عقوبة بعد العقوبة: كيف يعيش الشباب المفرج عنهم مع مراقبة في مصر؟

حجم الخط
2

القاهرة – «القدس العربي» – من أحمد رمضان : أحكام بالسجن يتبعها «مراقبة»، أو قرارات بإخلاء السبيل بـ»تدابير احترازية»، شباب يقضي فترة من عمره في السجن لمعارضته النظام أو التظاهر ضد قراراته، ليخرج ويجد نفسه في سجن آخر «سجن صغير داخل سجن كبير» حرفيا.
في الآونة الأخيرة، تعددت قرارات إخلاء سبيل شباب متهمين في قضايا سياسية، بعد قضاء فترة ما في الحبس الاحتياطي، ولكن معها ظهر أيضا مصطلح «تدابير احترازية»، ربما المصطلح قانونا ليس جديدا، ولكن كثرة تنفيذه أصبحت محط أنتظار وتساؤل.
إلى جانب الإخلاء بتدابير احترازية، تعددت أيضا أحكام القضاء بمراقبة بعد انتهاء المدة، بمعنى أن يقضي الشاب فترة سجن 3 سنوات على سبيل المثال، وبعدها عليه أن يقضي فترة مماثلة في المراقبة.
تتنوع المراقبة والتدابير الاحترازية من شخص لآخر، على سبيل المثال، إخلاء سبيل الناشط المصري المعارض «زيزو عبده» كان مشروطا بالتوجه 3 أيام في الأسبوع إلى قسم الشرطة التابع له لمدة ساعتين يوميا، فيما يقضي الناشط المصري البارز أحمد ماهر، فترة مراقبته لمدة 3 سنوات، يوميا في قسم الشرطة من السادسة مساء وحتى السادسة صباحا، 12 ساعة يوما.
«القدس العربي» في رحلة للبحث عن إجابة سؤال «كيف يقضي الشباب حياتهم بعد انتهاء مدتهم أو إخلاء سبيلهم في ظل التدابير أو المراقبة».

لمحة قانونية: ماذا يعني تدابير احترازية أو مراقبة؟

تعرف الموسوعة العربية القانونية، قرار التدابير الاحترازية بـ»هي مجموعة من الإجراءات، نص عليها القانون إلى جانب العقوبات الأصلية، ينزلها القاضي بمن ارتكب جريمة، وثبت أنه خطر على السلام العام، ويخشى أن يقدم على أفعال أخرى، يعاقب عليها القانون، والقصد من هذه التدابير هو القضاء على ظاهرة العودة إلى الجريمة، وحماية المجتمع من الخطر الذي يتهدده ودرؤها عنه، وتخليص المجرم منها.
أما المراقبة، في قانون رقم 98 لسنة 1945، هي أن يقضي المتهم مدة مماثلة لفترة الحكم عليه تحت المراقبة الشرطية، إذا كان الحكم بالسجن 10 سنوات تكون المراقبة 10 سنوات أيضا، إذا كانت 5 سنوات تكون المراقبة 5 سنوات، حيث يظل المراقب في قسم الشرطة التابع له منذ غروب الشمس وحتى شروقها، أي من السادسة مساء وحتى السادسة فجرا.

«مش عارف اشتغل»

3 سنوات قضاها أحمد ماهر، مؤسس حركة شباب 6 ابريل، في السجن على خلفية اتهامه في قضية تظاهر عرفت إعلاميا باسم «أحداث مجلس الشورى».
يقول أحمد ماهر، أحد المعارضين البارزين ضد نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك: «مش عارف أعيش حياتي، 12 ساعة بالتمام والكمال يوميا في قسم الشرطة فقط، مقابل 12 ساعة أخرى للأكل والشرب والعمل والانتقالات والجلوس مع الأسرة وعيش الحياة بكل تفاصيلها».
حكم على ماهر مع زملائه أحمد دومة ومحمد عادل وعلاء عبد الفتاح بالسجن 3 سنوات و5 سنوات للأخير، بعد اتهامهم في 2014 بخرق قانون التظاهر والدعوة لوقفة احتجاجية أمام مجلس الشورى، وحكم عليهم أيضا بالمراقبة لمدة 3 سنوات مماثلة.
«مش عارف اشتغل، ومفيش حد عايز يشغلني، حياتي متوقفة تماما، ولو في أي وقت تأخرت على المراقبة، من الممكن أن يتم تحرير محضر هروب من المراقبة وقد تصل إلى عودتي إلى السجن مرة أخرى، أحلى أيام أطفالي كانوا لوحدهم عشان أنا في السجن، دلوقت مش عارف أعمل أيه»، يقول ماهر.
ويحكي ماهر حوارا دار بينه وبينه صديقه الناشط السياسي أحمد دومة، والمحكوم عليه بذات العقوبة وأيضا بالمراقبة بعد الخروج من مدته: “تحدثت مع أحمد عن الحكم والعقوبة والاتهامات، وفوجئت لما قال لي أنه مش فارق معاه المدة نفسها بقدر ما قلقان من فترة المراقبة، والآن اكتشفت صحة كلامه».

عقوبة بعد العقوبة

يقول طارق حسين، المحامي الحقوقي في المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية ومحامي بعض النشطاء الشباب في القضايا السياسية، إن المحامين يلجأون إلى مطالبة النيابة العامة أو قاضي التحقيقات بالإفراج عن الشباب بتدابير احترازية، لأنه وإن كان «تكديرا لهم بعد إخلاء السبيل» ولكنه في كل الحالات أفضل بكثير من البقاء رهن الاحتجاز في ممارسة قانونية وهي التظاهر علىى سبيل المثال.
يضيف: «أما عن المراقبة، فهي تعتبر عقوبة بعد العقوبة نفسها وقضاء مدة السجن، وكانت المفاجأة بالنسبة لنا في فرض عقوبة المراقبة في قسم الشرطة على سجناء في قضايا سياسية، حيث كان أول حكم بالمراقبة كان على النشطاء في قضية التظاهر بمنطقة عابدين – وسط القاهرة – في نهاية 2013”.
ويتابع: «الشاب لا يستطيع أن يمارس حياته بشكل طبيعي بعد قضاء العقوبة والخروج، هو بالطبع حق قانوني للقاضي أو جهات إنفاذ القانون، ولكنه قد يؤدي إلى شلل تام في حياة الشباب ومستقبلهم، بكل بساطة أنت مطالب بأن تقضي نصف حياتك داخل قسم الشرطة».
وعن أصل قرارات التدابير أو الحكم بالمراقبة، قال: «بدأ في الظهور خلال أخر 3 سنوات تقريبا، كانت المراقبة مفروضة من قبل ولكن على المتهمين في قضايا سرقة أو نصب، لضمان ألا يعود المتهم إلى جريمته مرة أخرى، ولكن أن تفرض على سياسيين هذا هو الجديد».

اختفاء واتهامات بالهروب ثم ظهور

مساء 8 شباط/فبراير الماضي، تجمع 5 من النشطاء السياسيين البارزين، زيزو عبده وعمر حاذق ونور خليل ومحمود محمد وأحمد شاهين، تجمعوا على أحد مقاهي وسط البلد للمشاركة في فعالية فنية ليس لها أي علاقة بالسياسة، بعد ساعات قليلة، اقتحمت قوة أمنية مكان تجمعهم واعتقلتهم جميعا وأخفتهم، حتى ساعة متأخرة من مساء هذا اليوم وظهورهم واحد تلو الآخر.
إلا أن اختفاء زيزو عبده لم يمر مرور الكرام، خاصة وأنه تسبب في تغيبه عن «التدابير الاحترازية» التي كانت مقررة عليه في هذا المساء، ليفاجأ بتحرير قسم الشرطة محضرا يتهمه بالهروب من التدابير، ويتم احتجازه لحين عرضه على النيابة. زيزو لم يكن لديه ما يثبت أنه كان بحوزة قوات الأمن، لم يتم تحرير محاضر أو ما يثبت هذه الرواية، سوى شهادته ومن كانوا معه.
قبلت النيابة تظلم زيزو وقررت عدم حبسه واستمراره في التدابير الاحترازية، خاصة وأن لديه سجلا كبيرا من الالتزام في الحضور والانصراف منذ إلزامه بها.
ولكن الأزمة في قضية زيزو عبده، هو الخطورة التي تصبح قرارات التدابير الاحترازية أو المراقبة، إذ أن أي خطأ ولو لم يكن مقصودا، من الممكن أن ينتهي بصاحبه إلى السجن من جديد، في اتهامات أصلا غير دستورية، خاصة تلك المتعلقة بالتظاهر أو حرية الرأي والتعبير.
فيما تواصلت «القدس العربي» مع زيزو عبده لمعرفة كيف يقضي ويعيش حياته في ظل التدابير، إلا أنه رفض الحديث عن أي شيء يتعلق بوضعه وحبسه، «لا أريد التحدث»، هكذا قال.

شهر من العذاب

حالة جديدة من التدابير الاحترازية تعرضت لها المصورة الصحافية إسراء الطويل، أبعد من مجرد البقاء في القسم عدد ساعات يوميا أو حتى التوجه إلى القسم مرات بعينها، التدبير الآن «إقامة جبرية».
في 12 كانون الأول/ديسمبر 2015، قررت محكمة جنايات القاهرة، إخلاء المصورة الشابة بتدبير احترازي وهو «عدم مغادرة المنزل إلا بموافقة الشرطة»، مع التوجه مرة أسبوعيا إلى أقرب قسم والإمضاء فيه، حتى جلسة 20 كانون الثاني/يناير حيث تم إلغاء الإقامة في المنزل والاكتفاء بالتوجه إلى القسم أسبوعيا فقط.
تقول إسراء: “كنت ممنوعة من مغادرة المنزل إلا بموافقة الشرطة، كان لدي رقم هاتم ضابط الشرطة المسؤول، وكنت أتواصل معه قبل كل مرة أود الخروج فيها، كانت جميع تحركاتي إلى العلاج الطبيعي حيث أنني مصابة بقوة في فقرات الظهر».
وتتابع: «كان شهر من العذاب، الحياة كانت متوقفة تماما، وسبب ذلك مشاكل خاصة وأن علاجي الطبيعي يحتاج 3 زيارات أسبوعية، وكان من الخطورة الخروج من المنزل دون الموافقة.. كل ذلك استمر حتى تم إلغاء القرار والاكتفاء بزيارة القسم، إلى منتصف نيسان/ابريل من 2016 ألغيت التدابير الاحترازية تـماما بـعد التـقدم بـأوراق ومسـتندات وتقارير طبـية تفيد بضـرورة التفرغ للعـلاج».

عقوبة بعد العقوبة: كيف يعيش الشباب المفرج عنهم مع مراقبة في مصر؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية