كثيرا ما نقرأ في الصحف وغيرها من وسائل الاعلام، مصطلح «الحرب الباردة»، وهو مصطلح ابتدعه الكاتب الانكليزي جورج اوريل في مقالة نشرها عام 1945 وكانت بعنوان «أنت والقنبلة الذرية». كثير منا عند سماعه لهذا المصطلح سيتبادر إلى ذهنه اول ما يتبادر الحرب الباردة التي دارت بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي لعقود طويلة، والتي كانت حول زعامة العالم ومن يحكم فيه.
فمن عجائب هذا العالم، الذي وجدنا أننا نعيش فيه، أن الدول كالأفراد تماما تتنازع على المغانم، واولها السلطة وكرسيها المذهب، والحكم واليد الطولى في العالم ولا شيء بديلا عنهما. وكنت دائما ما أتساءل كيف خرج علينا هذا المصطلح الذي ينطوي على استعارة دلالية ذكية ونادرة، ذلك أنه يشير لحرب ولكنها ليست حربا تقليدية كالحروب التي قد تتبادر لأذهاننا، وما يكتنفها من عواصف رصاص وصواريخ وقذائف، وما ينتج عنها من ضحايا وخسائر تضرب البشر والنبت والحرث والبناء والعمران. هذه الحرب ليست حربا تقليدية حارة كاللهب والجمر المنبعث من حرائقها اللاذعة المدمرة، التي تلفح الأبدان والنفوس بشظاياها المتطايرة فتتركها هشيما وقد غادرته روح الحياة. الحرب هنا باردة كصقيع يفتك بالجلود فيكرمشها، ويصفع العيون فيدمعها، ويتغلغل إلى الأنوف المستنشقة للحياة فيزكمها، ويصل لنخاع العظم فيعييه ويرهقه.
القليل منا ربما تساءل لماذا وصفت الحرب بين قطبي العالم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي بالباردة. السبب في ذلك ان من ابتدع هذه الاستعارة الدلالية قصد إلى أن يشير إلى أن الموقف بين الدولتين هو موقف حرب ولا حرب في الوقت ذاته. ذلك ان الحرب لم تكن معلنة، بل كانت حربا غير معلنة، وبالتالي يمكن وصفها أنها نوع من أنواع التنمر أو التحرش الخفي أو المبطن، أو النكز الاستفزازي الذي تسيطر عليه أجواء انعدام الثقة ومشاعر البغض والعداء ايضا. وهكذا فإن هذه الحرب الباردة لا تنطوي على مواجهة عسكرية مباشرة، بل مواجهة غير مباشرة كالحرب بالوكالة، أو الحرب النفسية، أو الحرب الإعلامية، أو حرب التخابر والتجسس، أو سباق التسلح، أو التنافس المحموم في المباريات الرياضية العالمية، أو الحرب التكنلوجية، أو التنافس لغزو الفضاء، أو الحرب الاقتصادية وما تنطوي عليه من سيطرة على موارد العالم وأسواقه، وعلى الأيدي العاملة الرخيصة.
ولكن هل خطر لأي منا أن يشهد الحرب الباردة وهي تمد أذرعها المتشعبة الملتوية من عالم السياسة إلى عالم حياة الأرض للأفراد والجماعات. بعض الأفراد والجماعات بدأوا باستيراد هذه الفلسفة، فلسفة الحرب الباردة من عالم السياسة لتصديرها إلى العلاقات بين الأفراد والجماعات على حد سواء. وكما زحفت الحرب الباردة بين الدول من عالم السياسة إلى عوالم الحياة الأخرى، كالمال والاقتصاد والسوق والرياضة، زحفت الحرب الباردة بين الأفراد والمجتمعات هي الأخرى لتطال كل مناحي حياتهم الأرضية، في مكان العمل والمدرسة والحي او الحارة، بل وحتى في مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك.
فالحرب الباردة تحزم أمتعتها مؤقتا كل يوم وتغادر كوكب الأرض لتحلق إلى الفضاء الأزرق للفيسبوك لتستوطن بين جنباته وصفحاته، هذا الفضاء الذي أصبح يشاركنا حياتنا صحوا ونوما وشعرا وطبخا ودينا ودعوة وتبشيرا وحبا وكرها وحربا حارة وحربا باردة ايضا. ولم لا، مادام قادرا على أن يجاري كل شيء ويعكسه، كالمرايا العملاقة الشاهقة.
قائمة الأشخاص في الفيسبوك الذين يسميهم هو جدلا «اصدقاءك»، جزء كبير منهم يمارس حربا باردة ضدك، وهو يقصد ويدري، وجزء آخر لا يدرك ذلك ولا يدري والمصيبة حينها أعظم ! قسم من هؤلاء «الأصدقاء» تعرفهم معرفة شخصية وتقابلهم في حياة الأرض بين فينة وأخرى، فاذا بهم عند كل لقاء، يأخذونك بالقبل والأحضان، ويشمون ريحك تحببا وولها، ولكنهم لا يطيقون أن يشعروك أنهم قد مروا للتو ببيتك الأزرق، فتراهم يمرون حذرين، ينسلون خلسة، على أطراف أصابعهم، كلص متنكر هارب لئلا تسمع وقع خطاهم وهم يمرون ببيتك الأزرق أو شرفتك في شارع الفيسبوك المثخن بجراحنا ودمنا وعجزنا ووقاحتنا حتى بدا ثقيلا جدا لا يكاد يقدر أن يجر خطواته.
آخرون من «أصدقائك»، في الفيسبوك، لا يطيقون نجاحك وفوزك، ويفرحون لكبوتك وفشلك. وآخرون لا يحبون أن تكون احسن منهم فيصيبهم اشعاعك وبهاؤك في مقتل، فيهرعون يزيلون منشوراتك الرائعة التي أعجبت الكثيرين، ويحذفون تعليقاتك التي استحوذت على اهتمام مئات المعجبين، يفعلون ذلك والغصة في حلوقهم تخنقهم، والدموع تكاد تفر من عيونهم، وآخرون لا يجدون أمام مديح الآخرين لك وفخرهم بما كتبت ونشرت إلا أسلوب اولاد الشوارع وهو النزول على المعلقين كافة، بما فيهم انت، بالسباب والشتائم ثم حذف المنشور برمته، فاذا لاقيتهم بعد ذلك في حياة الأرض اشبعوك تقبيلا واحضانا وعتبوا عليك وهم مستغربون غيابك واختفاءك من حياتهم لأنهم اغبى من أن يدركوا أن ما يفعلونه هو حرب باردة ضدك وضد فضائك الأزرق.
التجاهل المقصود لك ممن يسمون جدلا «أصدقائك» في حياة الأرض او حياة الفيسبوك هو نوع من أنواع الحرب الباردة، والمرور الصامت المتواصل أمام بيتك الأزرق، خلسة دون كلام او سلام، حرب باردة، والتوقف عند البيوت الزرق لمشاهير الناس ونجومهم واشباعهم سلاما وتحايا واغراقهم مديحا وغزلا مخزيا ونفاقا رخيصا، وتجاهلك وكأنك غير موجود البتة، حرب باردة، وزيارة البيت الأزرق لبعض الأصدقاء والرفض وباصرار منقطع النظير على زيارة الجميع بالتساوي، دون ممارسة فعالية الحسابات والتكتيكات والاستراتيجيات البعيدة المدى، حرب باردة ايضا، والهمز واللمز عن بعد، وتطبيق تكتيك اياك اعني فاسمع يا صديقي، حرب باردة من نوع فريد، والحذف من قائمة الأصدقاء متبوعا ببلوك بعيد المدى يسقط على بيتك الأزرق، دون أسباب معروفة، بينة، او مفهومة، يدخل ايضا ضمن ممارسات الحرب الباردة.
الحرب الباردة لم يكفها أنها غزت حياة الأرض، فشرعت تبحث عن أراض بكر أخرى تكون مستقرا وموطنا لها. والفيسبوك قد استحال، بين يوم وليلة، لموطن يوفر أرضا خصبة لها، ولممارساتها وفعالياتها المثيرة. العلاقات الاجتماعية الأرضية او الفضائية، التي تقوم على مبادئ الحرب الباردة ومناوراتها الخفية، الأفضل برأيي غلق صفحاتها غلقا مبرما، لأن مجاراتها وخوض غمارها يملأ القلب جروحا وندوبا، ويستهلك الطاقة الايجابية والسلام الداخلي للنفس والروح !
كاتبة من العراق
شهباء شهاب