون هم الجماعة المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي. لا حاجة بالضرورة للشفقة عليهم ـ لأنهم يتحملون على أي حال قدرا من المسؤولية عن هذا ـ ولكن لا حاجة ايضا لحسدهم. فعندما يسأل الإسرائيليون من هي الجماعات في المجتمع التي تساهم أكثر أو أقل في نجاح إسرائيل، يحصل الاصوليون على العلامة الادنى. فاليهود يرتبونهم في المرتبة الثانية قبل الاخيرة، في أسفل سلم التقدير توجد جماعة «العرب المسلمون». ولعله بشكل مفاجيء ولعله لا، فإن العرب أيضا يرتبونهم في اسفل السلم. ففي اوساط العرب المسيحيين، يأتي الاصوليون في آخر الجدول. في أوساط العرب المسلمين، يأتي الاصوليون في المرتبة الثانية قبل الاخيرة ـ المستوطنون وحدهم يوجدون دونهم.
بمعنى أنه يوجد هنا نوع من الاجماع. ففضلا عن الاصوليين أنفسهم الذين يرتبون في رأس جدول المساهمين في المجتمع «شباب المدارس الدينية» (الباقون يرتبونهم أدنى جدا)، بعدهم يضعون أنفسهم، أي «الاصوليون»، وبعد ذلك ـ ولعلكم تتفاجأون ـ يأتي «الجنود». لعل الاصوليين يخدمون في الجيش أقل، ولكنهم يقدرون الجنود بقدر ليس اقل (بكثير).
من جهة أخرى، قلة فقط يقدرون الاصوليين. ففي اوساط العلمانيين هم تماما في المرتبة الاخيرة. اما في اوساط العلمانيين شبه التقليديين ففي المرتبة الثانية قبل الاخيرة. وفي اوساط التقليديين، الرابعة قبل الاخيرة. وفي اوساط المتدينين الثامنة قبل الاخيرة. بمعنى، أنه حتى العرب لا يرون مساهمة الاصوليين بعين ايجابية.
ومن يقف في الطرف الاخر من السلم؟ الجنود. فهم على الرأس لدى كل اليهود، باستثناء الاصوليي. العرب ايضا ـ ومرة اخرى، لعلكم تتفاجأون، ليس واضحا تماما كيف يمكن تفسير ذلك (هل هذا تقدير حقيقي لمساهمة الجنود أم تخوف من القول خلاف ذلك) ـ يرتبون الجنود في مرتبة عالية جدا. ليس على الرأس. ولكن عاليا جدا. مرتبة رابعة لدى المسيحيين، مرتبة ثامنة لدى المسلمين من اصل 22 جماعة. فمن يرتبه العرب في الاول؟ المسلمون، الذين هم الاغلبية الساحقة من العرب، «التل ابيبيون الشماليون». خيار مشوق.
ربما لان شمال تل أبيب تمثل النجاح، ربما لان العرب يشخصون فيه مكانا يسكن فيه شركاء سياسيون محتملون. وبالمناسبة، فإن المسلمين لا يرتبون أنفسهم عاليا جدا. وفي هذا فهم يختلفون مع كل الجماعات الاخرى. فإن تضع الجماعة التي تنتمي اليها فقط في المرتبة التاسعة في جدول المساهمة في نجاح إسرائيل هو أمر متدن جدا.
الاستطلاع، الذي اجراه مناحيم لازار وبانلز بوليتكس وحلله رجال معهد سياسة الشعب اليهودي، البروفيسور ستيفن بوبر، البروفيسور عوزي رفهون، د. شلومو فيشر وزميل المعهد نلوح سلكوف، تضمن نحو 1.300 مشارك. هذه عينة واسعة. نحو 300 منهم عرب. خليط بين مجموعة انترنتية وبين استجواب هاتفي، يتضمن، على نحو منفصل، الروس، الاصوليين والعرب. 22 في المئة من اليهود في العينة يعرفون انفسهم بانهم «يمين». 29 في المئة منهم هم يمين معتدل، 28 في المئة وسط، 9 في المئة يسار ـ وسط، 7 في المئة وسط. معظم اليهود علمانيون، ولكن، كما أسلفنا وزعناهم في جماعتين. يوجد علمانيون تماما (35 في المئة) ويوجد علمانيون شبه تقليديين (22 في المئة).
وهذه بالتأكيد جماعات مختلفة. فمثلا، عندما تسأل اليهودي اذا كان يوافق على القول: «انا افضل كنيسا مع صلاة مشتركة للنساء وللرجال»، فإن معظم العلمانيين يوافقون تماما (60 في المئة) وأقل من الربع (23 في المئة) يعارضون. في أوساط العلمانيين «شبه التقليديين»، فإن المعارضة اشد بكثير: 37 في المئة.
كان قدر من المفاجأة في سؤال عن الكنس المختلطة، رجال ونساء. يتبين ان الكثير جدا من الإسرائيليين يفضلون كنس كهذه. وليس العلمانيين فقط. اكثر من 30 في المئة ممن يعرفون أنفسهم تقليديين أيضا. ولا يقل اثارة للاهتمام: أكثر من النصف ممن يعرفون أنفسهم «متدينين ليبراليين. وان كانوا جماعة صغيرة جدا من عموم المجتمع اليهودي. ولكنها كبيرة لدرجة تكفي كي تحصل على تمثيل في الاستطلاع.
د. شلومو فيشر، الذي حلل المعطيات المتعلقة بهذه الجماعة ـ والتي في بعض الاسئلة برزت كجماعة هي الاكثر تسامحا تجاه الجماعات الاخرى، لاحظ ان هذه هي الجماعة الاكثر تعليما في إسرائيل، في فارق واضح مع الجماعات الاخرى. فمستوى التعليم، ليس فقط في إسرائيل، هو بشكل عام ميزة واضحة للجماعات التي تميل إلى قبول الجماعات الاخرى في المجتمع.
ثمة في جملة المعطيات مكتشفات ايجابية. اغلبية كبيرة من الإسرائيليين، يهود وعرب، يشعرون بارتياح من كونهم في إسرائيل. ثمة امور لا تزعجهم، ربما كانت كذلك ذات مرة. فمثلا، عندما سألنا اذا كان ينبغي للشرقيين والغربيين ان يسكنوا في احياء مشتركة، كان الجواب جارفا، نحو 90 في المئة من اليهود يعتقدون أن نعم. نسبة صغيرة جدا فقط (يبرزون بين اليهود الذين جاؤوا من دول الاتحاد السوفييتي، أي من لعلهم لم يستوعبوا بعد رمز أتون الصهر الإسرائيلي) أكثر تحفظا. وفي التوزيع إلى يمين ويسار النتيجة معقولة. 75 في المئة من اليهود يعتقدون بان أهل اليسار وأهل اليمين ينبغي أن يسكنوا معا. بمعنى عدم الفصل على خلفية سياسية، رغم الجدال الشديد في مواضيع مركزية.
ما الذي نفهمه من كل هذا؟ غير قليل. مسائل نمط الحياة، في السلوك العملي صعبة أكثر على التسوية. وعليه، من الصعب اكثر على العلمانيين والاصوليين ان يتخيلوا حياة مشتركة. ومحكمة العدل العليا في قضية السبت الاسبوع الماضي هي بالتأكيد دليل على ذلك. ولكن مسائل لا تتعلق بالسلوك العملي، من حيث الخلافات السياسية او الفوارق الطائفية، لا تدفع الإسرائيليين إلى الرغبة في الانفصال. وحتى في المواضيع المركبة، مثل التعليم القبلي الدارج في إسرائيل، والذي يفصل إلى قطاعات وفروع، توجد مؤشرات مشوقة على الانفتاح.
فالكثير من العرب أجابوا في الاستطلاع بأنهم يريدون أن يتعلم ابناؤهم مع تلاميذ يهود ايضا. هذا طبيعي لدى جماعة الاقلية، التي تشخص في التعليم مع اليهود فرصة للتقدم في السلم الاقتصادي والاجتماعي. غير أنه في اوساط اليهود ايضا ممن نجد ان حماستهم من التعليم المشترك مع غير اليهود أقل، هناك غير قليلين ممن يريدون مثل هذا الاختلاط. بمعنى أن نصف اليهود (46 في المئة) قالوا انهم يوافقون تماما أو جزئيا على القول «كنت أود ان يتعلم في مدرسة ابنائي تلاميذ غير يهود ايضا»

معاريف 24/4/2017

 وجه الدولة
استطلاع يظهر مدى الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي وتقبل الآخر
شموئيل روزنر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية