الرابع عشر من الشهر تاريخ مرتبط بشكل وثيق بالتاريخ السياسي للبحرين. ففي 14 فبراير من العام 2011 انطلقت تلك الثورة التي حافظت على حضورها وتميزها وان لم تحقق التغيير المطلوب حتى الآن. وارتبط اختيار ذلك التاريخ بما حدث قبل عقد من ذلك اليوم. ففي 14 فبراير 2001 كان هناك تصويت على ميثاق طرحه الحاكم كمخرج من الازمة السياسية التي خلقتها انتفاضة التسعينات التي تواصلت ستة اعوام (1994- 2000).
وفي اليوم نفسه من العام التالي اعلن الحاكم رسميا الغاء دستور 1973 وأنهى بذلك عاما كان مفعما بالامل من اجل التوصل الى صيغة جديدة للحكم تتميز بديمقراطية دستورية. وبعد انطلاق الثورة بشهر واحد حدث الاجتياح السعودي في 14 مارس 2011 ليوجه ضربة قوية للثورة ولكنه فشل في القضاء عليها. وثمة تاريخ آخر في ذلك اليوم يحظى باهمية غير قليلة. ففي 14 اغسطس 1971 اكملت القوات البريطانية انسحابها من البحرين بعد اكثر من 150 عاما من الوجود العسكري بمنطقة الخليج. شعب البحرين يعتبر ذلك اليوم ‘عيد الاستقلال’ ويحتفي به سنويا بطرق شتى. ولكن الامر سيختلف هذا العام، بعد ان أعلنت قوى الثورة حراكا خاصا تحت اسم ‘تمرد’ على غرار ما جرى في مصر مؤخرا، بهدف تطوير اداء الثورة والتصدي لمحاولات القضاء عليها من قبل النظامين البحريني والسعودي.
وقد تصاعدت ملاحقة شباب الثورة وقادتها في الاسابيع الاخيرة، فتواصلت الاعتقالات والمحاكمات، وتكثف استخدام الغازات الكيماوية وسلاح ‘الشوزن’، ووقعت حالات عديدة تبدو في الظاهر ‘حوادث’ سير ولكن المعارضين يعتقدون انها تصفية حسابات مع النشطاء الميدانيين. واغتيل معارض سابق في ماليزيا في ظروف غامضة دفعت بعض المعارضين لاتهام العائلة الحاكمة في البحرين بدور في الاغتيال خصوصا بلحاظ العلاقات الحميمة بين رئيس الوزراء البحرين والحكومة الماليزية. ويمكن القول ان الحراك البحراني آخر ما تبقى من آثار ‘الربيع العربي’ الذي استهدف بدون هوادة من قبل قوى الثورة المضادة، ويصر شبابه على الحضور في الشوارع والميادين يوميا حتى تتحقق مطالب الشعب في التغيير والممارسة الديمقراطية. فقد اصبح تجديد الثورة تحديا يواجه شبابها، بعد ثلاثين شهرا من الحراك المتواصل والتحديات الكثيرة.
في السادس عشر من الشهر الماضي نشر معهد ‘كاتو’ بواشنطن مقالا للكاتب تيد جالن كاربنتربعنوان: البحرين تبرز كأزمة سياسية مقبلة لواشنطن في الشرق الاوسط ‘. أشار كاتب المقال الى ان استمرار التوتر السياسي في هذا البلد الخليجي الذي يحتضن الاسطول الخامس الامريكي، سيثقل كاهل الولايات المتحدة المشغولة بالتطورات غير السعيدة في سوريا ومصر، برغم مرور ثلاثين شهرا على التظاهرات والاحتجاجات التي انطلقت في 14 فبراير 2011. ويمكن القول ان الربيع العربي الذي انطلق آنذاك بحماس غير مسبوق في العالم العربي منذ عقود، تلاشى تدريجيا لسببين رئيسيين من بين اسباب عدة: هما: استمرار جهود قوى الثورة المضادة لوقف مسار التغيير الديمقراطي، وعدم قدرة قادة الحركات الشعبية على استيعاب مشاريع القوى المناهضة للثورة والتغيير، وبالتالي غياب اي تخطيط لمواجهة تلك المشاريع. وهذا الضعف البنيوي لدى قوى التغيير والثورة جعلها تشعر بعدم قدرتها على التصدي للمشروع المناهض لها. فكان امامها خياران: اما التصدي العلني لتلك القوى المناهضة للتغيير، وهذا سيؤدي الى مواجهة اعتقد اصحاب مشاريع التغيير بعدم قدرتهم على الاداء المناسب خلالها، او الصمت ازاء تلك المشاريع وتجاهلها على أمل ان لا تجد الطريق للتطبيق. قوى الثورة الناهضة لم تستوعب حجم الرفض لدى قوى الثورة المضادة لاي تغيير لسبب بسيط ومنطقي مفاده ان ذلك التغيير، ان سمح له بالبقاء فسينتشر كالنار في الهشيم، ولن يوفر أيا من انظمة الاستبداد والتخلف في المنطقة. هذه القوى (ومن بينها انظمة حاكمة في المشرق العربي على وجه الخصوص) اتخذت سياسة صارمة ازاء ثورات التغيير بعد اسابيع من انطلاقها، وأطلقت أخطر أسلحتها ضد الثورات، متمثلا بالطائفية. ونظرا للطبيعة الدينية للحركات الاسلامية فقد استدرج الكثير من رموزها للانخراط في المشروع الطائفي، كأنه استجابة طبيعية لحاجة غريزية. ومما يدفع للاستغراب تلاشي المقاومة لذلك الانخراط الذي حدث بشكل سريع، فاذا بالمنطقة التي كانت على موعد مع ربيع عربي يانع، تتبع في مسيرتها اطروحة قوى الثورة المضادة لتخلق من التناقضات والتضاد والتناقض بين ابناء المشروع الاسلامي الواحد (على تعدد انتماءاته الفقهية) ما أضعف الكيانات السياسية لدى الحركات الاسلامية ووضعها على طريق التلاشي التدريجي. فها هم الاخوان المسلمون في مصر يدفعون ضريبة كبرى لعدم تحمل مسؤولياتهم عندما وصلوا الى ذروة الهرم. كان عليهم ان يتصدروا للثورة المضادة بشكل علني وحاسم، والتصدي لكافة اساليبها خصوصا الطائفية. كما كان عليهم الدعم العلني للثورات السلمية بشكل خاص ونقل المعركة الى صفوف الطرف الآخر. ولكن الذي حدث ان ذلك الطرف تمكن من تحويل الصراع التاريخي بين اصحاب التغيير من جهة وقوى الاستبداد من جهة اخرى، الى صراعات بين قوى التغيير نفسها لاسباب تافهة تم اسقاطها على التباين المذهبي، وشنت الحرب الطائفية على اوسع مداها.
وفيما كان الكثيرون يشيرون الى عجز ثورة البحرين عن تحقيق انتصار على غرار ما حدث في مصر وتونس، كانت الصورة واضحة في اذهان منظريها. فقد كانوا يحذرون من امور عديدة: اولها عدم استعجال النتائج بالقبول بحلول جزئية تبدو كبيرة في ظاهرها ولكنها تبقي على اعمدة الانظمة الاستبدادية في مكانها. ثانيا: وعي طبيعة القوى المناهضة للتغيير متمثلة في رموز الاستبداد وداعميهم الغربيين وكذلك في بعض الانظمة العربية التي تعتقد ان استمرار مسار التغيير سيصل اليها ويسقطها. ثالثا: قادة ثورة البحرين ادركوا منذ اليوم الاول اهمية الحفاظ على حضارية الحراك السياسي وعدم الانجرار الى مشروع العنف الذي تروجه قوى الثورة المضادة لتبرير القمع الدموي للمتظاهرين السلميين. رابعها: ثورة البحرين بقيت خارج اطار التأثيرات الخارجية، وفيما رفضت المساومة على قيم الحرية والديمقراطية وحكم القانون، فقد رفضت ايضا استجداء العون من الغربيين، لعلمها ان اجندتهم في المنطقة لا تسمح بالتغيير الديمقراطي ولن تقبل بارادة الشعوب وخياراتها. خامسا: انها تمسكت بخيار التغيير الشامل ورفضت العروض المشوهة وانصاف الحلول، مؤكدة مبدأ ثوريا مهما مفاده ‘ان الجديد لا يكون جديدا الا اذا اصبح القديم قديما’ وان نصف الثورة يؤدي الى هلاك امة. واصرت على ضرورة فتح صفحة جديدة في التاريخ العربي تمارس الشعوب العربية فيه حق تقرير المصير واختيار شكل الحكم الذي تريده وتنتخب حكوماتها بحرية. فمشروع التغيير الذي تأخر كثيرا لا يحتمل التأجيل او التسويف او التخاذل او سذاجة التفكير او افتراض انسانية قوى الثورة المضادة وان من الخطأ فتح جبهة ساخنة معها.
وكان من نتائج هذا التردد في صياغة مواقف الدعم للقوى الثورية التغييرية، اضعاف الوهج الثوري تدريجيا وتحويله في بعض البلدان الى حرب طائفية مدعومة بالدولار النفطي. اما السلاح الآخر فتمثل بالتدخل العسكري المباشر. ثورة البحرين قوبلت بهذه الاساليب بدون رحمة. فالطائفية رفعت سلاحا ضد ثورة التغيير وعرضت الثورة وكأنها حرب مذهبية بين جناحي المسلمين. ويعرف النظام ان الوضع ليس كذلك ابدا. فلم يخرج مواطن واحد من الذين شاركوا في الثورة يدعي بان هناك ازمة طائفية في البحرين. فالصراع في هذا البلد انطلق في شكله المعاصر منذ 1922 وتواصل عبر العقود اللاحقة حتى بلغ مرتبته الكبيرة في ثورة 14 فبراير. وما يزال الاضطراب السياسي في البحرين احدى السمات الثابتة لهذا البلد، وقد تداول عليه اصحاب الاطروحات الايديولوجية المتباينة، ابتداء بذوي الاتجاهات القومية في الخمسينات، مرورا بالحراكات الطلابية في الستينات والسبعينات، وصولا للحضور السياسي للحركات الاسلامية في الوقت الحاضر. انه مد ثوري لم ينقطع، بل اتخذ في بعض المفاصل التاريخية شكل مقاومة الاستعمار (كما حدث في الستينات) حتى العام 1971 عندما انسحب البريطانيون. وطوال العقود الثلاثة الاخيرة كان شعب البحرين يسير بخطى حثيثة باتجاه التغيير السياسي الجاد. وقبل عشرين عاما وقع المواطنون عريضتين تطالبان بالتغيير السياسي باقامة مجلس تشريعي وانتخابات حرة وفقا لدستور البلاد الذي كتب بعد رحيل القوات البريطانية.
ويمكن القول بان ثورة البحرين المتواصلة بعنفوان شبابها وسلمها ووضوح غاياتها، كانت من اوعى حركات المعارضة والثورة. فقد أصرت على سلميتها منذ ان تواجد الآلاف بدوار اللؤلؤة الذي اصبح مرادفا لثورة البحرين. وتجدر الاشارة الى ان نصب اللؤلؤة قد أزيل تماما بجرافات النظام بعد التدخل العسكري السعودي في 14 مارس 2011 والاعتداء على الثوار المعسكرين فيه وقتل العديد منهم واعتقال المئات لاحقا. انها قصة تقترب من الخيال، ولكن واقعيتها تجعلها من اكثر التجارب البشرية قدرة على التوضيح العملي لمواقفها وسياساتها. ومن انجازات هذه الثورة انها لم تنكسر امام الهجمة السياسية والعسكرية من قبل السعودية، ولم تستسلم لاطروحات الطائفية او المنطق العسكري، بل استوعبت كل ذلك، وسارت بدون تراجع او استعجال لقطف الثمار.
بعد التجربة المرة في مصر واسقاط اول رئيس منتخب ديمقراطيا، اصبح من الضرورة بمكان اعادة تقييم مواقف رموز الثورات وما اذا كانت اساليب محاباة قوى الثورة المضادة قد ادت الى نتائج ايجابية لصالح مشاريع التغيير. الامر الواضح الذي أكده انقلاب عسكر مصر على ثورة الشعب ان مسايرة قوى الثورة المضادة يأتي بنتائج مغايرة لما يريدها الثوار، وان من الضروري عدم استعجال النتائج، بل الاصرار على تحقيق مستلزمات التغيير الشامل، وذلك بالاصرار على اقتلاع الانظمة المؤسسة على قيم الاستبداد وخداع الجماهير واستغلال التناقضات المجتمعية (التباينات الايديولوجية والاختلافات المذهبية بشكل خاص) لضرب مكونات الثورة بعضها ببعض ومنع التلاحم الوطني. وهذا واضح في الوضع البحراني. فقد سعى نظام الحكم لاختلاق حالة عداء بين ابناء الشعب بتشطيره طائفيا واختلاق ازمات ليس لها اساس لمنع تبلور موقف وطني موحد. ومن يسعى لمقاومة ذلك يتعرض للتنكيل. وكما اعتقل الشيعة اعتقل السنة ايضا. بل ان حالة الصمت التي فرضت على الحالة السنية في البحرين بدأت تتلاشى، واصبح هناك من يطرح ضرورة التغيير ويقدم برنامجه ورؤاه لما يراه من ضرورة لاحداث ذلك التغيير. فاصدر الشهر الماضي ‘شباب الفاتح’ اجندة التغيير من وجهة نظرهم، وهي تتقاطع مع ما يطرحه دعاة التغيير من الشيعة. الجميع بدأ يدرك ان استمرار الوضع الراهن الذي تهيمن فيه قوى الثورة المضادة على الشعب وتمارس بحقه من القمع والاضطهاد ما ليس له سابقة، امر لا يمكن السماح له بالاستمرار، وان الوطن للجميع يشارك فيه الشيعي والسني على حد السواء والاسلامي الى جانب الليبرالي، من اجل اقامة قائم على مبدأ ‘لكل مواطن صوت’.
قمع الحراك الشعبي من قبل النظام متواصل، ومعه الصمت الدولي والتجاهل العربي. انه جانب من تمييع مواقف الشعوب ازاء مشاريع التغيير، ومحاولات متواصلة لكسر ارادتها وتعميق روح اليأس لديها من امكان التغيير خارج الارادة الغربية. فما يجري في مصر وتونس وليبيا وسوريا انما يهدف لاضعاف الحماس للتغيير الذي، ان حدث، لن يقتصر على تلك البلدان، بل سيمتد الى بقية الاقطار. شعب البحرين الذي يواصل اطول ثورة متواصلة في العالم العربي واكثرها سلما ووضوحا في الاهداف واستقلالا عن القوى الاجنبية، يتحمل اصناف التنكيل والقمع، فالسجون مكتظة باكثر من الفي معتقل رجالا ونساء، والمحاكم الصورية تصدر احكامها بالسجن على المواطنين يوميا ضمن مشروع قضائي غير عادل. وهنا لا يمكن فصل الواقع البحراني عن تدخلات القوى ذات النفوذ.
‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن