الانتخابات الفرنسية: عندما يكون المركز بديلا عن اليمين واليسار وجدارا ضد الشعبوية

حجم الخط
1

في آب (أغسطس) 2014 كان إيإيمانويل ماكرون يقود دراجته على طول الساحل الشمالي لفرنسا قرب لو توكي حيث تملك زوجته بريجيت ترونو بيتا عندما تلقى مكالمة من قصر الإيليزيه. كان هذا عندما اختلف مع الرئيس الاشتراكي فرانسوا اولاند لأن هذا الأخير رفض منح مستشاره الاقتصادي البالغ من العمر 36 عاما منصبا وزاريا في التعديل الوزاري الذي قام به. وكان ماكرون استقال وقرر وضع السياسة وراء ظهره ونوى إنشاء شركة في قطاع التعليم، إلا ان رئيسه السابق عرض عليه في ذلك الصيف وظيفة وزير الاقتصاد ولهذا عاد ماكرون إلى السياسة.

قصة

ويتميز ماكرون بأنه يحمل معه لو فاز قصة شغلت كل من تابع مسيرته السياسية في بلاده والعالم، حبه وزواجه من مدرسته بريجيت حيث يفصل بينهما عشرون عاما. وحزبه السياسي «إلى الأمام» والذي أنشأه العام الماضي ويؤكد أنه لا يمثل اليسار أو اليمين. ولكنه قسم اليسار وتجاوز المحافظين ومرشحهم فرانسوا فيلون الذي لا يزال يواجه اتهامات بالتجاوزات المالية. وفي بلد يعاني من تراجع النخبة السياسية وكدمات الهجمات التي نفذها متشددون من تنظيم «الدولة» قرر ماكرون تبني حملة متفائلة وعد فيها إصلاحات اقتصادية واسعة. ولو صدقت استطلاعات الرأي فإنه مرشح للفوز في الجولة الثانية بنسبة 60٪ بشكل يوقف المد الشعبوي الذي جلب الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وأخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

جيل

وترى صحيفة «فايننشال تايمز» (28/4/2017) أن ماكرون ينتمي لجيل شاهد صعود وتطبيع اليمين المتطرف في الحياة السياسية. فعندما نجح جين ماري لوبان زعيم الجبهة القومية للجولة الثانية ضد جاك شيراك في 21 نيسان (إبريل) 2002 كان موظفا متدربا في السفارة الفرنسية في نيجيريا. وبعدها بست سنوات عمل في بنك روتشيلد الاستثماري. وكان استثماريا ناجحا حيث حصل على 2.9 مليون يورو للدور الذي لعبه في نصيحة شركة «نسلة» لامتلاك جزء من شركة «بيفزاير» بقيمة 12 مليار دولار عام 2012. وفي أوقات فراغه ساعد المرشح الاشتراكي فرانسوا اولاند للترشح قبل خروج المرشح المفضل، رئيس صندوق الدولي السابق دومينك شتراوس-كان بسبب فضائح.
وفي عام 2015 أصبح شخصية شعبية وعدوا لمعسكره لانتقاداته لقانون العمل 35 ساعة اسبوعيا وضريبة الثروة والمميزات التي يحصل عليها المستشارون الاقتصاديون.

حظوظ

ولم يكن ماكرون ليقف على أعتاب الإيليزيه لولا تطورات حدثت لم يكن يتوقعها وضربت معسكري اليمين واليسار، فخسارة ألان جوبيه لفيلون الذي كان يسير على خطوات مارغريت تاتشر في بريطانيا كمرشح للجمهوريين وفضيحة بينلوب التي لاحقته فيما بعد ومن ثم قرار الرئيس الحالي عدم الترشح لولاية ثانية كلها منحته فرصة. وبحدسه السياسي استفاد من كل هذه الفرص. وساعده في انتهاز الفرصة زوجة كانت مدرسة دراما وظلت إلى جانبه حيث دربته على طريقة الخطابة وساعدته على تقديم «حزب الأمل». وأمام ماكرون الآن مهمة صعبة ويحتاج لكل أصوات الفرنسيين. خاصة أن حملة الانتخابات الفرنسية لم تعد بين اليمين واليسار كما في السابق ولكن على هوية البلد: منعزلة أم مفتوحة على العالم؟ خارج الاتحاد الأوروبي أم داخله؟ وكان لافتا في الشعار الانتخابي الذي أعلنت عنه لوبان يوم الأربعاء «انتخبوا فرنسا» الذي كتب على صورها. والرسالة واضحة وهي أن لوبان مستقبل فرنسا. ولا يخفى التلاعب هنا بالرموز وتجادلها بين رمز الحرية «ماريان» التي أقيم لها تمثال في كل بلد ومدينة فرنسية والتي تمثل كل ما تعنيه الجمهورية الفرنسية واسم زعيمة الجبهة الوطنية، فمارين لوبان هي بالضرورة ماريان فرنسا. ولهذا فأمام ماكرون أيام قليلة لإقناع الناخبين خاصة ممن يعيشون في القرى والبلدات المعزولة والداعمين لرؤية لوبان الإنعزالية أنه يمثلهم ويمثل طموحاتهم أيضا.
وكانت الجبهة الوطنية ناجحة في الفوز داخل المناطق المحرومة في الشمال والشرق والجنوب أيضا فيما فاز ماكرون في الغرب والمناطق الحضرية والمدن الكبيرة. وجاءته أكبر الأصوات في الجولة الأولى من العاصمة باريس، والتي تعتبر جزيرة معزولة نابضة بالحياة وبعيدة عن التشاؤم الذي تعيشه بقية مناطق البلاد حيث انتعش هناك فكر اليمين المتطرف وأهمية العزلة عن النخبة السياسية الحاكمة والعالم. وكما لاحظت أنجليك كريسافيس من صحيفة «الغارديان» (24/4/2017) فخريطة فرنسا بعد الجولة الأولى كشفت ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي رفائيل غلوكسمان «الانقسام الاجتماعي الحقيقي».
ويقول ماكرون إنه يستطيع جلب الأمل لأكثر البلاد تشاؤما في العالم وبعد مقتل 230 شخصا في هجمات إرهابية وسنوات من التدهور الاقتصادي التي جعلت 3 ملايين بدون عمل. وعليه كما تقول كريسافيس الخروج من منطقته المريحة وإظهار أنه يفهم الانقسام الذي تعيشه بلاده وعمل «مصالحة» في فرنسا بين الذين يملكون ولا يملكون.

أصوات غاضبة

وفي الوقت الذي قد لا يتفق الكثير من الفرنسيين مع سياسات لوبان المجنونة والتي تدعو لحماية الاقتصاد المحلي والصناعات واغلاق فرنسا على العالم الخارجي إلا أن الكثير من أبناء المناطق المحرومة والعمال صوتوا لصالحها، تماما كما فعلت المناطق التقليدية لحزب العمال في بريطانيا بدعم الخروج وتخلي السود وأبناء الأقليات وأعضاء الحزب الديمقراطي عن كلينتون وجلسوا في بيوتهم مقارنة مع حماس الذين خرجوا لصالح ترامب. ومن هنا تعتقد صحيفة «فايننشال تايمز» (27/4/2017) أن اقناع الصوت الغاضب مهم. فالحل القائم على الاقتصاد الليبرالي والحماية الاجتماعية يقدم الأمل للمناطق الفرنسية في المرحلة ما بعد الصناعية. ومن الضروري اقناع الناخب الغاضب الذي يشعر بالخيبة أن الحكومة يمكنها تحسين حياته وإلا تحولت نسبة 49٪ منهم وتشعر بيأس للطرف المتطرف وتتحول بالتالي إلى غالبية.

ليس محتوما

وعلى العموم فقد علمنا الدرس الفرنسي على الأقل الآن وفي نهايته المتفائلة أن صعود اليمين ليس قدرا محتوما. وفي هذا السياق كتبت المعلقة الفرنسية المقيمة في بريطانيا ناتالي نوغريد بمقال لها بصحيفة «الغارديان» (28/4/2017) أن اليمين المتطرف وإن كان في حالة صعود إلا أن فوز ماكرون سيضع حدا لصعوده. وأشارت في بداية مقالها لمقولة للروائي والمفكر السياسي البريطاني جورج اورويل الذي كتب إن البريطانيين لا يهتمون بشكل كاف بالقضايا الفكرية بطريقة تجعلهم ضدها. وهم على خلاف الفرنسيين الذين يستمتعون بالقضايا الفكرية «وكمواطنة فرنسية مقيمة في لندن أراقب بلدي وهو يحضر لانتخابات الرئاسة في 7 أيار (مايو) وبريطانيا وهي تحضر لانتخاباتها العامة الأولى التي تعقدها في مرحلة ما بعد البريكست فإنني لا أعتقد أن الفروق المفترضة بينها كبيرة كما نحب أن نفكر. وأرى دروسا مما جرى على الطرف الثاني من القنال الإنكليزي». وتشير أن الفرنسيين يفكرون بالكارثة التي تلوح في الأفق من إمكانية انتخاب لوبان رئيسة لهم كما يكافح البريطانيون لفهم ما قادهم لقرار الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وترى الكاتبة أن ماكرون يمثل في الانتخابات الفرنسية الإثارة فهو ليس روسبيرو المحامي والسياسي الذي لعب دورا في الثورة الفرنسية إلا أنه تحدث في واحد من خطاباته الانتخابية مقتبسا كامو الذي قال «كل جيل يعتقد، بلا شك أنه سيعيد تشكيل العالم أما مهمة جيلنا فهي أضخم وتقوم على منع العالم من الإنهيار». ورغم ان مقارنة حال فرنسا وبريطانيا حاضرة في هذه المقولة وإن بشكل نسبي. فالخروج من الاتحاد الأوروبي لن يقضي على القيم الديمقراطية البريطانية مقارنة مع الحال في فرنسا حالة انتخبت لوبان التي ستقضي على كل القيم التي تحملها وتدافع عنها الجمهورية. ورغم انتشار عدد من الحوادث المعادية للأجانب بعد البريكست إلا أن انتخاب زعيمة الجبهة الوطنية رئيسة سيضع 7 ملايين فرنسي من أصول مسلمة وأفريقية وعربية تحت التهديد المستمر. فالتعصب الذي رافق حملاتها الانتخابية سيتوسع على نطاق البلد ويدمر معه النسيج الاجتماعي الذي تأثر بالهجمات الإرهابية.
وتعتقد الكاتبة أن صعود ماكرون يقدم درسا على البريطانيين التعلم منه وهو أن هناك فرصة لتيار الوسط لكي يوقف الشعبوية المتطرفة. فالوسط أو المركز ليس فعالا أو عفا عليه الزمن. فقد تنهار البنى القديمة كما انهارت الأحزاب السياسية التي نشأت فيما بعد الحرب العالمية الثانية ولكن لا يعني أن البديل الوحيد الذي سيخرج من ركامها هو اليمين المتطرف.
ومقارنة مع هذا يدعو ماكرون إلى ثورة هادئة متدرجة تعالج كل مظاهر القصور في الحياة الفرنسية خطوة خطوة. فهو لا يعادي الرأسمالة أو العولمة وبالتأكيد لا يدعو للمحلية. ولا يريد تحريض الطبقات الاجتماعية والإثنية ضد بعضها البعض. وهو مهتم مثل التفكير البريطاني بما يعمل بالممارسة وليس بالنظرية. ومدخل كهذا يمثل علاجا لكل القارة التي تشهد صحوة للقومية بكل أشباحها. فلوبان تمثل القومية الصاعدة في فرنسا وفيكتور أوربان في هنغاريا وياروسواف كاتشينسكي في بولندا.
ويمكن تفسير البريكست على أنه نوع من صحوة القومية البريطانية. وترى الكاتبة ان صعود ماكرون قد يشجع الراغبين في بريطانيا بطريق آخر يواجه الخطاب الذي قاد للخروج من أوروبا ويخفف من حدة الفراق. ولم يعد التيار الميال لليسار قادرا على القيام بالمهمة فلا بد من مركز مثل الذي شهدناه في فرنسا قائم على البراغماتية والأخلاق والتفاؤل وباحتمالات قوية. ومن هنا فنتائج 7 أيار (مايو) لن تترك أثرها على فرنسا وحدها بل والعالم وبريطانيا تحديدا.

الانتخابات الفرنسية: عندما يكون المركز بديلا عن اليمين واليسار وجدارا ضد الشعبوية

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية