كيف يمكن تلخيص وجود ألبير قصيري أو توصيفه؟ ثمانية كتب منشورة، ستون عامًا، سنوات تعطي الانطباع بأنها فارغة، أنها لا شيء. قبل أن يرفع اسمه من جدول أعمال الحياة.
في الحوار الذي أجرته معه ناديا أغسوس بمناسبة صدور كتابه «السيد ألبير قصيري، سيرة حياة» يعرفه (فريدريك أندرو) وفقًا لمقاربته الشخصية، كغندور متعجرف، فوضوي اجتماعي، وقبل كل شيء كان شخصية دون مزاج للتواصل والتبادل. عبر 276 صفحة، رصد لسان جيرمان دي بري والقاهرة من خلال قصيري والعكس.
كرّس فريدريك أُندرو الكتاب تحية لألبير قصيري، الرجل الذي تبطر على الحياة ورفض فكرة المعيار. كان أُندرو قد قرأ في شبابه رواية «شحاذون ونبلاء» وصادفه – أي ألبير قصيري – في محيط سان جيرمان دون معرفة له به. ولم يوجه له التحية أو أي كلام» إذ عندما تراه، لا تنتابنا الرغبة في محادثته أو ازعاجه».
جاء الكتاب في شكل سيرة حوارية. يتحدث مباشرة إلى قصيري في نص طويل، بضمير المخاطب وصيغة الجمع، لوسم التميز، للشخصية «التي يراها الجميع ملغزة».
ويعلل استخدامه لصيغة الجمع، بأنه يعبر عن فكرة اللازمنية. وأنها توفر الانطباع بأن ألبير قصيري لا يزال حاضرًا، فضلًا عن المسافة الذي تحتم عليه أن يأخذها، ليظهر احترامه له.
أنجز أُندرو الكتاب مدفوعًا بالرغبة في تقديم الاحترام والتقدير، لهذه الشخصية المميزة والملغزة، ودومًا ما كان يلفت الانتباه، متأنقًا، ونظرته مترصدة دائمًا. هو الذي بلا شيء، عاش في فندق لا يساوي شيئاً، ومن أجل لا شيء طيلة حياته.
خرجت السيرة الحوارية، موثقة ومستندة إلى مصادر عدة. أمضى ساعات في رفقة من عاشروه وعرفوه عن قرب، كجورج موستاكي زوج موينيك شوميت.
حاور التجار الذي كان يتعامل معهم قصيري. حاور نُدْل مقاهي فلور وبراسيري ليب وليه دو، والندل الذين إن سألوه هل يشعر بالسأم، يجيب بأنه لا يمل أبدًا عندما يكون مع ألبير قصيري.
حاور (مونيك شوميت) زوجته السابقة، والتي تزوج منها لمدة سبع سنوات كما تقول. كل التفاصيل التي زودته بها، حفزت لديه الرغبة في الكتابة عنه.
اطلع أيضًا على أرشيفاته، بفضل (جويل لوسفيلد) ناشرة ألبير قصيري، منها دفاتره، التي كان يسودها، خاصة وقت فقد القدرة على الكلام، بعدما تسلي السرطان على حنجرته وهتك أحباله الصوتية وحرم صوته من الخروج.
ومن أكثر ما تكرر في المسودات:» من سيتذكر ألبير قصيري». التي تدل على الهاجس الذي كان يستحوذه في معرفة اي أثر سيتركه وراءه بعد موته. والمفارقة في أنه رغم كونه كان يضع مسافة بينه وبين من حوله، يبدو أنه كان في حاجة للمحبة والاطمئنان والاعتراف.
يكشف الكتاب تفاصيل حياة ألبير قصيري الأرستقراطي الفوضوي، حتى التفاصيل الأقل أهمية، استند فيها فريدريك أُندرو إلى كل ما كُتب عنه. حيث وجد كماً هائلًا من المقالات. ولم يحصل على كتاب واحد فيما عدا الكتاب الحواري الذي كان قد أعده، ميشيل ميتراني تحت عنوان «حوار مع ألبير قصيري».
ألبير قصيري المولود في القاهرة عام 1913، لأبوين يعود أصلهما إلى الشام. ولم يكونا مثقفين أبدًا، أبوه بالكاد يقرأ الصحف، وأمه لا تستطيع القراءة ولا الكتابة. بدأ تعليمه في مدرسة دينية مسيحية، قبل أن ينتقل لمدرسة الجزويت الفرنسية، حيث بدأ افتتانه بقراءة فولتير وهوجو وبلزال وموليير، وبدأ الكتابة في سن السابعة عشرة.
ومدفوعًا بروح المغامرة التي تلبسته منذ صغره، عمل في البحرية التجارية، مما أتاح له التنقل بين بلدان عدة، انجلترا وأمريكا وفرنسا. عرف هنري ميللر في أمريكا، وأعحب بكتابات قصيري وترجمها إلى الإنجليزية. ومحطته الأخيرة في السفر وفي حياته، فرنسا، حيث استقر. وولعه ببودلير، الذي استلهم منه عنوان ديوانه الأول «لدغات».
عرف أيضًا لورانس داريل صاحب رباعية الاسكندرية، كما عرف ألبير كامي. أول من قرأ مجموعته القصصية «ناس نسيهم الرب» ونصح بها ادموند شارلوت. كامو الذي جمعته بقصيري مباريات واجتماعات ليلية مع قصيري، يتمشى فيها إلى حديقة لوكسمبرج.
كل أعمال قصيري كانت تنضح قناعاته بمرارة. روايته «كسالى الوادي الخصب»، عالج فيها وضع عائلة ميسورة، ولا يعملون ويقضون معظم أوقاتهم في النوم. الأمر المطابق لعائلته وكسله المتأصل. «شحاذون ونبلاء» التي حولتها أسماء بكري، لفيلم حصدت عنه العديد من الجوائز.
وفي روايته «منزل الموت المؤكد « وصف الضيق والانتظار اللذين ينتابان سكان عمارة موبوءة يعيش كل واحد فيها حبيس شيء. ونبوءته المريرة لما حدث في مصر في رواية «مؤامرة بهلوانات»: « فقد ديكور الميدان مظهره المخيف؛ وأصبح في عينيه تافهًا ببساطة مثلما كان في فترة شبابه. بدا لتيمور أنه يتنفس براحة أكثر وأن الثقل الهائل الذي يكبس صدره قد تبدد نهائيًا، ليترك فيه نوعًا من الفضول المثير للشفقة لهذه المدينة التي ترقد في قبحها».
القاهرة التي ظلت كما وصفها، مدينة ذات تنوع مذهل من الصعب وجوده في مكان آخر: «عمال عاطلون عن العمل، حرفيون بلا زبائن، مفكرون متحررون من وهم المجد، الساخرون الأبديون، فلاسفة يعشقون الظل والسكينة، يعتبرون انجراف مدينتهم إلى القاع مجرد وسيلة لشحذ حسهم النقدي ورفع قدرتهم على الاستهزاء».
ترك قصيري مصر، لكنه لم يهجرها أو هي لم تتوقف عن احتلاله. وتظل كتابته بالفرنسية سرًا قائمًا، فهو لم يكتب بالعربية عن مصر، ولم يكتب بالفرنسية عن حياته في فرنسا، بل كتب مصر بالفرنسية. حتى أنه لم يستثمر الوسط المحيط به وتجربته في الكتابة عن باريس أو شهادة عن الذين خالطهم، جان جينيه وجياكوميتي وكامي وآخرين. يكرر فريدريك أندرو على طول الكتاب وصفه لقصيري بالغندور. والتأنق الشديد على طريقته الخاصة، بداية من الصورة التي تتصدر الغلاف، التي يبدو فيها طافيًا في ملابسه ويحاول أن يملأها. قصيري الذي كان لا يهتم بعدد قطع الملابس بالنسبة له فما يهمه هو اللعب بالألوان، ومرة على سبيل المثال، حضر حلقة تلفزيونية بقميص أخضر وسترة زرقاء وجيب أحمر. وبالمثل كان يحب مطابقة الحقيبة وربطة العنق. ويتفكّه أندرو على هذه المسأله:» السيد ألبير دائمًا في وضع جيد. السيد ألبير أفضل من ملابسه».
مقاطع الكتاب يمكن بناؤها كلغز محير لحل اللغز الأساسي، شخصية قصيري. ولم ينحز الكتاب لجعله ملاكًا، بل مال للحقيقة. مثل أن النساء كانت تكرهه، هو الذي كان يجلس في حديقة لوكسمبورج يتفحص النساء. وأن حياته كانت متخبطة بصورة استثنائية وأنه كان خدّاعًا، وكان يكذب حتى على نفسه. ويلعب بالمصداقية مع نفسه ومع الآخرين. والذي ظل قائمًا كسؤال طوال حياته وربما شيئًا بعيدًا عنه، السعادة وحياة الواحد وحريته كمفرد. قبل سنوات من وفاته سأله صحافي: كيف تريد أن تموت؟ قال: على فراشي في غرفة الفندق وقد تحقق له ما أراد. كانت الحركة الأخيرة في حياته، بعد أن سقط في منتصف الغرفة، أن سحب ملاءة السرير لكي يستر عري جسده، الذي عمّر لأكثر من 90 عامًا. علق مدير الفندق وقت الخروج الأخير لزبونه: «ربما يروقه هذا الخروج».
لكن كيف سيُذكر ألبير قصيري ومن سيذكره؟
كاتب مصري
جابر طاحون