حتى الآن من النادر أن يشاهدوا بعباءاتهم وعماماتهم في الشواطئ والمنتجعات السياحية في تونس. ولكن ما الذي يمنع الملالي وباقي الايرانيين من ان يصبحوا غداً زبائن دائمين ومفضلين في الفنادق التي هجرها الفرنسيون والألمان والانكليز؟
ألم يحضر نائب الرئيس الايراني ورئيس مؤسسة التراث الثقافي والسياحة مسعود السلطاني بنفسه الى تونس قبل اكثر من عام ليوقع مع وزيرة السياحة التونسية اتفاقاً فضفاضاً حول «إقامة مشاريع استثمارية وتسهيل الحركة السياحية ومساعدة وكالات الاسفار على تصميم برامج سياحية مشتركة وتبادل الخبرات والمشاركة في التظاهرات والمعارض». فلمَ لا يكون التسهيل هو ان تفتح ابواب تونس على مصراعيها امام الايرانيين؟ واذا كانت الفنادق التونسية تجتذب اليوم اعداداً اعلى مما كانت في السابق من الروس فما الذي يمنع طهران من ان تحذو حذوهم وترسل في القريب حشوداً مماثلة من السياح إلى قرطاج؟
سيرحب التونسيون بذلك من دون شك بل سيعدونه مصدرًا لانتعاش مدخراتهم من العملة الاجنبية وفرصة لتحريك عجلة الاقتصاد. لكنهم سيبقون مع ذلك على قدر من التحفظات. أولها وأهمها على الاطلاق هو ان لا يزج بهم في متاهة المعارك الايرانية مع اسرائيل والجيران الخليجيين. فهذا خط احمر لا ينبغى في كل الاحوال تخطيه. وهو السبب الذي لأجله خرج الناطق الرسمي باسم الرئاسة مطلع الشهر الجاري لينفي جملة مقتضبة وردت في سياق تصريحات قالت وسائل اعلام ايرانية انها صدرت عن الرئيس الباجي قائد السبسي خلال لقائه اواخر آذار/مارس الماضي في قصر قرطاج وزير الثقافة والارشاد الايراني رضا صالحي وتضمنت اشادة «بدور ايران في حماية العالم الاسلامي من اسرائيل».
ان ذلك النفي كان تنبيهاً واضحاً على ان التقارب الملحوظ مع ايران لن يعني محاكاتها بالكامل. ومع ذلك فقد غفل الناطق باسم الرئاسة سهوًا او عمدًا عن التعليق عن باقي التصريحات المنسوبة للرئيس التونسي في ذلك اللقاء والتي قد لا تقل أهمية ورمزية عنه.
تكفي المقارنة هنا بين ما نشرته وكالة انباء التقريب الايرانية عن فحوى تلك المقابلة وبين ما نقلته وكالة الانباء الرسمية في تونس عما دار فيها. فقد ذكرت الوكالة الايرانية ان «الرئيس التونسي دعا جميع الدول العربية الى الوقوف الى جانب ايران في مواجهتها ضد الكيان الاسرائيلي ووصف ايران بأنها دولة كبيرة ذات تراث ثقافي عريق ويجب ان يكون لها دور مؤثر في المنطقة». مشيرا الى محاولات بعض الدول المتحالفة مع الكيان الاسرائيلي عزل ايران عن المنطقة والعالم الاسلامي لكنها عادت بنجاح الى الساحة السياسية بالمنطقة. ولفت الى ان البعض يحاول ان يجعل ايران في المسار الطائفي الضيق في حين انه ينبغي ان تؤدي دوراً في المجالات المهمة منوهاً الى لقائه قبل ايام رئيس الوزراء العراقي حيث اكد خلاله بان العلاقات مع ايران يجب ان تكون جيدة. وأشاد قائد السبسي بالاتفاق النووي كاجراء مناسب وان تونس ستواصل علاقاتها مع ايران غير متأثرة بالدول الاخرى.
وعن الملف السوري اكد الرئيس التونسي ان بلاده ومنذ بداية الازمة كانت تخالف الخيار العسكري بل تؤيد خيار الحوار والمفاوضات لتسوية الازمة السورية». بينما قالت وكالة الانباء الرسمية في تونس فقط ان تلك المقابلة سمحت للوزير الايراني بان ينوه «بالحركية الثقافية التي تشهدها علاقات التعاون الثنائي وحرص بلاده على تطوير التبادل الثقافي مع تونس وتعزيز المشاركة المتبادلة في مختلف التظاهرات الثقافية التي تقام في البلدين فضلاً عن ضرورة الاستفادة من الفرص والامكانات المتاحة في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية». والفرق هنا واضح فالإيرانيون يرغبون بالتركيز على الطابع السياسي والاستراتيجي لتحركهم نحو تونس ويصورونه على انه نوع من الاختراق الرمزي لدولة سنية لا تقف في الصف المعادي والمعارض لهم. فيما يرغب التونسيون من جانبهم في تجنب الحرج والحساسية التي قد يثيرها تقاربهم مع الفرس وانعكاساتها المحتملة على علاقاتهم بدول الخليج.
ان لعبة المواربة والتخفي التي يمارساها الطرفان لاجل على الحفاظ على نوع من التوازان الصعب بين الانفتاح المحسوب والرغبة في تجنب استثارة المحيط العربي أو استعدائه لا يبدو انها تتأثر بشكل جدي وكبير ببعض الهواجس والمخاوف التي تظهر من حين لآخر من ان تتطور يوماً الى مباركة ضمنية لتمدد شيعي محتمل داخل بلد تنتمي الاغلبية الساحقة فيه الى المذهب السني المالكي. فكلاهما يرغب بالحفاظ على الشكل الحالي الغامض للعلاقات ويتفهم ظروف الطرف الاخر واكراهاته الداخلية والخارجية التي لا تسمح له بتجاوز بعض الخطوط.
صحيح ان تونس ليست قوة عظمى أو دولة كبيرة يمكن ان يعتمد عليها الايرانيون ويستفيدوا منها في كسر ما تبقى من الحصار المضروب عليهم ولكن موقعها في الشمال الافريقي بالقرب من ليبيا والجزائر قد يعني الكثير لهم. وبالمقابل لا يتوقع التونسيون ان يكون الايرانيون هم الحل الجذري لكل مشاكلهم وازماتهم الاقتصادية والمالية والامنية الحادة بل انهم يلوحون على الارجح بالورقة الايرانية في وجه الخليجيين والاوروبيين والامريكيين الذين تخلوا عن دعم تجربتهم الديمقراطية ومؤازرتها كورقة احتجاج عليهم لا اكثر ولا اقل. وما يدركه الطرفان التونسي والايراني جيداً هو انهما يتحركان على رقعة جغرافية وسياسية شديدة التوتر والاضطراب وان هناك بعض المصالح السياسية المحدودة التي يمكن ان تجمعهما رغم انهما لا يتقاسمان بالضرورة ذات الرؤى والمواقف من كل القضايا والازمات الاقليمية. ان المفارقة هنا هو انهما ينتميان نظرياً لحلفين عسكريين وسياسيين على طرفي نقيض ومع ذلك فلا شيء يدل على ان هناك بروداً او توتراً بينهما. فقد انخرطت تونس رسمياً قبل أقل من عامين في «التحالف الدولي الاسلامي ضد الارهاب» بقيادة السعودية وبرر وزير خارجيتها تلك الخطوة بانها «دعم سياسي ومبدئي لمبادرة السعودية وتأتي في اطار العلاقات الديبلوماسية معها وكذلك باعتبار تونس ضحية للارهاب مثل العديد من الدول».
وارتبطت ايران كما يعلم الجميع بحلف عسكري وسياسي مقابل مع روسيا والنظام السوري وحزب الله. وهذا ما يزيد اللبس ويضع اعباء اضافية على الديبلوماسية التونسية التي لا ترى حرجاً حتى الان من السير على اكثر من حبل والتقدم مرة خطوة الى الامام ثم التراجع مرات اخرى خطوات الى الوراء حتى لا يفسر تقاربها مع ايران على انه استعداء للسعودية والخليج أو تحالفها الشكلي مع الرياض على انه اصطفاف في مواجهة طهران.
و ما بات مطلوباً من تونس ليس التصادم والقطيعة مع ايران بل ازالة اللبس والغموض الذي يكتنف علاقتها بها وتوضيح المدى الذي تريده من تلك العلاقة والمصالح التي تربطها بها ما دام الامر لا يتعلق بتقاسم لمبادئ أو مواقف وخيارات. ما الذي ستجنيه اذا اقتربت منها وما الذي ستخسره إن ابتعدت عنها؟ معرفة ذلك ستكون اهم بالتأكيد من معرفة أعداد الوفود السياحية الايرانية التي ستزحف على الفنادق والمنتجعات وحجم الاموال التي ستهطل من طهران لاجل عيون تونس.
كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية