لم يكن الأمر عبارة عن تحرير مختطفين لدى عصابة اجرامية عادية، لقد كان كما وصفته صحيفة الغارديان البريطانية «عملية إقليمية»، انها عملية تحرير «الصيادين القطريين» التي تداخل فيها البعد الاقليمي بالتنافس المحلي بين الفصائل المسلحة، وتفاوض لاعبون كبار من قطر وإيران مع وكلائهم في العراق وسوريا ولبنان. وتم اطلاق سراح اسرى من حزب الله اللبناني والفصائل الشيعية العراقية لدى جبهة النصرة في سوريا، كما ربطت بعض الجهات عملية تحرير المختطفين القطريين بما عرف باتفاق البلدات الاربع (مضايا والزبداني والفوعة وكفريا). لا بد ان أطرافاً لعبت دور السمسار بكل جدارة.
ابتدأت الحكاية في كانون الأول/ديسمبر 2015، مع مجموعة من الصيادين الخليجيين (اكثرهم قطريون مع مواطنين من الكويت والسعودية وبعض الخدم والمساعدين الاسيويين) الذين يستخدمون الصقور في الصيد في هذا الوقت من كل عام في صحراء السماوة جنوب غربي العراق في المنطقة القريبة من الحدود السعودية.
المجموعة مكونة من اكثر من ثلاثين شخصاً، دخلوا بموافقات رسمية وأصولية، لذلك ترافقهم من اجل الحماية وتسهيل المهمة قوة من الشرطة العراقية ومن المخابرات العراقية، وفي ليلة 18 كانون الأول/ديسمبر هجم على مخيمهم الصحراوي مسلحون يرتدون زياً عسكرياً ويستخدمون اكثر من 40 سيارة دفع رباعي مجهزين باسلحة ورشاشات متوسطة، مما يعني انهم ليسوا عصابة اجرامية عادية، بل المواصفات تدل على انهم ميليشيا ذات نفوذ في تلك المنطقة، كما صرح حينها محافظ المثنى فالح عبد الحسن الزيادي «أن بين المخطوفين 19 قطرياً و7 آخرين ليسوا قطريين، مضيفاً أن هناك أكثر من معلومة عن المكان الذي يحتجز فيه المخطوفون» وأضاف الزيادي «أن قوة مسلحة كبيرة كانت تستقل نحو 70 عجلة رباعية الدفع دخلت بعد منتصف ليلة الثلاثاء/ الأربعاء، إلى بادية السماوة، وبالتحديد إلى منطقة الحنية قرب ناحية بصية، وخطفت الصيادين الذين كانوا يخيمون هناك» واشار إلى أن «القوة الأمنية المكلفة بحماية الصيادين أقل بكثير من القوة التي اختطفتهم، مؤكداً عدم وقوع أي اشتباك بين القوات الأمنية والخاطفين».
ترك الخاطفون بعض المتواجدين في معسكر الصياديين ليرحلوا بسياراتهم عبر الطريق البري الى الكويت، ليخبروا عما حصل، لتصبح المعلومات المؤكدة ان عدد المختطفين هو 26 شخصاً، لم تعلن اي جهة عن مسؤوليتها عن الاختطاف او تعلن مطالبها مع العلم وبحسب صحيفة الرأي الكويتية ان بين المخطوفين تسعة من افراد العائلة الحاكمة في قطر.
الحكومة العراقية اعلنت انها تحاول البحث عن المختطفين لكن دون ان تتوصل الى نتيجة لان الصحراء التي اختطف فيها الصياديون القطريون تشكل حوالي ثلث مساحة العراق، وبالرغم من متابعة الخارجية القطرية للموضوع فان الامر بقي طي الكتمان ولم يثر بشكل علني او يغطى اعلامياً، انما بقي طي الصفقات السرية في الغرف المقفلة لمدة سنة ونصف السنة، لا احد يعلم أين يحتجز المخطوفون، ولا احد يعلم من هي الجهة الخاطفة، ولا احد يكشف عن تفاصيل المفاوضات بهذا الشأن، حتى يوم 6 نيسان/ابريل الجاري عندما اطلق سراح احد افراد العائلة الحاكمة القطرية ومعه احد المرافقين الآسيويين، وقد صدر بيان عن الخارجية القطرية فيه تنويه ان المفاوضات ما تزال مستمرة لاطلاق بقية المختطفين، كما صرح مصدر امني عراقي لهيئة الاذاعة البريطانية BBC «ان القطري المختطف الذي اطلق سراحه في العراق ينتمي لأسرة آل ثاني الحاكمة في قطر»، وأضاف المصدر «ان اطلاق سراح القطري مع مرافقه الباكستاني قد تم بوساطة لبنانية – كويتية»، مبيناً ان «اطلاق سراح المختطفَين تم في بلدة تابعة لإحدى المحافظات جنوب بغداد» دون ذكر المزيد من التفاصيل.
لتبدأ بعدها التسريبات بربط ملف المختطفين القطريين بما عرف باتفاق البلدات السورية الاربع، وكذلك مطالبة ايران لجهات قطرية نافذة بالضغط على حلفاء لهم في الفصائل السورية لاطلاق سراح اسرى من حزب الله اللبناني مقابل ضغط ايراني على حزب الله العراقي للافراج عن المختطفين القطريين، وهذه كانت المرة الاولى التي تعلن فيها بعض التسريبات الصحافية الجهة الخاطفة في العراق، وقبيل بدء تنفيذ نقل السكان والمقاتلين الشيعة من كفريا والفوعة، مقابل نقل المقاتلين السنة وعائلاتهم من مضايا والزبداني الى ادلب، حدث التفجير الانتحاري بسيارة ملغمة قرب باصات المهاجرين من كفريا مما ادى الى سقوط اكثر من مئة قتيل ومئات الجرحى، ومع توقع عرقلة او ايقاف الاتفاق تأخر اطلاق سراح المختطفين القطريين بالمقابل.
من جهتها ذكرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، الخميس 20 من الشهر الحالي، أن طائرة قطرية تنتظر لليوم الرابع على التوالي في بغداد لنقل 26 مختطفاً قطرياً، مشيرة إلى أن ذلك يأتي كجزء من صفقة إقليمية ترتبط بعملية إجلاء سكان أربع بلدات محاصرة في سوريا. وتم نقل القطريين ومرافقيهم المفرج عنهم من سيطرة الخاطفين الى سيطرة الحكومة في خطوة اولى، لتعلن وكالات الانباء صيغة مبهمة مفادها «ان الصياديين القطريين الان في ضيافة رئيس الوزراء العراقي الذي تعهد بحمايتهم» وقد صرح وزير الداخلية العراقي قاسم الاعرجي، يوم الجمعة 21 نيسان/ابريل الحالي لـ «السومرية نيوز، «أثمن جهود رئيس الوزراء بإدارة ملف إطلاق سراح القطريين المختطفين في العراق».
من جانبه غرد هوشيار زيباري القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني ووزير المالية العراقي الاسبق على حسابه في تويتر قائلاً «إن إطلاق سراح الصيادين القطريين في العراق بعد 16 شهراً من الاسر من قبل جماعة مسلحة ايرانية وحزب الله الشيعي الموالي أيضاً لإيران، يُعد هزيمة للعراق السيادي». بينما ذكرت فضائية الميادين المقربة من مصادر القرار الشيعية في عدد من البلدان، اعلنت ان المختطفين القطريين في العراق تم اطلاق سراحهم بمفاوضات توسطت فيها كتائب حزب الله العراقي، ونقلت الفضائية على لسان مصدر لم تكشف عن هويته، قوله انه تم إطلاق سراح القطريين المختطفين بالعراق بالتزامن مع دخول أهالي كفريا والفوعة إلى حلب. وكشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية، أن الصفقة التي شملت إيران وقطر وأربعاً من المليشيات الرئيسية في المنطقة للإفراج عن مختطفين قطريين بالعراق، قد تأجلت بسبب تفجير انتحاري استهدف الأشخاص الذين تم إجلاؤهم في سوريا، كما ذكرت وكالة «تسنيم» الإيرانية شبه الرسمية في وقت سابق ان المجاميع السورية المسلحة قد أفرجت عن 15 مقاتلاً شيعياً عراقياً وسلمت جثمانين اثنين ضمن صفقة إطلاق سراح الصيادين القطريين.
هنا لا بد ان نتساءل اذا كان فصيل واحد من فصائل الحشد استطاع الوقوف بوجه الحكومة العراقية ووزارة الداخلية والدفاع وفرض شروطه للافراج عن المختطفين لديه، فماذا سيكون حال الفصائل الكبرى في الحشد عند انتهاء معركة داعش؟ إنها مؤشرات للآتي الخطير من الامور في مقبل الايام.
كاتب عراقي
صادق الطائي