لا شك ان ما وراء تسلّم الرئيس العراقي فؤاد معصوم، أوراق اعتماد السفير الإيراني لدى بغداد، وبيانٍ مكتبه الرسمي المُشيد بعمق العلاقات بين البلدين الجارين، تختبئ وتختفي الكثير من الحقائق والتسميات عن حقيقة الاستراتيجية الإيرانية ونوايا قادتها وسفرائها، بما فيها علاقة سفير إيران الجديد ومستشار قاسم سليماني «إيراج مسجدي» وارتباط مهمته «الدبلوماسية» بالتحديات والمتغيرات المقبلة في العراق، بعد التغير الواضح والعلني في الموقف الأمريكي الرافض لاتساع النفوذ الإيراني في المنطقة.
ومع تزايد التصريحات التي تأتي من أركان الإدارة الأمريكية حول إيران، يبدو واضحاً أن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب أعطى اهتماماً ملحوظاً للوعود التي قطعها أثناء حملته الانتخابية للضغط على إيران وإجبارها على الانسحاب من الملفات الساخنة في العراق وسوريا واليمن.
ولعل الموقف الأمريكي الأكثر وضوحاً تجاه إيران في هذا السياق، جاء في الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون واتهامه لنظام الولي الفقيه برعاية الإرهاب في العالم، وزرع الميليشيات لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.
زيارة جارد كوشنير، صهر ترامب ومستشاره الخاص، للعراق، والتغيرات المعلنة في السياسة الأمريكية المقبلة التي بدأت مع وصول الإدارة الجديدة للبيت الأبيض، تضع النقاط على الحروف في ملف العراق على الأمد القريب والبعيد، انطلاقاً من سعي الرئيس الأمريكي الجديد، إلى رسم خريطة طريق جديدة للعراق والمنطقة، في إطار تنفيذ الوعود التي قطعها خلال الحملة الانتخابية، وكذلك من خلال المباحثات التي جرت مؤخرا في واشنطن مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.
يتفق العديد من المتابعين للشأن العراقي، في أن لقاء رئيس الوزراء حيدر العبادي مع إدارة دونالد ترامب، اكتسب أهمية خاصة، في ظل السياسة الأمريكية الجديدة الهادفة إلى وقف المد الإيراني، ومن ثم إعادة رسم المشهد السياسي، من خلال نظام مركزي أو فيدرالي، يجمع العراقيين ويضمن للولايات المتحدة المناخ الملائم، لإعادة بسط سيطرتها السياسية والاقتصادية الكاملة على بلاد الرافدين.
ثمة إشارات لا تخطئ وتنذر ببداية مرحلة جديدة من المواجهة بين واشنطن وطهران لإنهاء التوسع في العراق وتدخل الدين السياسي المذهبي في العالم العربي والإسلامي. أولى هذه المؤشرات تكمن في التوجه الجديد لقادة الميلشيات الموالية لإيران للإطاحة برئيس الوزراء حيدر العبادي وإعادة نوري المالكي لإدارة ترتيب المشهد السياسي لمرحلة ما بعد تنظيم «داعش».
لقد بلورت عملية اختيار كبير مستشاري الحرس الثوري الايراني العميد «إيراج مسجدي» سفيراً إيرانياً في بغـداد، استراتيجية طهران لوقف نفوذ واشنطن من خلال الدعم والتنسيق مع التنظيمات والميليشيات. وكما ان علاقته وارتباطه بقاسم سليماني تجعل منه مصدراً موثوقاً به في دفع مصالح طهران من خلال خطورة التحديات المقبلة التي ستواجه العراق بعد قرار واشنطن بإعادة تقييم استراتيجيتها السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، والنية في وقف المد الإيراني الطائفي وخطر السلاح النووي الذي يهدد المنطقة والعالم.
وفي الوقت نفسه كان لاختيار طهران وتحت ستار الدبلوماسية الإيرانية في العراق، لقائد الحرس الثوري سفيراً لها في بغداد الفرصة الملائمة لدعم السياسة المذهبية الخاصة بالعراق التي أثبتت نجاحها في زيادة نفوذها للتدخل في الشأن العراقي من خلال حرصها على بقاء الملف العراقي في دائرة الحرس الثوري ومرشد الجمهورية الأعلى. حيث من المحتمل أن يتسلم السفير الإيراني مسجدي زمام الأمور في إدارة وتنظيم الأنشطة الإيرانية الرئيسية، ودعم الأحزاب العراقية القريبة من إيران، بما في ذلك تنظيمات ما يسمى «بالحشد الشعبي»، سعياً لتعزيز النفوذ السياسي الإيراني في الانتخابات الاقليمية والبرلمانية المقبلة وتحدياً للسياسة الأمريكية التي رسمها «دونالد ترامب» للعراق. وهذا ما يكشف عن تشبث النظام الثيوقراطي في قم وطهران في التدخل في صياغة عمل مؤسسات الدولة عن طريق المشاركة المباشرة في انتخابات المجالس الإقليمية وسلطات المجالس في أيلول/سبتمبر والانتخابات البرلمانية في عام 2018.
وهنا لا بد من الإشارة إلى الرمزية التي يمثلها زي الحرس الثوري للسفير الإيراني الجديد التي تدخل ضمن إطار عملية عسكرية هدفها مواجهة التزايد في الوجود العسكري الأمريكي لإفشال المساعي الأمريكية التي جاءت بها وعود الإدارة الأمريكية الجديدة والتأثير المباشر على القرارات السياسية الرئيسية في العراق، من خلال دعم إيران لنظام حكم طائفي قوي متماسك في عراق ضعيف منقسم على مكوناته ليس له القابلية في إعادة السيادة.
حيث تطمح طهران لبقاء المشهد السياسي المقبل وكما كان في السابق من خلال فرضها للضوء الأخضر الإيراني في عملية اختيار رئيس الوزراء العراقي على الرغم من احتمال صعوبة التأثير المباشر على الانتخابات القادمة نتيجة للإرادة الأمريكية الجديدة الهادفة لقطع حبل النفوذ الإيراني وإعادة بسط نفوذها بعد الأهمية التي اكتسبها لقاء «حيدر العبادي» مع «دونالد ترامب» والذي قد يدفع بالعبادي للخروج من بيت الطاعة الإيراني والدخول في تنافس من نوع جديد مع زعماء الأحزاب القريبة من إيران، قد يدخل العراق في مسلسل صراع أمريكي ـ إيراني بالوكالة.
في حين أن نجاح جهود إيران أقرب ما تكون إلى الخيال، يبدو ان طهران مصممة على تحقيق أهدافها في العراق بأي ثمن، بما في ذلك إدامة حالة عدم الاستقرار في البلاد، واحتمال الإطاحة برئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي من خلال شبكة التنظيمات السياسية والعسكرية التي زرعتها في داخل مؤسسات الدولة وخارجها. وهذا ما سوف يلقي بضلاله على المشهد السياسي والأمني للبلد ويؤهله لمواجهة جديدة بين مؤيدي سياسة الولايات المتحدة الجديدة من العرب الشيعة والسنة والكرد وبين أحزاب الولي الفقيه وأجندته التي ستجلب للعراقيين المزيد من الانقسام والدمار.
كاتب عراقي
أمير المفرجي