مؤتمر «العرب والكرد» يستعرض تاريخ التعايش وعوامل نشأة القضية الكردية

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: انطلقت يوم السبت الماضي (29 أبريل/ نيسان2017) أعمال مؤتمر «العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات» الذي يعقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة على مدى ثلاثة أيام. وطرحت الأوراق المقدمة في اليوم الأول من المؤتمر وجهات نظر متعددة ومختلفة، وحتى متضاربة في بعض الجوانب ولكنها كلها مستندة إلى تحليل علمي ومقاربات نظرية رئيسة في العلوم السياسية والاجتماعية، حملها باحثون متخصصون ومؤرخون عرب من مختلف الدول العربية وكرد من العراق وسورية.
تركزت الأوراق المقدمة في الجلسات الأربع لليوم الأول من مؤتمر «العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات»، ضمن محورين رئيسين، أولهما في محاولة تبيان نشأة المسألة الكردية تاريخيا في نطاق الدول العربية الناشئة بعد الدولة العثمانية وبعد الانتداب الأجنبي، ثم التركيز في ثانيهما على التطور التاريخي للقضية الكردية في العراق. وتخصص لتطور المسألة الكردية في سورية جلسة خاصة أيضا ضمن اليوم الثاني من برنامج أعمال المؤتمر.

تاريخ من التعايش ونزعة من التمرد

في ورقة تحت عنوان «جدلية التعايش التاريخي بين العرب والأكراد في ولاية الموصل» سلط الباحث والمؤرخ سيّار الجميل الضوء على التعايش الاجتماعي بين العرب والكرد في ولاية الموصل. وقد كانت هذه الولاية تضمّ كلّ كرد العراق إلى جانب الأطياف الاجتماعية الأخرى. وأشار إلى أن هذا التعايش التاريخي بين الطرفين يمتد أنثروبولوجيًّا إلى أزمنة قديمة، بل إنّه يرجع إلى مشروع إدريس البدليسي في تثبيت أركان الإدارة الأهلية في بلاد الجزيرة وولاية الموصل، على عهد سليم الأول في الفترة 1512-1520. وقد شارك الأكراد في الحياة العراقية، وخصوصًا في المشتركات السياسية على مستوى الأحزاب أو التمثيل النيابي.
من وجهة نظر الباحث عبد الوهاب القصاب في ورقته التي عنونها «العرب والكرد في العهد الملكي العراقي: محاولة ناجحة في بناء الهوية الوطنية العراقية الجامعة» فإن من الثابت تاريخيا أنّ المنطقة الكردية في العراق (المحافظات الكردية الثلاث، مضافًا إليها قطاعات من محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك) كانت على الدوام مناطق تدين بتابعيتها وولائها إلى السلطة القائمة في بغداد. من أجل ذلك، فإنّ سكان هذه المناطق كانوا عراقيين على الدوام، مهما كانت التسمية التي تُطلق على هذه الرقعة الجغرافية. وقد اختلفت أوضاع كرد العراق تحت النظام الملكي عن أوضاع الكرد في دول الجوار الأخرى. ففي إيران، يُقمع الكرد لسببين؛ أحدهما قومي والآخر مذهبي. وفي تركيا، يُقمع الكرد لعدم اعتراف النظام الكمالي بهويتهم القومية، وكذلك الشأن في سورية. أما في العراق، فقد اعترفت الدولة العراقية منذ تأسيسها بخصوصيتهم القومية وهويتهم الثقافية، ولم تمارس ضدهم أيّ حالة من حالات التمييز؛ فتولوا مختلف المناصب سواء كانت في الجيش، أو في الخدمة المدنية. وقد كان منهم ضباط بارزون، ونواب ناجحون، ووزراء.
ويرى القصاب أن مساعي فئات من الكرد العراقيين للتمرد والعصيان في الفترة الملكية، لم تكن جامعةً على مستوى الشعب الكردي في العراق في أيّ فترة من الفترات الزمنية التي انطلقت فيها. ولم تتبلور الرسالة العامة للثورة الكردية إلا بعد الحُكم الملكي العراقي، بعد عام 1961 تحديدًا، عندما أطلق الراحل الملا مصطفى البارزاني تمرّده الذي كان أساسًا خلافًا عشائريًّا بينيًّا توسع في ما بعد؛ بسبب فشل حُكم عبد الكريم قاسم في التعامل السليم معه.
من جانبه، أوضح الباحث السوري جمال باروت في ورقة تحت عنوان «نشوء المسألة الكردية في الجزيرة السورية: مقاربة تاريخية» أن نشوء المسألة الكردية في الجزيرة السورية ارتبط بطبيعة نشوء الاجتماع الحضري فيها. فقد تبدونت الجزيرة الفراتية عمومًا، والقسم الطبيعي الأوسط منها خصوصًا، حقبةً تاريخيةً طويلة المدى تزيد على ستة قرون، إثر الدمار الماحق الذي ألحقته بها الاجتياحات التتارية؛ ومن ثمّ اقتصرت التجمعات الحضرية في القسم الأوسط منها على بؤر محدودة وضيقة جدًا. وفي حين حاولت السلطات العثمانية في زمن السلطان عبد الحميد الثاني أن تُحيِيَ الجزيرة حضريًا، فإنّ إحياءها الحقيقي لن يتمّ إلا مع سلطات الانتداب الفرنسي على سورية. وقد توفرت شروط نشوء المشكلة الكردية في تركيا بعد تحطيم معاهدة سيفر (عام 1920) والتحول إلى معاهدة لوزان (عام 1923)، ونشوء الجمهورية التركية على أنقاض فكرة الكيان القومي الكردي والدولة الأرمنية، وعلى حساب الأراضي السورية. وتحطمت الدولة العربية بدمشق، ووقعت بلاد الشام والعراق تحت نظام الانتداب. وفي حين خرجت تركيا من التحول بمنزلة الدولة القومية الوحيدة المستقلة. وترتّب على ذلك أنْ كان العرب والأكراد والأرمن أكبرَ الخاسرين.
من زاوية نظر مختلفة، أوضح الباحث هوكر طاهر توفيق في ورقة تحت عنوان «العلاقات الكردية – العربية (1891-1918): دراسة تاريخية» أنّ بلاد الكرد (كردستان) قد قُسِّمت بعد الحرب العالمية الأولى بين أربع دول، اثنتان منها عربية. فإضافةً إلى تركيا وإيران، تقاسمت كلّ من الدولتين العربيتين العراق وسورية أجزاءً من كردستان. وبعد هذا التقسيم الذي تكاملت أركانه في سنة 1926، دخلت العلاقات الكردية – العربية منعطفًا خطِرًا وصل إلى حدّ إنكار الهوية الكردية في سورية، وإلى القيام بحملات إبادة جماعية ضد الكرد في العراق.

مؤتمر «العرب والكرد» يستعرض تاريخ التعايش وعوامل نشأة القضية الكردية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية