هل تؤثر الإعلانات الممولة «افتراضيا» على ترويج الكتب؟

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» : على الرغم من ارتفاع وتيرتها في السنوات الأخيرة، إلا أن الجدل ما زال قائماً على أهمية الإعلانات الخاصة بالكتب الممولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ترتفع قيمتها لدى بعض الكتاب والناشرين، وتقل عند آخرين يعتبرونها ذات تأثير غير حقيقي لا يمكن أن يقدم أي إضافة للكتاب، معتقدين بأن نوعية القراء هي من تقرر رواج كتاب دون آخر، ما يفقد هذه الإعلانات قيمتها المرجوة، في حين يؤكد الفريق المناصر لها أنها تؤثر تماماً على رواج الكتاب، من خلال ما تخلقه من حالة تأثير بالقراء الذين يرسمون صورة ذهنية معينة عن الكِتاب الذي يتعرضون لإعلانه، ما يمنحهم شغف الحصول عليه لمعرفة محتواه.
ويعتقد البعض أن ثمة طرقاً أخرى أكثر نجاعة من الإعلان الممول الذي ربما يشكل جمهوراً وهمياً للكاتب الذي يكتشف بعد مدة حقيقة أن ما صرفه هو أو الناشر على حد سواء لم يحقق ما كان مرجواً منه لدعم الوليد الأدبي، وهنا يمكن ان نتساءل: هل أصبح الإعلان الممول للكتب ركيزة أساسية في انتشارها ؟ وهل ثمة جمهور حقيقي يتابع هذه الإعلانات أم أن كل ما تحصل عليه هو إعجابات وهمية لن تحقق ما يرجوه الكاتب والناشر من قيمة مضافة للمنتج الأدبي؟ وهل هناك آليات أخرى تساهم بانتشار الكتاب بطريقة أفضل منها في هذه الأيام ؟

العلاقات وثقة القارئ

لا يعتقد الروائي السوداني أميرتاج السر أن الإعلانات الممولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ركيزة أساسية في انتشار الكتاب في العالم العربي على الأقل، مؤمناً بأن الكتّاب ودور النشر مازالوا يعتمدون في ترويجهم للكتب على العلاقات الشخصية، وبعض القراء الذين يثقون فيهم ويتابعونهم، مشيرا إلى أن الكثير من القراء يدخلون مواقع القراءة، إما ليتعرفوا إلى الكتب الجديدة أو الأكثر تداولاً، أو ليكتبوا آراءهم في كتب قرأوها، ومن هنا يحدث ثمة ترويج أو تعريف بالكتاب، وينوه الكاتب السوداني إلى أن الجوائز و النشر عن الكتب في المجلات والجرائد ما زالت تحظى بقدرة كبيرة على الترويج للكتاب، مؤكداً أن الكتب التي تدخل في قوائم الجوائز تصبح مثيرة لشغف القارئ وحاجته لمطالعتها، ولا يستبعد تاج السر أن الإعلانات يمكن أن تكون وهمية وخادعة ولا تدل على المبيعات الحقيقية التي يمكن أن يحصل عليها كتاب ما، معتقداً أن الكتاب العربي متعود على الخسارة أصلاً سواء بالنشر الإلكتروني أو بغيره.ويرى تاج السر أخيرا أن الكتاب في النهاية سلعة ينبغي أن يشارك كل الأطراف في رقيها، قبل طرحها للترويج، مؤكداً أنه لم يكن له تجربة مع الإعلانات الممولة التي يعتقد أنها لا تحقق إضافة لانتشار الكتاب عمومًا.

قيمة مضافة للمنتج الأدبي

وعلى النقيض يشير القاص المصري هيثم مصطفى إلى أن الإعلان الممول للكتب عموماً والكتب الأدبية على وجه الخصوص، تقدم قيمة مضافة للمنتج الأدبي لا تتحقق بدونه، حيث ان الدعاية الاحترافية للكتاب صارت وجهة مفضلة للقارئ الباحث عما يقرأه، مؤكداً أن ما ينتهجه بعض الكتاب ودور النشر من طرق تقليدية في الإعلان عن الكتب لم تعد مثمرة مثل سوق النشر الإلكتروني الذي أصبح أكثر قوة، فالإعلان الإلكتروني، صار اليوم أكثر تأثيراً على سيكولوجية القارئ في سوق الكتب، حيث يراه مصطفى أكثر الوسائل التي يمكن أن تجذب القارئ حين يمر عليه الإعلان مرات عدة تجعله عرضة للتأثر بالكتاب راسماً صورة ذهنية عنه تدفعه للاقتناء والسؤال عنه.
ويعتقد القاص المصري أن الكتاب ودور النشر أصبحا اليوم أكثر من مجبرين على مثل هذه الإعلانات لأنها صارت قاعدة اساسية في سوق انتشار الكتب وتسويقها للقراء، رافضاً فكرة أن يكون جمهور هذه الإعلانات وهمياً لأنها بالأصل موجهة بطريقة مباشرة لأناس يمتلكون حساباتهم الخاصة التي تعبر عنهم، مؤكداً أن الكتاب غير المروج ضائع في زحمة الكتب، وذلك يؤثر سلبياً على إنتاج الكاتب نفسه الذي يصاب بالإحباط لعدم انتشار كتابه.

بين الأهمية والضرورة

يرى الروائي السوري الشاب أحمد حجازي أن الإعلان الممول أصبح ركيزة أساسية وضرورة ملحة، لانتشار الكتاب بين الجمهور الذي صار بجله، جمهوراً الكترونياً يعيش أغلب يومه على مواقع التواصل خصوصاً فيسبوك، مشيرًا إلى أن الإعلان بات ضرورة بحتة في زمن أصبحت فيه الرواية أكثر ما ينتج أدبياً، مع تقارب العناوين وتداخلها تصبح هناك حاجة للتعريف الخاص بكل عمل بمفرده.
ويعتقد حجازي أن الرواية التي لا تنال إعلاناً سواء من دار النشر أو الكاتب نفسه ستكون ضعيفة إلى حد ما، مشيراً إلى أن ذلك ربما يعتمد على جماهيرية دار النشر نفسها، والتي تقل عموماً دون وجود الإعلانات الخاصة بالدار، معتقداً أن الإعلان قد يكون خادعاً مع الكتب التي لا تستحق الانتشار بين الناس إلا أن ذلك ينتفي في الكتب القوية التي تستحق أن يعرفها الناس.
أما الروائية الشابة خلود هاشم فترى أن الإعلان ليس ضرورة ملحة، إلا أنه مهم لانتشار أكبر للكتاب كي لا يفقد قيمته مع عدم الانتشار، معتقدة أن الترويج الالكتروني، يساعد على فكرة ترشيح الكتاب للقارئ الباحث عمن يدله على ما يقرأ. وتؤكد هاشم أن الترويج الالكتروني هو الأسهل رغم وجود طرق أخرى للانتشار تكاد تكون أكثر صعوبة من هذه العملية، مشيرة إلى أن القارئ العارف كما أسمته خلود سيكون بمقدوره التمييز بين الجيد والسيئ حتى وإن تعرض للترويج، معتبرة أن الكتاب قد يخسر جمهوراً كبيراً اليوم بحال لم يجد ذاك الرواج الذي يحققه الإعلان الممول.

تجربة أتت بثمارها

تقول ينفين التهامي المديرة التنفيذية لدار كيان للنشر أن تجربة الدار مع الإعلانات الممولة بدأت في 2014 وكانت ذات نتائج مثمرة حيث رفعت خلال سنوات عدد متابعي الصفحة من 6 آلاف إلى نحو نصف مليون متابع، مؤكدة أن هذا النوع من الداعية أصبح اليوم ركيزة أساسية لترويج كل السلع وليس الكتب فحسب.
وترى التهامي أن الإعلان الممول ليس وحده ما يساهم في انتشار الكتب إلا أنه ساهم في زيادة انتشارها في السنوات الأخيرة، عبر معرفة القراء بجديد ما يصدر، وأماكن التوزيع وغير ذلك في وقت قليل جدا بالمقارنة بالوسائل التي كانت تعتمد في السابق، مؤكدة أن دار كيان مثلا تضع إعلاناً مطبوعاً لكافة إصداراتها داخل كل منتج أدبي جديد، وهذا برأي التهامي إحدى طرق الترويج، فضلاً عن الإعلانات بالمجلات التي جربتها الدار أيضًا.
وتعتقد المديرة التنفيذية لكيان، أن القارئ العربي يملك من الوعي ما يجعله قادراً على التفريق بين الجيد وغير الجيد من الكتب، مشيرة إلى أن ذلك يساعده في انتقاء كتبه، وعدم التعرض لخداع بعض الإعلانات التي تساهم أحيانا بانتشار كتب لا تستحق ذلك.

وسيلة تفقد قيمتها

يعتقد الكاتب الفلسطيني الشاب يامي أحمد أن الإعلان الممول يفقد قيمته تدريجياً، بسبب عودة القراء للبحث عن كتب وأسماء معينة واكتفائهم بمنتجها الأدبي، حيث تصبح هنا العلاقة بين الكاتب والقارئ مبنية على المعرفة المسبقة بالذي يكتب، وهنا يصبح القارئ خبيراً بما يحتاجه من قراءات يفضلها عن غيرها. ويرى أحمد أنه من الهراء اعتبار الإعلان الممول ركيزة أساسية حيث يساهم في استنزاف الموارد المالية للكاتب، معتقدا أن هناك بعض دور النشر بدأت تعمل على استغلال هذه الخرافة لابتزاز الكُتاب لدفع مبالغ مالية أكبر، فالإعلان بالنسبة له مساهم جزئي في الترويج للكتاب، لكنه لا يرتقي لدرجة اعتباره الركيزة الأساسية، مشيرًا إلى أن الركيزة الأساسية لانتشار الكتاب هي توزيع الكتب في المكتبات في الأماكن المناسبة، ومدى توافرالكتب في البلدان العربية. ويؤكد أحمد أن نجاح نظرية الترويج على بضعة كتب لا يعني أنها ستنجح جميعها، العناصر المؤثرة في الترويج للكتب كثيرة، اسم دار النشر يلعب دوراً كبيراً في ذلك، والنقد بشكل عام يؤثر كثيرًا على مبيعات الكتب، كُتاب كثر كانوا يحققون مبيعات وهمية لم تصمد أسماؤهم كثيرًا أمام نقد القراء الحقيقيين، بالاضافة للكتاب السابقين الذين لم ينجحوا وتحولوا لنقاد.
ويجد الكاتب الفلسطيني في حفلات التوقيع واسم دار النشر ونشاط الكاتب في حد ذاته تساهم بدرجة أكبر من الإعلانات بانتشار الكتاب، مؤكداً أن الكثير من الكتاب الشباب الذين اعتمدوا على وسائل التواصل كمنفذ إعلاني تراجعت مبيعات منتوجهم الأدبي في اللاحقة، حيث عادت السيطرة البيعية لمنتج الكتاب القدماء وتصدروا قوائم المبيعات مرة أخرى.

القارئ معلناً

من جهته يعتقد الناشر أحمد سعيد مدير دار الربيع العربي للنشر، أن الكاتب والناشر غير قادرين اليوم على الترويج للانتاج الخاص بهما من غير هذه الإعلانات، إلا أن يرجح أنها ليست وحدها ما يساهم في انتشار الكتاب رغم دورها الكبير الذي يعد نصف عملية الترويج، مشيراً إلى أن الندوات وحفلات التوقيع والقراءات النقدية الخاصة بالكتب تساهم أيضاً في انتشارها.
ويؤكد أن دور النشر مجبرة اليوم مع الكاتب على مثل هذه الإعلانات لأنها حتماً ستزيد من انتشار عنوانه بين الناس إلا أنه يعتقد بوهمية عدد لا بأس به من جمهور الإعلانات الممولة لأنها قد تحدث ضجة افتراضية فقط، إلا أن حقيقة الأمر تقول بأن ليس كل من ضغط زر الإعجاب على منشور خاص بكاتب ما سيشتريه، وهذا حال أغلب ما يحصل في هذه الإعلانات.
ويرى سعيد أن القارئ هو أكبر معلن للكتاب، لأنه يقدم دوماً رأيه الصريح من غير أي تأثيرات وهنا يصبح بمحل المعلن غير المباشر، الذي يساهم في دعم كتاب ما أو عدم ذلك من خلال ما يكتبه عن الكتاب من عروض أو من خلال الترشيحات التي يمكن أن يطلقها القارئ حول كتاب معين تساهم في انتشار الكتاب بين قراء آخرين.

 هل تؤثر الإعلانات الممولة «افتراضيا» على ترويج الكتب؟
بعد رواجها في السنوات الأخيرة …
عبد السلام الشبلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية