عمان ـ «القدس العربي»: تحت عنوان «مُنع من النشر» كشف التقرير السنوي لحالة الحريات الإعلامية في الأردن لعام 2016 عن تسجيل ورصد غير مسبوق لقرارات «حظر النشر» بعد أن شهد عام 2015 عودة واسعة لعقوبتي التوقيف والحبس.
وأعلن مركز «حماية وحرية الصحافيين» في تقريره السنوي الذي درج على إطلاقه منذ 16 عاماً بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة ويصادف الثالث من أيار/مايو من كل عام أن مؤشرات الحريات الإعلامية لم تشهد تقدماً لافتاً، وفي الوقت ذاته لم تشهد انتكاسات، وسادت حالة الإحباط والتشاؤم عند الصحافيين.
وبين التقرير أن التشريعات تحولت لأداة تقييد لحرية التعبير والإعلام ولا تتوائم مع الدستور والمعايير الدولية لحرية الإعلام وحقوق الإنسان.
وكشف التقرير عن وقوع 135 انتهاكاً تعرض لها 67 إعلامياً وإعلامية عام 2016.
ونبه مركز «حماية وحرية الصحافيين» في تقريره إلى أن الانتهاكات الجسيمة وصلت إلى 17 انتهاكاً بلغت نسبتها 12.6 في المئة.
وأوضح تقرير حالة الحريات الإعلامية الذي حمل عنوان «مُنع من النشر» أن الانتهاكات والتجاوزات التي وقعت بحق الصحافيين توزعت على 24 شكلاً ونوعاً وكان أبرزها المنع من التغطية والنشر والمعاملة المهينة والتهديد بالإيذاء بالإضافة إلى الاعتقال وحجز الحرية التعسفي.
التقرير السنوي الذي يتضمن استطلاعاً لرأي الصحافيين وتوثيقاً للانتهاكات التي تقع عليهم كشف النقاب عن أن84.6 في المئة من الإعلاميين يصفون الحريات الصحافية بأنها متدنية ومقبولة ومتوسطة ولا يجدها جيدة سوى 13 في المئة وممتازة فقط 1.5 في المئة.
وأعلن 39.4 في المئة من الإعلاميين عن اعتقادهم بأن حالة الحريات الإعلامية شهدت تراجعاً، في حين يراها 44.4 في المئة أنها بقيت على حالها ولم تتغير، ولم ينظر لها بعين الرضى والتقدم سوى 16.6 في المئة.
وبين التقرير أن وحدة المساعدة القانونية للإعلاميين «ميلاد» التابعة لمركز حماية وحرية الصحافيين انتزعت 20 قراراً لمصلحة الصحافيين من محكمة الاستئناف، وترافعت في 95 قضية منها 62 في محاكم الدرجة الأولى «البداية» و33 قضية لدى محكمة الاستئناف خلال العام 2016.
وأظهرت الإحصائيات الصادرة عن «ميلاد» ونشرت في التقرير أنها حضرت 1177 جلسة للدفاع والترافع عن الصحافيين خلال العام الماضي.
ومن أبرز ما نشره التقرير من مؤشرات استطلاع رأي الصحافيين تزايد قناعاتهم بأن وسائل الإعلام ساهمت في إذكاء خطاب العنف وإقصاء الآخر لتصل بين الإعلاميين إلى 89 في المئة، فيما تصدر فيسبوك المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام في إشاعة خطاب الكراهية وبنسبة 37.2 في المئة تليه المواقع الإلكترونية بنسبة 18.8 في المئة.
ومن اللافت في نتائج الاستطلاع أن 93.6 في المئة يؤيدون تغليظ العقوبات على من يقوم بترويج خطاب الكراهية في الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي.
وسجلت الرقابة الذاتية التي يفرضها الإعلاميون على أنفسهم مؤشرات عالية حيث بلغت 93.6 في المئة لعام 2016 وهي أكثر من عام 2015 بقليل، وبدا لافتاً تزايد نسبة الإعلاميين الذين يتجنبون انتقاد الحكومة لتصل 54 في المئة وبزيادة قدرها 14 في المئة عن عام 2015. وتزايد أيضاً من يتجنبون البحث في القضايا الدينية ليصلوا إلى 83 في المئة وبارتفاع 6 في المئة عن عام 2015.
واعتبر 79.3 في المئة أن تعاميم حظر النشر التي تصدرها هيئة الإعلام أو جهات أخرى، رقابة مسبقة وتضييقاً على حرية الإعلام.
ووفقا لنتائج الاستطلاع فإن أكثر من ثلثي المستجيبين 78.9 في المئة يرون أن استخدام السياسات الإعلامية في الأردن يستهدف السيطرة على الإعلام، فيما انخفضت نسبة من يرون انها تستهدف تطوير الإعلام الى (16.5في المئة) سنة 2016 مقابل (24.3 في المئة) سنة 2014.
وحول تدخل الحكومة في وسائل الإعلام كشفت نتائج الاستطلاع أن 80.5 في المئة من الإعلاميين يعتقدون بتدخل الحكومة مقابل 16.2 في المئة نفوا أن تكون الحكومة قد تدخلت في وسائل الإعلام عام 2016.
وتحسنت قليلاً نظرة الإعلاميين لمحطة الإعلام المستقلة، حيث يعتقد 24.1 في المئة بأنها سترفع سقف الحريات.
حرية الإعلام لا تشكل خطراً
الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحافيين نضال منصور أعرب في توطئة التقرير عن أمله بالتغيير والتقدم خطوات والاشتباك الإيجابي مع الأصوات الراشدة التي تؤمن أن حرية الإعلام لا تشكل خطراً داهماً وإنما قاعدة صلبة للإصلاح وتجذير الديمقراطية وسيادة القانون وتحقيق التنمية المستدامة.
وقال إنه «مقتنع رغم النكسات أحياناً والحصار والتضييق والتجاهل أحياناً أخرى بأن الأردن ما زال يملك فرصة تاريخية ليخط طريقاً مختلفاً عن الإقليم الذي يعاني الحرائق والتسلط والاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان».
وأضاف منصور «لو استبعدنا تعاميم حظر النشر من المشهد الإعلامي لعام 2016 والتي كانت علامة فارقة، فإنه يمكن القول بيسر أن حالة حرية الإعلام في الأردن لم تشهد انتكاسة أو انتهاكات جسيمة لافتة، وفي الوقت ذاته ليس مجافياً للحقيقة أن نعترف أيضاً بأن حرية الإعلام لم تحقق تقدماً وتطوراً يستحق الإشادة والإقرار به».
وتساءل منصور «لماذا ظلت الحكومات لا ترى في بعض الأحيان أبعد من أنفها، فحين تضع تشريعاً تحيله لأداة لتقييد الحق، ولماذا أيضاً يعتقدون أنهم حين يحظرون النشر تنتهي المشكلة ولن تصل المعلومات والحقائق للناس في زمن (السوشيال ميديا)؟».
وسجل التقرير الذي جاء في 203 صفحات من القطع المتوسط تعرض 67 صحافياً وصحافية لانتهاكات واعتداءات، وقد وقعت هذه الانتهاكات في 34 حالة اعتداء منها 18 حالة فردية، و16 حالة جماعية استهدفت عموم الصحافيين.
وبين أن الانتهاكات التي تحقق برنامج «عين» من وقوعها في عام 2016 شملت طيفاً واسعاً من الحقوق، وأظهرت البيانات أن الانتهاكات الماسة في الحق بحرية الرأي والتعبير والإعلام قد جاءت في المرتبة الأولى، بمعدل 89 انتهاكاً، وبنسبة بلغت 66 في المئة من مجموع الانتهاكات الموثقة، فيما حلت في المرتبة الثانية الانتهاكات الماسة في الحق بعدم الخضوع للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة والحق في السلامة الشخصية بمعدل 20 انتهاكاً وبنسبة بلغت 15 في المئة.
وأظهرت الحالات التي عرضها التقرير الذي يعد أحد أبرز التقارير الوطنية والإقليمية بأن سياسة الإفلات من العقاب إزاء ما يرتكب بحق الإعلاميين من انتهاكات ما زالت شائعة في الأردن.
ولفت التقرير إلى أن السلطات الرسمية لم تتخذ أي خطوات حقيقية أو جدية لوقف العمل بهذه السياسة التي تنتهجها منذ سنوات طويلة ولاتخاذ التدابير اللازمة لإنصاف الضحايا ومساءلة الجناة عن الانتهاكات الماسة بحقوق الصحافيين.
وأشار التقرير إلى أن فريق «عين» لرصد وتوثيق الانتهاكات الواقعة على حرية الإعلام في الأردن التابع لمركز حماية وحرية الصحافيين رصد ووثق 28 انتهاكاً بمنع التغطية أثناء قيام الإعلاميين بتغطية يوم الاقتراع في الانتخابات النيابية لمجلس النواب الثامن عشر في الأردن والتي جرت في 20 أيلول/سبتمبر 2016 وقد أصدر المركز تقريراً خاصاً بالانتهاكات التي وقعت على حرية الإعلام في ذلك اليوم.
ورصد التقرير 10 قرارات حظر النشر أبرزها حظر النشر في قضية خلية إربد، وحظر النشر في قضية الأيتام بوزارة التنمية الاجتماعية، وقضية الهجوم على مكتب المخابرات العامة، وقضية الاعتداء على عامل مصري، وقضية التسريبات الصوتية لرئيس نادي الوحدات بقرار من اللجنة التأديبية للاتحاد الأردني، وفي محاكمة ناهض حتر بقرار من المدعي العام، وفي قضية الداعية الإسلامي أمجد قورشة، وحظر نشر أي أخبار عن العائلة الملكية والالتزام بما يقدمه الديوان الملكي، وفي قضية اغتيال ناهض حتر بقرار النائب العام لمحكمة أمن الدولة، إضافة إلى حظر النشر في الأمور التي تتعلق بالقوات المسلحة الأردنية.
موقف الصحافيين
من الحريات الإعلامية
وأظهرت أبرز نتائج الاستطلاع السنوي لرأي الصحافيين حول حالة الحريات الإعلامية في الأردن عن مراوحة حالة الحريات الإعلامية لمكانها عام 2016.
وبينت الإجابات أن الإعلاميين في الأردن مقتنعون بأن الجهات الأمنية هي الأكثر تأثيراً بالمشهد الإعلامي وبنسبة 24 في المئة تليها الحكومة وبنسبة (18 في المئة)، ويتبعها الديوان الملكي وبنسبة (10.2 في المئة)، والأقل تأثيراً هم الإعلاميون أنفسهم وبنسبة أقل من (1في المئة).
وكشفت إجابات الصحافيين في استطلاع عام 2016 والذي شمل 266 إعلامياً عن حجم التناقضات في رؤية الصحافيين وحاجتهم الملحة إلى رفع وعيهم القانوني والحقوقي.
وتضمن الاستطلاع لعام 2016 تطويرا على استمارته من خلال تحديث العديد من الأسئلة والتوسع في محور خطاب الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي.
واعتمدت دراسة الاستطلاع على ذات المضامين المتعلقة بمحور وصف حالة الحريات الإعلامية في الأردن، فضلا عن اختصار بعض الأسئلة المتعلقة بالتشريعات الإعلامية وأثرها على حرية الإعلام.
وركز الاستطلاع على تعاميم منع النشر التي صدرت بكثرة هذا العام ومدى تأثيرها على حرية الإعلام ومدى توافقها مع الدستور والقوانين المحلية والمعايير الدولية.
وتوسع الاستطلاع بطرح العديد من الأسئلة حول أثر حبس مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على حرية الرأي والتعبير ومدى توافق ذلك مع الدستور والقوانين والمعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير، كما اهتم بمحور التنظيم الذاتي للسنة الثانية على التوالي.
وتضمن استطلاع رأي الصحافيين الذي نفذه المركز خلال كانون الأول/ديسمبر من العام 2015 على ثمانية أقسام رئيسية ركزت على حالة الحريات والتشريعات الإعلامية، السياسات الإعلامية، الانتهاكات، أساليب احتواء الإعلاميين، المهنية والتنظيم الذاتي، الرقابة الذاتية، وسائل التواصل الاجتماعي وخطاب الكراهية في الإعلام.
وتكون مجتمع الدراسة من حوالي 1153 صحافياً وإعلامياً، استنادا لسجلات الأعضاء في نقابة الصحافيين، وإلى كشوف مركز حماية وحرية الصحافيين والتي عمل على تحديثها حتى تاريخ تنفيذ الاستطلاع في الفترة من 8 ولغاية 24/12/2016.
واعتمد في تصميم عينة الدراسة أسلوب العينة العشوائية المنتظمة وبمستوى ثقة (95 في المئة) وخطأ معياري مقداره (5.27 في المئة)، حيث تم تقسيم الصحافيين والإعلاميين إلى فئتين وبالأسلوب المتناسب مع الحجم في كل فئة، وشملت الفئة الأولى الصحافيين والإعلاميين العاملين في القطاع الحكومي وبلغت نسبتهم في الإطار (23.1 في المئة) فيما شملت الفئة الثانية الصحافيين والإعلاميين العاملين في القطاع الخاص وبلغت نسبتهم حوالي (76.9في المئة).
حالة الحريات
والتشريعات الإعلامية 2016
عبر (58.3 في المئة) من الصحافيين عن أن التشريعات الناظمة للإعلام الأردني تؤثر سلبا في سياسات الإعلام مقابل (12.8 في المئة) قالوا انها لا تؤثر على الإطلاق، فيما قال (26.8 في المئة) أن التشريعات الناظمة للإعلام الأردني تساهم إيجابا في سياسات الإعلام.
وحسب نتائج الاستطلاع فإن (55.3 في المئة) يعتقدون أن التشريعات الإعلامية تعتبر قيدا على حرية الإعلام، مقابل (11.3 في المئة) يرون أنها ساهمت في تقدم حرية الإعلام، فيما يعتقد (32.3 في المئة) لا يرون لها أي تأثير على حرية الإعلام، كما أن (58.3 في المئة) من الإعلاميين يعتقدون أن التشريعات الناظمة للإعلام الأردني تؤثر سلبا في سياسات الإعلام الأردني مقابل (12.8 في المئة) لا يرون لها أي تأثير على الإطلاق.
وأوضحت النتائج أن (78.5 في المئة) من الإعلاميين يعتقدون بتوافق التشريعات الإعلامية الناظمة للإعلام في الأردن مع المعايير الدولية سنة 2016 بدرجات كبيرة ومتوسطة وقليلة مقابل (18.4 في المئة) يرفضون توافقها.
وبالرغم من أن أكثر من ثلثي الإعلاميين يعتقدون بتوافق التشريعات الإعلامية الأردنية مع المعايير الدولية إلا أن (84.5 في المئة) من المستجيبين يرون أن هذه التشريعات تساهم في الانتهاكات التي تقع على العاملين في الإعلام بدرجات كبيرة ومتوسطة وقليلة مقابل (13.2 في المئة) فقط يرفضون ذلك.
توصيات التقرير
وأوصى التقرير الحكومة الأردنية التقدم إلى مجلس النواب بتعديل قانون المطبوعات والنشر بما يحقق إلغاء شرط الترخيص لتأسيس المواقع الإلكترونية، واعتبار الجرائم التي تقع بواسطة المطبوعة الصحافية قضايا مدنية وليست جزائية، إضافة إلى الالتزام بمبدأ شخصية العقوبة في إسناد الاتهامات للصحافيين، وإنهاء المسؤولية المفترضة لرئيس التحرير، وإلغاء سلطة مدير هيئة الإعلام في حجب المواقع الإلكترونية، وإضافة نص قانوني يضمن ألا يحال ولا يحاكم الصحافي إلا بموجب قانون المطبوعات والنشر.
وطالب التقرير الحكومة بالتقدم إلى مجلس النواب بتعديل قانون ضمان حق الحصول على المعلومات ليسهم في صيانة حق المجتمع والإعلاميين في المعرفة.
وأوصى الحكومة بالتقدم إلى مجلس النواب لإعادة النظر بقانون الإعلام المرئي والمسموع وبتعديل قانون نقابة الصحافيين بما يتيح التوافق مع معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وطالب الحكومة بالتقدم إلى مجلس النواب بتعديل قانون العقوبات على نحو يتوائم مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ومنها عدم الاختصاص في النظر بقضايا المطبوعات والنشر و/ أو قضايا الإعلام المرئي والمسموع، وإلغاء المادة التي تجيز إحالة الصحافيين لمحكمة أمن الدولة. وقف تصنيف واعتبار أن جرائم حرية التعبير والإعلام جرائم تقع على أمن الدولة الداخلي والخارجي.
وأوصى التقرير مجلس النواب بتعديل النظام الداخلي للمجلس الذي يتيح عقد جلسات مغلقة ومنع الصحافيين من تغطيتها، وإنهاء العمل بنظام الاعتماد المُقيد للصحافيين الراغبين في تغطية أعمال المجلس، إضافة إلى إنهاء أي تمييز في معاملة الصحافيين والإعلاميين، وعدم اشتراط عضويتهم في أي نقابة أو جمعية نقابية، لتسهيل عملهم في المجلس.
وطالب التقرير منظمات المجتمع المدني والمؤسسات العاملة في الدفاع عن حرية التعبير وحرية الإعلام بإيجاد آليات عمل بين المنظمات المعنية لتعزيز الرقابة على تنفيذ الحكومة لالتزاماتها الدولية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان وحرية التعبير، والعمل على حث الحكومة لتعديل القوانين والتشريعات التي تمس بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
طارق الفايد