تشتهر مدينة نابلس في فلسطين منذ القرن العاشر الميلادي بصناعة الصابون الذي يتميز عن غيره من الأنواع الشهيرة الأخرى مثل الصابون الحلبي والطرابلسي بلونه الأبيض ويكاد لا يملك أي رائحة، وقد تدهورت صناعته خلال القرن العشرين، ففي حين كان هناك 30 مصنعا للصابون النابلسي في المدينة عام 1907، لم يتبقَ اليوم سوى مصنعين فقط.
في هذا المقال يستعيد الكاتب باهر شكيب يعيش ذكرياته مع هذه الصناعة:
تعتبر مدينة نابلس الفلسطينية مهد صناعة الصابون بأفخر أنواعه، وكانت مصانع الصابون أو «الصّبّانة» كما يسميها النابلسيون، تعج صالاتها ومفارشها وبيت النار فيها بالعاملين، يغرفون بدلائهم الزيت من فتحات أقبية آبار تقبع أسفل كامل أرضيّة المبنى. زيت الزّيتون، زيت البركة، عزيز عليهم كمن يخرج من أصلابهم، صُلب شجرة زرعت التاريخ «شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارُ نُّور عَلَى نُور». ويبجل النابلسيون زيتهم وشعارهم «خلّي الزّيت في جراره …حتّى تيجي أسعاره». ومعاصر زيتهم ساحات عزّ وافتخار بالنسبة لهم، وأقبيته يشيّدونها في رحم الأرض لتحميه وتحفظه يانعًا طيب المذاق، قلاع أرضيّة بجدران سميكة وأعمدة حجرية تقيه البرد والحر. في «الصّباّنات» يسكبون مقادير منه مع الخميرة والملح والماء بنسب يحدّدها معلّم الطّبخ «أبو العزّ» في «حلة» حجرية عملاقة بحجم غرفةٍ، ذات قعر عملاق من نحاس تربض كجبل جليد يختفي جلّها في بطن الطابق الأرضي فوق غرفة النار (القمّيم). في هذه الأثناء يقرفص»أبوغالب رجل النار» يقذف بقطع من خشب وكلّ ما هو قابل للإشتعال داخلها عبر فتحة واطئة لإستدامة النار أسفل القاع النحاسي للحلّة. ثم يقوم بحّارة الصابون بتحرّيك المزيج بمجاذيف (ملاعق) خشبيّة عملاقة في ما يشبه «مركب أندلسي لصابون نابلسيّ». يستمر التهاب النيران والتجذيف لأيّام حتى تبدأ المحتويات بالغليان. فقاقيع كحمم في قعر فوّهة تشبه بركانا تعالج بالنار لبعث الحياة في أجنّةٍ من صابون. جنينٌ عجينيٌ تبدأ تباشيره بالظهور على سطح الحلّة بلون عاجي طحيني كدرجة اللّون في زيته.
ينقل عجين الصابون بعد اكتمال عدّة الحياة فيه ساخنا في أوعية يحملها عمّال «مصابن» أشداء مخضرمون على أكتافهم وهم يهجزون بأحلى الأغاني النابلسيّة عن الزيت والزيتون والجبل. يشكّلون ساقية بشريّة إلى الطابق العلوي أو «المفرش» كما يسمى. ثم يُسكب المعجون على أرض المفرش. يسوّى سطحه تماما مثل تسوية الاسمنت. تترك عقدة العجينة الصابونية لتكسب قواما لدنا، ليقوم بعدها «معلّم التّقطيع» بعد سويعات بتقسيم دقيق للسّطح بمربعات لا نهائيّة وببراعة كأنه في ملعب عملاق لرقعة شطرنج هو لاعبه الوحيد، وباستعمال أدوات بسيطة وليس آلات مساحة ولا كمبيوترات، ليجري ختمها بمطرقة خشبيّة تحمل في رأسها ختما دمشقيا من نحاس يحمل اسم ماركة «الجواهر» وصاحبها «شكيب ومفتاح الرّزق» (نابلس، صابون نابلسي). وبعدها تقطّع بالصفوف برأس نصل حاد مربوط بحبل يدور حول وسط معلّم التقطيع. رجلٌ قويّ الزّند، هزيل البنية شديد العصب والعزيمة، يغرز سكينه في بدن الصابون القوي الّلدن، يسحبها ليشقّ بها كافّة خطوط المربّعات بقوّة وعزم من صلب عظام كالصّوّان. ثم يتم بعدها رصّ القطع أو «الفلقات» لتكون متجانسة مكعبة الشّكل في صوامع (تنانير) مخروطيّة الشّكل مع الاحتفاظ بنوافذ صغيرة يتسلل ضوء النّهار منها، ويلفحها هواء جبلي «جرزيم» و»عيبال»، فيصلبّ عودها كما الصّخر فيها، وتنتشي وترتاح «الفلق» الفتيّة جذلى بعد رحلة الحمل والولادة في مسكنها البراح الجديد، ليعلن ولادة جيل جديد من «فلق» صابونة نابلسيّة، شديدة المراس عظيمة المفعول.
لكن صناعة الصابون في نابلس تعاني، مثلما هو الحال مع صبّانة حارة التوتة، في حي القريون من نابلس العتيقة، المكان الذي كانت تبدع فيه أيدي معلّمين مهرة من عائلات تخصّصت أجيالها بطبخه، وتقطيعه وختمه، وأخرى برصّه في تنانير وتوضيبه عريانا أو مغلّفا بورق يحمل شعار المصنع، ليشدّ الرّحال إلى الدّنى صابونا نابلسيا. هذه الصبّانة أُغلقت أبوابها قسرًا في بداية الانتقاضة الأولى لوقوعها في قلب نابلس العتيقة بيت النار من جبل النّار، ثمّ تبعتها الانتفاضة الثانية فالاجتياحات المتكرّرة والدّمار الكبير الذي لحق بالمدينة بوجه عام وبالبلدة العتيقة بوجه خاص. ونظرا للوضع الخاص للموقع وصعوبة المناولة والقلق الذي لا تتعايش معه صناعة أو اقتصاد، فقد استمر الاغلاق حتى الآن.