حروب اليهود

حجم الخط
0

لا يمكن القول إنها ما زالت شابة، وليست ضعيفة ايضا، بل وتعاني من بعض الامراض المزمنة. ولكن كمن تجاوزت قبل عامين جيل التقاعد الرسمي للرجال ـ لديها الكثير مما تفخر به. ورغم عدد السكان القليل نسبيا، ورغم أنها تعيش في أحد الاحياء الاسوأ في العالم ـ فلا أحد في المنطقة يقترب من قوتها الاقتصادية والعسكرية.
لقد مرت عقودها الاولى بخطر وخوف وجودي. وكدولة محاطة بجيران أعداء وأقوياء، كانت دائما تشعر بأنها قد تزول في أي لحظة. مرة وراء الاخرى اضطرت إلى الخروج إلى الحرب دفاعا عن وجودها، ودفعت ثمنا باهظا لانتصاراتها، وها هي في السنوات الاخيرة، دون تحريك ساكن، انهار جميع أعدائها التقليديين ووجدت نفسها فجأة محررة من أي تهديد وجودي. نعم، هناك ارهاب وهناك تهديدات أمنية كثيرة، إلا أنه لا توجد أي قوة في المنطقة تستطيع تهديد وجودها أو الانتصار عليها أو اقتطاع اجزاء من اراضيها ـ هذا هو ربحها الكبير.
بدل السعادة من التطورات الايجابية، فإن رئيسها خائف ـ لا توجد دعامة اكثر دفئا وتوحيدا من التهديد الوجودي. اذا تحرر مواطنوها من الخطر الوجودي فإن من شأنهم أن يطالبوه بأفق من الأمل ومستقبل افضل. في عمر 69 يمكن أنهم يريدون النظر إلى انفسهم في المرآة ورؤية أنفسهم، وليس فقط رؤية التهديدات المحيطة. قد يسألون: «الآن، في ظل عدم وجود تهديد وجودي، إلى أين سنذهب من هنا؟». اسئلة من النوع الذي يشكل تهديدا وجوديا للرئيس نفسه.
بسبب ذلك يجب اختلاق التهديدات واختلاق الاعداء الخارجيين والاشارة إلى الخونة من البيت وتفريق المواطنين وتحويل كل منظمة إلى عدو قاتل وكل قول انتقادي إلى خيانة للوطن وتعظيم كل عملية وكل صاروخ كتهديد لاساس وجودنا. كل شيء شريطة أن لا يتم طرح السؤال الصعب: «إلى أين تأخذنا؟».
منذ أكثر من اربعين سنة يعيش مجتمعنا في خلاف حول موضوع الحدود المستقبلية والسيطرة على اراضي يهودا والسامرة وملايين الفلسطينيين الذين يعيشون هناك. ولكن خلال كل هذه الفترة بقيت جزر من الاجماع داخل هذا الخلاف، وهذه الجزر تغرق الآن في بحر الكراهية. ايضا قبل العام 2009 كانت خلافات بين اليسار واليمين، لكن العداء العميق الذي يغرق الآن النقاش بين المعسكرات لم يكن موجودا. يحدث في اوساطنا شيء سيء يهدد بأكلنا من الداخل أكثر من أي تهديد خارجي.
عند وصولنا إلى شاطيء النمو والراحة النسبية من التهديدات الكبيرة، نبدو منقسمين أكثر من أي وقت. ما الذي حدث في السنوات الثمانية الماضية وأدى إلى ذلك؟ حدودنا هادئة أكثر من أي وقت، ليس هدوءا مطلقا، لكن هذا يعتبر هدوء بمعايير الشرق الاوسط. صحيح أن حزب الله يهدد، لكنه يرتدع منذ 11 سنة. صحيح أن حماس حاربتنا ثلاث مرات، لكنها لم ترفع سلاحها منذ سنتين ونصف. ويوجد ايضا ارهاب، الذي كان وسيبقى، في كل مكان احتكاك بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
بغض النظر عن فظاعة الارهاب إلا انه لا يهدد وجودنا. وكذلك الامر بالنسبة لحماس وحزب الله. لماذا يعيش الكثير من الإسرائيليين اذا مع مشاعر الخوف؟ الربط بين القيادة التي تخيف الجمهور وبين وسائل الاعلام التي تؤجج الخوف، يسعى إلى ابقاءنا في حالة خوف دائمة من اجل خدمة الطرفين وتوفير المصوتين الخائفين ومستهلكي وسائل الاعلام الخائفين. القطيع يتشتت عندما يشعر بأنه لا يوجد راع.
أنا لست باحثا اجتماعيا، لكني التقى مع مئات وآلاف الإسرائيليين شهريا. وحسب مشاهدتي غير العلمية لهم، يبدو لي أن معظمنا لسنا هناك. معظمنا ما زلنا نؤمن بالاسس المشتركة لهذا المجتمع. معظمنا يعمل ويدفع الضرائب ويرسل أبناءه إلى الجيش، مع الادراك بأنهم قد يتعرضون للهجوم من قبل اخوانهم في البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية أو في مئه شعاريم. معظمنا نؤمن أن دولة إسرائيل هي البيت الافضل لكل يهودي في العالم وأنه لا مكان افضل منه لتربية أبنائنا.
يمكن أنني قصير الرؤيا أو أنني ساذج، لكنني اؤمن بأن معظمنا لا يؤيدون النقاش المتطرف أو البحث عن الخونة من اجل اعدامهم في ميدان المدينة. معظمنا يريد إسرائيل قوية وآمنة وواثقة من نفسها وحرة ومزدهرة، وليس إسرائيل خائفة، وكل قول مختلف فيه يشعل فيها نار داخلية.
الآن في عمر 69 لدينا الفرصة والقوة لرسم مستقبلنا. مقابل عالم عربي يغرق في ذاته، ولن يستيقظ في المستقبل القريب، وفي ظل غياب التهديد الوجودي، ومع قوة اقتصادية غير مسبوقة ـ تستطيع إسرائيل التقرير بنفسها ومن أجل نفسها في أي واقع تريد أن تعيش.
أحد قادتنا العسكريين حدثني عن لقاء له مع رئيس استخبارات دولة من الدول العربية التي اعتبرت حتى فترة قصيرة معادية. سأله العربي «هل تريدون بالفعل العيش في الشرق الاوسط؟»، فأجابه الإسرائيلي «ماذا تقصد؟».
«أنا اسأل لأنكم تتصرفون وكأنكم في فلوريدا. أنتم لا تتحدثون العربية ولا تعرفون ثقافتنا ولستم قادرين على فتح التلفاز وفهم ما اقوله أو فتح الصحيفة لقراءة ما أكتبه. طالما استمريتم في التصرف وكأنكم بعثة اوروبية وترفضون الاعتراف بحقيقة أنكم تعيشون في منطقة الثقافة العربية هي السائدة فيها، فستبقون نبتة غريبة هنا».
هناك الكثير من الحكمة في هذه الاقوال. لقد أقمنا هنا فيلا في غابة الشرق الاوسط وقمنا باحاطتها بالجدران العالية والقوية، لكننا نرفض الاعتراف بما يوجد خلف هذه الجدران. إن هذه الجدران تمنع وصول المخربين والمتسللين، لكنها لا تعمل على وقف الافكار التي تصل الآن من خلال الانترنت وتدخل إلى القلوب. ونحن لا نستطيع قراءة هذه الافكار.
هذا الامر سيكون محزنا أكثر اذا أخذنا في الحسبان أن نصفنا تحدثوا العربية كلغة أم في الجيل السابق. لكننا قمنا بقمع هذا النصف وسببنا له الخجل من عربيته، والآن يعتبر المتجندون الوحيدون للجيش الإسرائيلي الذين لغتهم الأم هي العربية، هم الدروز والبدو. لا يجب علينا تبني ثقافة المنطقة، لكن اذا أردنا البقاء هنا فيجب علينا معرفتها على الأقل.
اذا تمكنا من التحدث بلغة المنطقة فسنكتشف أن هناك الكثير من الشركاء المحتملين. الحديث لا يدور عن حب حقيقي أو صداقة شجاعة، بل هناك الكثير من الدول التي لا تتحفظ من التعاون معنا. من خلال العمل المشترك معهم نستطيع تعزيز مكانتنا لاجيال قادمة. ولكن قبل ذلك يجب أن ننظر في المرآة وأن نقرر أي إسرائيل نريد أن نعيش فيها، هل نريد البقاء في غيتو الخوف الوجودي أم أننا ندرك أنه يمكننا التصرف كشعب حر في بلاده؟.

معاريف 28/4/2017

حروب اليهود
عندما وصلنا بالذات إلى شاطئ الأمان والازدهار أصبحنا منقسمين أكثر من أي وقت آخر
الون بن دافيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية