الامن القومي السعودي لا تحققه صفقة تايفون
د. سعيد الشهابيالامن القومي السعودي لا تحققه صفقة تايفون في سبتمبر 2003 نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالا يدعي وجود جهود سعودية حثيثة للحصول علي اسلحة نووية. واعتمدت الصحيفة في ذلك الادعاء علي ورقة عمل استراتيجية نوقشت، حسب زعم الصحيفة، علي اعلي مستويات الحكم في الرياض، وطرحت ثلاثة خيارات: اولها الحصول علي قدرات نووية بهدف القدرة علي الردع، والثانية الحفاظ علي العلاقات، او اقامة علاقات جديدة مع قوة نووية قوية تستطيع توفير الحماية للحكم السعودي، والثالثة، العمل علي جعل الشرق الاوسط منطقة خالية من السلاح النووي. وردت الحكومة السعودية بشدة، نافية ما جاء في المقال. لم تكن ادعاءات الصحيفة جديدة، وان كانت قد حظيت باهتمام اكبر لانها جاءت في اعقاب حوادث 11 ايلول (سبتمبر) الارهابية. فقبل بضع سنوات ذكر محمد خليفي، الدبلوماسي السعودي الذي لجأ الي الغرب وترك منصبه في تموز (يوليو) 1994 كسكرتير اول بالبعثة السعودية لدي الامم المتحدة، ان بلاده تسعي للحصول علي التكنولوجيا النووية منذ 1975، وانها دفعت ما يربو علي 5 مليارات دولار لصدام حسين في الفترة 1985-1990 لبناء قنبلة نووية.هذه الادعاءات قد تكون عارية من الصحة، ولكنها مؤشر للقلق السعودي المتصاعد لعدد من العوامل: اولها القدرات النووية الاسرائيلية وما يمثله ذلك من تهديد للامن القومي السعودي، وثانيها العلاقات المتأرجحة مع ايران، وتنامي القدرات العسكرية والمشروع النووي الايراني، وثالثها: العلاقات المضطربة مع الولايات المتحدة الامريكية خصوصا التطورات ـ التي حدثت في الاعوام الخمسة الاخيرة (اي منذ 11 سبتمبر). ورابعها: تصاعد التهديدات الارهابية للحكم السعودي خصوصا من تنظيم القاعدة . هذه العوامل مجتمعة دفعت الرياض لمواصلة جهودها لتطوير قدراتها العسكرية والامنية، استجابة لقلق مشروع لدي نظام محاط بانظمة غير صديقة، يحكم بلدا يمتلك ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم، وما يمثله ذلك من اهمية استراتيجية متميزة. ومع ان هذه المخاوف تتوفر علي قدر من المصداقية، الا ان تطورات الشهور الاخيرة ربما دفعت التوجه الاستراتيجي السعودي باتجاه آخر. فالتحالف الانجلو – أمريكي ربما نجح في إيصال المنطقة الي حافة توتر مذهبي غير مسبوق، بعد فشله في ادارة العراق بالطريقة التي كان يحلم بها. فهناك جهود حثيثة ومتواصلة من جهات غير معروفة بالاسم، ولكنها محددة بالهوية، تعمل لتكريس حالة الاحتراب الطائفي في العراق، البلد العربي المؤهل من حيث القدرات الذاتية لقيادة العالم العربي في ميادين الصناعة والتكنولوجيا، بالاضافة الي مواجهة التحديات الخطيرة خصوصا الاحتلال الاسرائيلي. هذا التوتر الذي لم يعد خافيا علي أحد، أصبح عاملا مهما في التخطيط الاستراتيجي لدول مثل السعودية، وهو أمر خططت له القوي الاجنبية في اطار سياساتها الهادفة لاضعاف الوضع العربي الاسلامي وتمزيقه. ووفقا لهذا السيناريو، فقد أصبحت السعودية ومعها دول الخليج معنية بالشأن العراقي عمليا، ولا يستبعد ان تكون مصدر تمويل لبعض الجماعات المسلحة او السياسية، وذلك ضمن حالة الاستقطاب التي اصبحت تتضح بشكل أكبر يوما بعد آخر. السيناريو الذي يمكن استشراف المستقبل القريب في ضوئه يمكن ان يتضح بشكل أكبر اذا تواصل الاحتراب الطائفي في العراق، واصبح متعذرا علي الحكومة المركزية التي يجري تشكيلها في الوقت الحاضر بعد الاتفاق علي السيد جواد المالكي رئيسا للوزراء، منع حدوثه او احتواء آثاره. بعض الجهات السياسية والاعلامية البريطانية يكرر مقولة ان العراق أصبح علي اعتاب حرب طائفية بين السنة والشيعة لأهداف غير واضحة. وبدلا من ان تكثف دول المنطقة جهودها لاحتواء الموقف ومنع هذا الاستقطاب الحاد، اصبحت تهندس سياساتها علي ضوء النتائج المرتقبة لهذا التوتر والاحتراب. وكمثال علي ذلك، ذكرت صحيفة التايمز البريطانية في مقال نشرته يوم الخميس الماضي ان الحرب الاهلية في العراق بين المسلمين الشيعة والسنة قد تجر ايران الي جانب الشيعة، والمملكة العربية السعودية والاردن وتركيا الي جانب السنة العرب . ولا يمكن اعتبار هذا توصيفا بل تنظيرا لوضع تم التخطيط به بعناية فائقة، يهدف لاشغال المنطقة بحرب من نوع آخر اكثر تدميرا وأقل منطقا وانسانية. ويأتي هذا الطرح من قبل الساسة والاعلاميين البريطانيين لتبرير صفقة طائرات عملاقة بين بريطانيا والسعودية، يتوقع التوقيع عليها قريبا. هذه الصفقة، في حال موافقة الطرفين عليها، تعتبر الاكبر منذ صفقة طائرات اليمامة بين الطرفين التي مضي عليها الآن عشرون عاما والتي تم بموجبها تزويد السعودية بطائرات التورنادو، وبلغت قيمتها النهائية اكثر من عشرين مليار دولار. الصفقة الحالية تشمل تزويد السعودية بـ72 طائرة من نوع تايفون علي ثلاث دفعات، وتبلغ قيمة الواحدة منها 50 مليون دولار كسعر اساسي منفصل عن عقود التدريب والصيانة. وزير الخارجية السعودي، الامير سعود الفيصل برر الصفقة بقوله: لقد حان الوقت لتحديث اجهزتنا مضيفا ان من مصلحة الطرفين تأهيل السعودية لحماية مصادر النفط العملاقة بأفضل الاسلحة المتوفرة . وتشمل الصفقة ايضا تدريب الطيارين السعوديين علي الطائرات الجديدة، وتوفير وسائل دعم فنية كافية. وبرر الامير سعود الفيصل الحاجة لهذه الطائرات بقوله: ان احتمال تفكيك العراق سيخلق مشاكل جمة لدول المنطقة . وكانت الصفقة الاولي في منتصف الثمانينات قد عقدت في ذروة الحرب العراقية ـ الايرانية، علي خلفية احتمال تعرض السعودية لهجمات عسكرية من ايران. ولكن برغم حجم تلك الصفقة، فقد اثبتت الايام عدم جدواها تماما. فعندما جاء الاجتياح العراقي للكويت في 2 آب (اغسطس) 1990 لم تطلق رصاصة واحدة من الجانب السعودي، بل تم استدعاء القوات الاجنبية بشكل فاضح، لشن الحرب التي دفعت المنطقة ثمنها المالي والسياسي والامني. ومع ان قاعدة حفر الباطن التي تعتبر مركز قوات درع الجزيرة لا تبعد سوي اقل من 100 كيلومتر عن الكويت، الا انها لم تلعب اي دور لدعم الكويت الا بعد استقدام القوات الاجنبية. ولن تكون صفقة الاسلحة الاخيرة افضل من سابقتها من حيث عدم جدواها في صد اي اعتداء خارجي، وهو اعتداء وهمي يتم الاعداد النفسي والسياسي له قبل ظهور بوادر حقيقية حوله، لتحقيق أهداف اقتصادية وعسكرية وسياسية. الصفقة العسكرية المزمعة بين بريطانيا والسعودية اثارت عددا من الامور. اولها انها تهدف لاعادة اموال النفط التي تكدست لدي السعودية وبقية دول الخليج في السنوات الاربع الاخيرة الي الغرب، بعنوان التسلح والاستعداد لتهديدات خطيرة من هذا الطرف او ذاك. فاذا لم يتحقق السيناريو العراقي، فهناك السيناريو القائم علي اساس امتلاك ايران اسلحة نووية، وكلاهما يطرحان بانهما يهددان الامن القومي القومي السعودي او الخليجي، والمهم ان تستعاد اموال النفط الي الغرب بشكل او آخر. ثانيها: انها ليست صفقة عسكرية محضة، بل صفقة سياسية كذلك. معالم هذه الصفقة تجسدت بالضغط علي ثلاثة بريطانيين رفعوا دعوي قضائية ضد بعض المسؤولين السعوديين المتهمين بممارسة التعذيب بحقهم عندما كان الثلاثة معتقلين لدي السلطات السعودية. البريطانيون الثلاثة استطاعوا ايصال الدعوي الي مجلس اللوردات البريطاني الذي يعتبر أعلي سلطة قضائية في بريطانيا، بينما تسعي الحكومة البريطانية لمنع صدور قرار يسمح بمقاضاة المتهمين بالتعذيب في المحاكم البريطانية. وكانت محكمة استئناف قد اعطت محامي الاشخاص حق مقاضاة المسؤولين السعوديين وطلب التعويض منهم، بدعوي ان الاشخاص الثلاثة تعرضوا للتعذيب خلال احتجازهم بتهم تتعلق بتفجيرات حدثت في الرياض في وقت سابق. ويبدو ان السعودية ساومت الحكومة البريطانية حول هذه القضية، وان من شروط صفقة تايفون عدم مقاضاة المسؤولين السعوديين. ويمثل موقف حكومة توني بلير النهج الجديد للسياسة العامة للحكومة البريطانية في السنوات الاخيرة، التي اصبحت أقل حماسا لترويج الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في الدول الصديقة كدول الخليج. ومن جانبها حرصت السعودية علي كسب اصدقاء لها في بريطانيا، وذكرت تقارير اعلامية ان حزب المحافظين قبل مبلغ مئة الف جنيه تبرعا من زوجة السيد وفيق سعيد، تاجر الاسلحة السوري المولد، السعودي الجنسية، وثارت زوبعة في اوساط الحزب حول ذلك. وذكرت تلك التقارير ان الزوجين دفعا اكثر من 550 الف جنيه استرليني لحزب المحافظين من خلال المشاركة في مزادات علنية تعود مردوداتها للحزب. وفي 1993 حدثت فضيحة وزير شؤون المشتريات بوزارة الدفاع البريطانية، جوناثان أيتكن، بسبب علاقاته مع وفيق سعيد، وخسر وظيفته نتيجة لذلك، ومعها دوره السياسي.هذا التداخل في العلاقات، ودور الرشاوي والصفقات العملاقة في التأثير علي السياسات البريطانية لا ينفصل عن تداعيات المشكلة العراقية، ويعكس عمق الصلات بين الخارجية البريطانية ودول الخليج من جهة، واستراتيجية حكومة لندن في المنطقة من جهة اخري. هذه الاستراتيجية اصبحت اكثر وضوحا في السنوات الاخيرة، خصوصا بعد حرب الكويت. واذا كانت حوادث 11 سبتمبر قد احدثت شرخا في العلاقات الامريكية ـ السعودية، فان سياسات البيت الابيض اصبحت في الشهور الاخيرة أقل استفزازا للسعودية ودول الخليج الاخري، وذلك بعد ان تخلت واشنطن ولندن عن الخيار الديمقراطي في المنطقة، وعادتا، مجددا، الي السياسات القديمة بدعم انظمة الاستبداد والقمع. الرياض، من جانبها، اصبحت امام خيارات صعبة بعد ان تعرضت للانتقادات الشديدة بسبب سجلها غير المشرف في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان. فهي تواجه تحديات من تنظيم القاعدة ، وضغوطا من المنظمات الدولية لتحسين سجلها في الديمقراطية وحقوق الانسان، وتواجه ضغوطا للانفاق المتزايد علي صفقات التسلح لتعويض بعض الخسائر المالية التي تكبدتها الولايات المتحدة وبريطانيا في حرب العراق، كما تواجه احتمالات الشأن العراقي، وخطر اقامة نظام ديمقراطي علي حدودها الشمالية. هذه الصعوبات دفعت السعودية لتقوية علاقاتها مع بريطانيا بشكل خاص، ومع دول أخري مثل باكستان. وفي زيارته الاخيرة لباكستان الاسبوع الماضي، ناقش وزير الدفاع السعودي، الامير سلطان بن عبد العزيز مع الباكستانيين قضايا عديدة اهمها الموقف ازاء العراق وايران. ويجمع البلدين عدد من الامور من بينها: اولا الموقف المتحسس من المشروع النووي الايراني، فلا باكستان ولا السعودية ترغبان في تطويره، وتعارضان، سرا علي الاقل، اي توجه لصناعة اسلحة نووية ايرانية. وثانيا: كلتاهما معنيتان بملف الارهاب الذي انطلق من السعودية واتخذ من باكستان معقلا ومنطلقا. وثالثا: انهما تشتركان في الموقف السياسي ازاء ما يجري في العراق، وتتحسسان من قيام نظام حكم لا ينتمي مذهبيا الي اي منهما. ولذلك لم يعد سرا القول ان باكستان تسعي بشكل مفتوح لتشجيع السعودية علي الانتماء للنادي النووي، وذلك استكمالا لمسيرة طويلة من التعاون العسكري بين البلدين. ولدي كلا البلدين نسبة غير صغيرة من المسلمين الشيعة الذين قد يؤثرون علي القرار الرسمي المستقبلي. ولذلك جاءت مناقشات الامير سلطان بن عبد العزيز مع المسؤولين الباكستانيين، بهدف تنسيق المواقف ازاء هذه القضايا. وتجدر الاشارة الي ان العلاقات بين الرياض واسلام آباد تواصلت عبر العقود واتسمت بالمتانة والتنسيق بشكل مستمر. وكثيرا ما تردد ان السعودية كانت من بين الدول التي تحدثت مع عبد القدير خان، مهندس المشروع النووي الباكستاني حول امكان امتلاك السعودية مشروعا نوويا، وان السعودية دعمت مشاريع التسلح الباكستاني منذ الستينات. وتسعي السعودية لتطوير علاقاتها مع الصين ايضا، وهي دولة نووية عملاقة. وجاءت زيارة الرئيس الصيني، هو جينتاو، الاسبوع الماضي الي الرياض استكمالا للزيارة التي قام بها العاهل السعودية، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، الي الصين في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، وذلك لبحث آفاق تطوير العلاقات بين البلدين، وجاء هذا التواصل في اطار التوجه السعودي لتوسيع العلاقات والتحالفات الدولية بين المملكة والدول الكبري، وعدم حصر ذلك بالولايات المتحدة الامريكية.مما لا شك فيه ان لدي السعودية هواجس امنية وسياسية في منطقة تتحرك رمالها السياسية بشكل متواصل. ومن حقها تطوير تحالفاتها الدولية بما يحقق لها قدرا من الاستقرار السياسي. ولكن ما يخشي منه ان تصبح الرياض طرفا فاعلا ضمن سياسات تمزيق المنطقة علي اسس عرقية او قومية او مذهبية، وهي سياسات تهدف لاضعافها وتهيئتها للهيمنة الغربية المطلقة. ومرة اخري يمثل النفط بعدا جوهريا في العلاقات والتحالفات، خصوصا بعد ان بلغ سعر البرميل اكثر من سبعين دولارا. كما يمثل العامل الاسرائيلي بعدا آخر لا يقل أهمية. ويخطيء السعوديون اذا اعتقدوا ان امنهم يتحقق بدعم سياسات واشنطن ولندن التي التزمت مبدأ دعم التفوق العسكري الاسرائيلي، علي حساب قضايا العرب ومصالحهم، وما يستتبع ذلك من محاولات اضعاف الدول العربية والاسلامية عسكريا وسياسيا. ويخطئون ايضا اذا دعموا سياسات الاحتراب الطائفي والمذهبي في العراق وغيرها، ومن المؤكد انهم لن يكونوا صائبين اذا انفقوا اموال النفط علي صفقات التسلح العملاقة، بدلا من الاعتماد علي القوة الذاتية المستمدة من التماسك الشعبي الذي يتحقق قدر كبير منه بشيء من الانفتاح السياسي والديمقراطي. 9