لفرط ما ظهر الباحث المصري أحمد عبده ماهر على الفضائيات المصرية بتنا نعرف تماماً ما سيقول، وأي معركة ساخنة ستنشب جراء حضوره.
هذا ما توقعناه عند ظهوره في برنامج «رأي عام» على قناة «تن» مع المذيع عمرو عبدالحميد. الموضوع هو «مناهج الأزهر بين الاتهام بالتطرف ونشر صحيح الدين»، ورأي عبده ماهر شديد الوضوح في هذا الشأن، إنه يتهم «جامعة الأزهر» بنشر التطرف، بل وبنشوء «داعش». ساق الرجل أمثلة، وحمل بين يديه كتباً وعناوين. تحدث بهدوء أول الأمر، بالحجة والشواهد إلى أن علا صوت عبدالحميد بالمناكفة والصلف والسخرية من الضيف.
يبدو أن المرء يحتاج، عند كل انتقاد للمكرس الديني، مهما كان خاطئاً أو ظالماً، أن يرفع راية تقول «أنا معكم لا عليكم»، حتى لا يواجه التكفير على الفور، وهذا كان حال الضيف ماهر، حين راح يؤكد أنه يصلي الفجر حاضراً، «حتى لا يحسب أحد أنني علماني»، أي والله هكذا، كأن العلمانية صنو الكفر، ومع ذلك لم ينج الرجل من سياط المذيع، الذي يعرف جيداً على ما يبدو لماذا اختار ضيفه.
عبدالحميد، استدعى ماهر لا من أجل جدل مثمر، بل من أجل ربح مضمون، فهو يعرف أنه في قضايا مماثلة ستكون له الغلبة إن انحاز لصوت المكرس والسائد. دور سهل وربح مضمون وضيف مثير حتى لو ترك مقعده ومضى، وهذا ما حدث بالفعل.
اعتمد عبدالحميد أسلوب المناكفة، والمقاطعة، إن لم نقل التوبيخ، وعندما اعترض الضيف قال جملته المضحكة «اللي قدامك ده حاور بوتين ولافروف»! تصوروا أن يكون الأمر هكذا، أن تكون مجرد محاورة بوتين حصانة من أي انتقاد، لكن ما أدرانا كيف كانت تلك المقابلات أصلاً، من قال لك إنها ناجية من سوء الأداء!
إن كان ضيفك، أخي المذيع، بهذا الهزل والضعف (حسب اعتقادك) فسيكون من غير اللائق أن يكون ضيفك، لكن ما دام استحق الظهور فلا بدّ أن تعطيه فرصة الحديث، والناس فرصة الاستماع.
«يوتيوب» سلاح المرأة السعودية
«يوتيوب».. هذا «السلاح» الأكثر فتكاً بيد المرأة السعودية، تحت هذا العنوان جمعت «سي أن أن» العربية عدداً من الفيديوهات الموضوعة على «يوتيوب»، والتي يجمع بينها أنها لنساء سعوديات يمكن القول إنهن تفلّتن من قيود الرقابة والمنع الاجتماعيين، فيديوهات لأسماء مثل الجوهرة ساجر ونجود الشمري، الأولى تتحدث عبر قناتها عن خلطة من الموضوعات، من بينها الماكياج والملابس والمسلسلات، بل تتناول أيضاً الكتب، وفي حلقة واحدة قدمت سلّة من عالم أنثوي لذيذ، غير المعتاد فيه أنها قدمت كتاباً تقرأه لدان براون بعنوان «الجحيم»، فبدت كأنها استكمال لعدة الأنثى، حيث قدمت الرواية على أنها ألغاز وأسرار وتشويق.
مع فيديو للشمري سنجد أن تلك الشابة قدمت تعاليمها في أصول ماكياج الوجه برشاقة ومرح، من دون أن يغيب عن البال أنها تقدم شريطها من غرفة النوم. لا تقدم الشابة نفسها كمحترفة، فلعلها تعوّل أكثر من ذلك على أداء جاذب وحضور حلو.
فيديو ثالث هو لسيدة لم يبد منها سوى عينيها، وتبدو مهمتها أسهل، حيث تقدم تعاليمها في ماكياج العينين ومحيطهما. لكن هنا أيضاً سنجد أن في الصوت وفي الأداء، في هذه الفسحة الصغيرة المتاحة من الأنوثة، إشارات بالغة لعالم موّار بالحياة خلف تلك الملاءات والحجب.
أهمية هذه الفيديوهات، وغيرها كثير، أنها تؤكد أن «العربية السعودية» لا يمكن أن تبقي نساءها هكذا إلى الأبد خلف جدران كتيمة. بل كم تبدو مضحكة الصورة النمطية عن المرأة السعودية المختفية وراء غموض النقاب والحجاب وما إلى هنالك.
غياب الأيقونة.. حضور الإنسان
«الصورة التي أصبحت إحدى رموز الحرب في سوريا»، هكذا عنونت «بي بي سي» صورة المصور السوري عبد القادر حبق وهو يركض حاملاً بين يديه طفلاً مصاباً. القناة قابلت المصور وقد تحدث بدوره كيف ترك الكاميرا وحمل الطفل إلى سيارة الإسعاف إثر تفجير استهدفت نازحين من قريتي كفريا والفوعة.
هذه واحدة من مرات قليلة يترك فيها المصور الكاميرا، ليتحول إلى منقذ. دائماً كان السؤال الأخلاقي حاضراً مع كل صورة أيقونية لحرب أو مجاعة، أما كان أحرى بالمصور أن يترك الكاميرا ليتدخل في إنقاذ الضحية؟ ودائماً كان يأتي الجواب أن المصور ينبغي أن يكون محايداً لا يتدخل، ولولا حياده ذاك لما كانت الصورة، ولما وصلت إلى العالم، ولما كان لها ذاك الدور التاريخي في إيقاف الحرب أحياناً.
هذه المرة بالذات كان رائعاً أن يتحرك المصور حبق ليكون المنقذ، خصوصاً أن المعارضين السوريين متهمون بموقف طائفي من نازحي كفريا والفوعة، كان لا بد للمصورين والصحافيين وأفراد «الخوذ البيضاء»، أن يتحركوا من أجل أشقائهم من ضحايا القريتين.
غياب الصورة هذه المرة هو الحدث، لكن من حسن الحظ أن هناك من سجّل صورة آخرى، صورة المصور منتمياً إلى إنسانيته، منتصراً لسؤال الأخلاق في مواجهة الواجب المهني.
حيث يكون الفوز
كانت الزميلة الإعلامية مايسة عواد أول أمس نجمة التغطية التلفزيونية للدورة الأولى من الانتخابات الفرنسية على قناة «فرانس24». لقد عودتنا أن تحضّر جيداً لموضوع تغطيتها، سواء كانت مقدمة برنامج، أم ضيفة أم مراسلة في مناطق النزاع العسيرة. هذا دأبها دائماً، وهكذا كانت في تغطيتها الأخيرة. معها تشعر، وهي المقبلة من الصحافة المكتوبة، أن لديها الكثير لتقوله، تغطي دقائق وتفاصيل الحدث، ولا تفوتها الخلفية التاريخية للحدث، القريبة أو البعيدة.
بعد إعلان نتائج التصويت قال لها توفيق مجيد ممازحاً وهو في الأستوديو، وهي في مقر حملة ماكرون «حيث تذهبين يكون الفوز». دعابة في مكانها.
كاتب سوري من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى