يسعى عدد من الحكام العرب إلى محاولة الحصول على رضى الغرب أكثر من رضى شعوبهم، ويتطلعون الى اليوم الذي يصدر عن رئيس دولة كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا أو فرنسا وروسيا تصريحاً يثني على دورهم في محاربة ظاهرة من الظواهر التي تؤرق هذا الغرب مثل الهجرة والإرهاب.
في هذا الصدد، أصبح مقياس رضى الغرب على الحكام العرب هو مدى مستوى ودرجة خدمة البعض من هؤلاء الحكام العرب للأجندة الغربية في شتى القطاعات وعلى رأسها القطاعات الأمنية ومنها أساساً الهجرة ومكافحة الإرهاب.
ومواجهة هذه الظواهر السلبية والخطيرة تستوجب تعاوناً دولياً وثيقاً لأنها وخاصة الإرهاب تعتبر جرائم عابرة للحدود والقارات. وتجد التعاون بين الدول الغربية مشروطاً باتفاقيات قانونية واضحة لا تخرق حقوق الإنسان في معظم الأحيان وتحت
المراقبة القضائية والبرلمانية.ومن ضمن الأمثلة، أصدر القضاء الإيطالي مذكرة اعتقال ضد أعضاء في المخابرات الأمريكية كانوا قد اختطفوا منذ سنوات إماماً مصرياً في إيطاليا تم الاشتباه في انتمائه الى تنظيم القاعدة. كما فتحت معظم الدول الأوروبية تحقيقاً في رحلات الطيران السرية للمخابرات الأمريكية خلال استعمالها مطارات أوروبية لنقل المشتبه بهم بالإرهاب بطرق سرية.
لكن في حالة بعض الحكام العرب فالأمر يختلف، إذ ينخرطون بحماس شديد ومنقطع النظير، ويبدعون في تركيب الملفات واستقبال المشتبه فيهم، سواء من جنسيات هذا البلد أم من جنسيات أجنبية، لتعذيبهم، وهو ما يجعل الجمعيات الحقوقية وأحياناً حتى قضاء بعض الدول الغربية يلاحق هؤلاء الحكام ومدراء الأمن والمخابرات بتهمة خرق حقوق الإنسان.
ومقابل هذه الخدمات المبالغ فيها، ينتظر الحاكم العربي الإطراء من البيت الأبيض الأمريكي أو الإيليزيه الفرنسي أو «داونن ستريت» البريطاني. وتجد وسائل الاعلام العربية الرسمية وهي تبرز تصريحاً لمسؤول دولي كبير حول دور حاكم عربي في مكافحة الإرهاب والهجرة بعناوين كبيرة وكأنها فتح كبير وثناء بمثابة الحصول على وسام دولي. وبهذا، يصبح بعض الحكام العرب بمثابة الشرطي ضد الإرهاب والدركي ضد الهجرة المؤتمر بأوامر الغرب.
ومقابل التصفيق من الغرب بفضل الخدمات التي يؤديها، لا يبدي هذا الحاكم مجهوداً يذكر في محاولة الحصول على رضى شعبه. إذ تحتاج الشعوب العربية لتطوير الديمقراطية، هذا إن وجدت ولو بشكل جنيني. كما تحتاج الشعوب العربية وخاصة الشباب لمن يستمع لمطالبها بالعمل، كما تحتاج الشعوب العربية الى من يحمي ممتلكاتها من خلال مكافحة الفساد والنهب. كما تحتاج هذه الشعوب الى من يوظف مواردها وإمكانياتها نحو نهضة حضارية حقيقية لتحقيق قفزة نوعية نحو الدولة الصاعدة وسط باقي أمم العالم المتقدمة بعدما حجزت بسبب ثنائية الفكر الظلامي أو التزمت رفقة الديكتاتورية مراتب رئيسية في سلم التخلف.
معظم الدول العربية فشلت في تحقيق نهضة حقيقية لشعوبها، لهذا لا نجد أي تقرير صادر عن مؤسسة دولية ذات مصداقية يثني على أي حاكم عربي في هذا الشأن. وإذا كان حكام الغرب يجاملون نظراءهم العرب جراء الخدمات التي يقدمونها في المجال الأمني والسياسي، لا تحدث هذه المجاملة عموماً من طرف الجمعيات الدولية في تقييم الحريات والتقدم في العالم العربي. عملية التأريخ لن تحتفظ بثناء الزعماء الغربيين على الحكام العرب بل ستكون مرتبطة بمدى رضى الشعوب التي حكموها، أحياناً بقوة النار والحديد، على تسييرهم ومدى تلبية مطالب هذه الشعوب من عيش كريم. وستكون كل حصيلة تقييم سلبية للحكام العرب. وبعيداً عن التحرير الكلاسيكي المتمثل في «على الحكام العرب الاستماع الى
شعوبهم»، لأن هذا النوع من الكتابات الذي يدخل في تقديم النصيحة هو مضيعة للوقت وتكريس لتقاليد غير مجدية طالما أن الكثير من هؤلاء الحكام يعتبرون أنفسهم خلفاء الخالق في الأرض ولا يستفيدون من دروس التاريخ ومنها أسباب اندلاع الربيع العربي – الأمازيغي. وما يمكن قوله إن «التاريخ حفظ وسيحفظ لهم مراتب غير مشرفة في صفحاته» لا سيما في ظل نشوء وتبلور كتابة شجاعة للتاريخ من طرف مؤرخين جدد مستقلين.
وهنا نتساءل: هل يمكن العثور على حاكم عربي حاز ثناء سلطات دول الغرب وفي الوقت ذاته يحوز رضى شعبه؟ أعتقد بصعوبة عملية البحث.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د.حسين مجدوبي