المفاجأة والتشويق هما من أهم العناصر التي تمكننا من قياس جودة المسار الديمقراطي واقترابه من التمثيل الواقعي لآراء الناخبين، فبعكس دول الظلام التي يمكن فيها تخمين هوية الرئيس القادم بسهولة بل تحديد شكل الحكومة التي سوف تكون متربعة على عرش السلطة. وبعد عشر سنوات تتباهى دول ما يسمى بالعالم الأول بذلك التشويق الذي يرافق جميع مراحل الانتخاب والاقتراع.
من الأمثلة على ذلك انتخاب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة وهي النتيجة التي استبعدها حتى أكبر المحللين السياسيين والمتخصصين في السياسة الأمريكية وكذلك الأمر بالنسبة لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حيث لم يتوقع إلا القليلون فقط أن تكون النتيجة هي «نعم» لصالح الخروج.
لكن ماذا عن الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي باتت تفصلنا عنها أيام؟
هنا يفرض سؤال مبدئي نفسه وهو: لماذا اخترنا الانتخابات الإيرانية لتسليط الضوء عليها وانتقادها دون غيرها من الانتخابات الشكلية التي تملاً أجزاء واسعة من الجغرافيا العربية؟
إن السبب ببساطة هو أن الغرب الذي يسمح لنفسه بتقويم الديمقراطيات وأساليب الحكم ينظر لهذه القضية من منظارين مختلفين، فهو يبالغ في انتقاد طرائق الحكم في الدول العربية ويضعها في كثير من الأحيان ضمن سلة واحدة، رغم ما بينها من تباينات، في حين يضفي قدراً كبيراً من الإجلال على الانتخابات في إيران وهو ما يظهر من خلال تتبع وسائل الإعلام الغربية للحالة الديمقراطية الإيرانية على غرار ما حدث في الانتخابات الأخيرة وما راج حينها من نظريات حول صراع أسطوري بين أصوليين وإصلاحيين.
نظام الملالي المحظوظ بعين الرضا يتشبه منذ مولده بالأنظمة الغربية معلناً الاحتكام للديمقراطية، رغم تعارض الآليات الديمقراطية الواضح مع مبدأ الولي الفقيه، وهو احتكام سوف يقود لانتخابات وحقوق متساوية لجميع المواطنين، كما سيقود، من أجل إحكام التمثيلية، إلى تنظيم مجموعة من المفاجآت من أجل إقناع الرأي العام الخارجي والبسطاء من المواطنين في الداخل بأن هناك حالة من الحراك والتدافع والغموض تصاحب مسار العملية الديمقراطية تماماً مثلما يحدث في الغرب.
في هذا السياق يمكن قراءة حدثين انشغل بهما الإعلام المتابع للشأن الإيراني خلال الأيام الماضية، أولهما هو ترشح أحمدي نجاد، الرئيس السابق، للرئاسة والثاني هو ترشح سيدة قوية ونافذة لذات المنصب. كلا الخبرين أثار ضجة وصخباً متوقعاً قبل أن يتبخر كل شيء إثر إعلان النتيجة الحاسمة لأهلية المترشحين.
فأما أحمدي نجاد فهو الرجل الذي يعتبره الغربيون مثالاً للتشدد الإيراني وقد كانت كلماته وخطاباته لاذعة بشكل كان يجعلها توصف في كثير من الأحيان بالحدة والهيستيريا. يقول الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام بكثافة أن الرئيس السابق قد تقدم للترشح رغم اعتراض المرشد الإيراني على ذلك.
وبرغم أن أي شخص يملك قليلاً من الإلمام بالسياسة الإيرانية يعرف أن ذلك غير ممكن وغير واقعي، أي أن يترشح شخص رغم علمه برفض الرجل الأقوى في إيران لهذا الترشح، إلا أن الكثير من الحبر قد سال تحليلاً لهذه الخطوة استناداً إلى شخصية نجاد المناكفة والمشاكسة بطبعها مع ترديد ما يروّج له إيرانياً من أن نجاد قد سبق واختلف مع كثير من آراء المرشد أيام حكمه.
ما تبين لنا الآن هو أن الأمر قد احتوى على الكثير من الإثارة المفتعلة فخامنئي لم يمنع نجاد من الترشح ولكنه «نصحه» قائلاً إن وجوده على هرم السلطة مجدداً قد لا يكون مفيداً وهذا هو ما أوضحه نجاد نفسه وهو يسجّل اسمه كمرشح. ورغم الفرق الواضح بين المنع والنصح إلا أن الخبر ظهر في كثير من وسائل الإعلام بشكل تشويقي تحت عنوان: تحدي المرشد.
الحقيقة هي أن مجرد الترشح لا يعني الكثير فهناك المئات من الذين يترشحون إبان كل انتخاب لكن العبرة تكمن في «الفلاتر» التي يجب على المتنافس أن يمر عبرها وصولاً إلى سدة الحكم. فلاتر من أهمها المجلس المعروف باسم «صيانة الدستور» وهو المكلف بامتحان أهلية المرشحين وهو مجلس يعبر بشكل أو بآخر عن رغبة وهوى المرشد وذلك يوضح وجهة نظرنا التي تقول إن الحديث عن التحدي غير وارد، كما أن من غير الوارد أيضاً الحديث عن أصوات قد تكون خارج سيطرة ذلك المرشد الذي هو الزعيم الحقيقي والفعلي لإيران.
حينما فرغت من هذا المقال كان قد تم استبعاد أحمدي نجاد من المنافسة، إلا أن ذلك لن يمنعنا من القول إن الحديث عن أحمدي نجاد كرئيس معادٍ للسلطة الدينية فيه مبالغة، فالرجل ليس في آخر المطاف سوى ابن لهذه المنظومة التي جعلته يتصدر المشهد والتي استفادت من حدته وشخصيته الأقرب للتهور إبان الفترة التي كانت تريد أن تظهر نفسها فيها كدولة قادرة على خلق تغيير وتهديد.
من المعروف أن المنظومة الدينية الحاكمة في إيران بالقوة والسيطرة لدرجة أنها تستطيع أن تتدخل في الوقت المناسب من أجل إقصاء أي طرف مزعج وهو ما تم تفعليه ضد شخصيات نافذة مثل هاشمي رفسنجاني وغيره ممن قد يكون أحمدي نجاد من بينهم في المستقبل القريب إذا أظهر جدية في شق عصا الطاعة.
إبان حكمه لم يكن الخلاف بين الرئيس السابق و»المؤسسة» يتعلق بمسائل خطيرة أو استراتيجية وإنما تفاصيل في داخل إطار التحرك العام الذي وضع حدوده المرشد الذي يكفل له النظام الحق في التدخل لنقض أي قرار لا يرى فيه مصلحة وهو ما فعله حين ألغى، على سبيل المثال، تعيين رحيم مشائي كنائب للرئيس بعد صدور القرار من أحمدي نجاد. أما الخلاف حول مسائل المجال الاجتماعي كالرياضة النسوية والفن فمسموح به في أغلب الأحوال.
في الإطار ذاته أيضاً يمكن التعليق على الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام والتي ظهرت فيها السيدة أعظم طالقاني النائبة السابقة ورئيسة «تجمع نساء الثورة» وهي تسجل اسمها للترشح لرئاسة ايران وهو ما ظلت تكرره منذ سنوات. هل هناك احتمال لفوز هذه السيدة التي يبدو من الصورة أنها كبيرة في السن؟ وإذا لم يكن هناك أي احتمال فلماذا تجهد نفسها؟
تجيب فرح الزمان شوقي المتابعة للشأن الإيراني على هذا السؤال قائلة إن تلك السيدة قد حضرت لتذّكر بمسألة مصطلح «رجل» المستخدم في شروط الترشح الدستورية حيث يشترط ان يكون الرئيس الايراني «رجلاً سياسياً» وفق ما ذُكر بالقانون. تضيف شوقي قائلة إن البعض يقول ان الكلمة تعني بالفارسية «شخص»، والبعض الاخر يؤكد انها تحمل ذات معناها بالعربية، لذا لا يتم قبول ترشح أي امرأة.
الواضح هو أن المسألة مبدئية وليست لغوية فقد لا يمنع القانون ترشح المرأة ابتداءً وإنما يعرقل هذا الترشح إجرائياً بشكل يجعل فوز أي امرأة مهما كان وزنها مستحيلاً. وهذا النص يقودنا أيضاً إلى حقيقة أخرى وهي أن على المرشح أن يكون «سياسياً» بمعنى أن يندرج ضمن التيارات السياسية أو الدينية الكبرى. هذا الانخراط الملزم ينفي بدوره وجود أي مرشحين «مستقلين» حتى وإن أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية.
نخلص الى أنه لن توجد للأسف مفاجآت حقيقية على الصعيد الانتخابي الإيراني رغم كثرة الحديث عن معسكرات وأطياف سياسية واختراقات. أما فيما يلي المنطقة العربية فإنه من الصعب توقع تغير إيجابي في السياسة الإيرانية، أي تغير يجعلها أكثر اعتدالاً ورشداً، ليس لأنه لا يوجد رجل رشيد في طهران ولكن لأن أمثال ذلك الرجل غير مسموح لهم أصلاً بالنفاذ عبر «فلاتر» النظام.
كاتب سوداني
د. مدى الفاتح