بعيد التفجيرات الإهاربية التي لحقت بكنيستي الإسكندرية وطنطا في أحد الشعانين، انطلقت حملة متوحشة كان هدفها الهجوم على الأزهر ومشايخه وعلمائه وهيئته العليا ومعاهده وجامعته ومناهجه ، وأصبح الإعلام المصري بكافة وسائله يهاجم ويحارب الأزهر وكأن الأزهر هو الجاني.
الهجوم على الأزهر فاق الحدود والتصورات، فعندما يخرج أحد إعلاميي النظام ويقول « اليوم كتبت شهادة وفاة الأزهر»، وعندما يهدد نائب بأنه سيقدم مشروعا لمجلس النواب لتعديل قانون تنظيم الأزهر ،ويخرج إعلامي آخر معلنا أن الدولة ستجدد الخطاب الديني دون إنتظار للأزهر ، وهناك العديد من الجرائد الحكومية والخاصة التي كان لها دور كبير في تشديد الهجوم على الأزهر، ووصل الأمر إلى أن اتهموا هيئة كبار العلماء بالأخونة وهي الهيئة التي تضم في عضويتها كبار مناصري النظام الحالي أمثال د / على جمعة.
لا أحد يختلف في أن مؤسسة الأزهر كانت أحد داعمي النظام الحالي، وإن شئت فقل أحد مؤسسيه ، وظلت علاقة المؤسسة بالنظام على ما يرام حتى طالب الرئيس المصري شيخ الأزهر بتجديد الخطاب الديني ، وظهرت بوادر الخلاف للعلن عندما رفض الأزهر طلب الرئيس المصري بعدم وقوع الطلاق الشفوي حيث أعلنت هيئة كبار العلماء أن الطلاق الشفوي يقع متى استوفى شروطه.
أعلى سلطة إسلامية في مصر هي الأزهر، يتبعها معنويا وأدبيا كل من وزارة الأوقاف ودار الافتاء – ينتخب المفتي من قبل هيئة كبار العلماء في الأزهر – ومجمع البحوث الإسلامية ، ومنذ أن ظهر الخلاف بين الأزهر والنظام الحالي بدأت الكيانات السابقة تخالف الأزهر في أمور عدة أبرزها عندما أقدم وزير الأوقاف على توحيد خطبة الجمعة دون الحصول على موافقة الأزهر ، وارتضت تلك الكيانات أن تكون تابعة للنظام بشكل كامل ولا تخالفه في أي قرار بل مساندة له دائما.
لم يكتف النظام بانصراف المؤسسات الدينية الحكومية عن الأزهر، بل عمل لاستقطاب عدد من الشيوخ والعلماء لكي يصبحوا الرموز الدينية للنظام، فهناك المستشار الديني لرئيس الجمهورية وعدد من علماء الفقه أصبحوا يسبحون بحمد النظام ويثنون على جميع قراراته ولا يخالفونه في أي رغبة.
النظام المصري منذ الثالث من تموز/يوليو وهو يرفع شعار من ليس معنا فهو علينا، وبالتالي من يخالفنا في أمر أو قرار أو رغبة سيحارب منا، وهذا ما فعله النظام بحق أنصاره الذين خالفوه في بعض القرارات ، وعندما لا يقوم الأزهر بتلبية رغبات النظام الحالي فهو بذلك يقف عقبة أمام النظام، ولا بد من إعلام الأزهر أن النظام قادر على تغيير قوانينه ورؤسائه إن تطلب الأمر ، فالشرط الوحيد الذى يريده النظام من أي داعم له هو التبعية المطلقة، وإلا ستهاجم وتحارب إلى أن ترفع الراية البيضاء .
كثير من مهاجمي الأزهر يطالبونه بتغيير المناهج، وهم لا يعرفون عما تتحدث هذه المناهج، بل هم يريدون تغيير تلك المناهج من أجل التغيير وفقط ، هم يرون أن تلك المناهج هي التي أخرجت إرهابيي تنظيم الدولة والقاعدة، وهذا خطأ فالأزهر لم يُخرج إلا أمثال عبدالله الشرقاوي ومحمد عبده ومصطفى المراغي ومحمود شلتوت ومحمد الغزالي وجاد الحق علي جاد الحق وغيرهم كثير، وليس معنى أن التحق شخص بالأزهر ثم انحرف وأصبح إرهابيا فهذا يعني أن الأزهر أصبح مفرخة للإرهابيين ، ولو قبلنا هذا الطرح –وهو مفروض كلية – فهل يقبل المهاجمون بأن نتهم قبيلة الأشراف إذا خرج منهم إرهابي بأنهم إرهابيون، أو نتهم الصعيد بأنهم إرهابيون إذا كان منهم متطرف أو نتهم الأطباء بأنهم إرهابيون لأن فيهم طبيبا كان إرهابيا ، مناهج الأزهر موثقة وثابتة على مدار السنين، وما هو قابل للتغيير والتجديد يجدد، أما ما هو ثابت فلا يتم الإقتراب منه .
الأزهر هو حامل راية أهل السنة ليس في مصر فحسب بل في العالم بأسره، فهو مؤسسة دولية قبل أن يكون مؤسسة حكومية ورئيسه يقدم على رئيس وزارء أي دولة، وخريجوه منتشرون في ربوع العالم ومن كل الأجناس ومن كل الأوطان، ومن العيب إهانة الرمز الاكبر لأغلب المسلمين في جميع أنحاء العالم.
تاريخ الأزهر حافل بالمواقف الوطنية، فقد كانت تلك المؤسسة هي حائط الصد الأول للدفاع عن مصر وهويتها وشعبها ، فوقف الأزهر ضد نابليون وحملته الفرنسية وأشعل الأزهر ثورة القاهرة الأولى ، كما وقف ضد المحتل الإنكليزي وأيدوا ثورة عرابي عام 1882 وكان في مقدمة المشاركين فيها كلا من الشيخ شمس الدين محمد الأنبابي الذي تولى مشيخة الأزهر مرتين والشيخ محمد عبده، كما انطلقت ثورة 1919 من الأزهر الذي قادها خريج الأزهر سعد زغلول.
كما عمل الأزهر على حماية اللغة العربية من الانحراف، ففي ظل الإحتلال كانت فرنسا و بريطانيا تسعى لتغيير ثقافة وهوية الشعب المصري، ولأن اللغة هي أهم عناصر الثقافة لدى الأمم، فلم يستطع المحتل تغيير اللغة لدى المصريين، وذلك بفضل حرص الأزهر على تعلم الشعب لفروع اللغة وأقسام الدين، مما جعل تغيير اللغة أمرا صعب المنال على المحتل ، ولذلك تعتبر مصر من الدول القليلة التي غزاها المحتلون ولم تتغير هويتها أو ثقافتها أولغتها .
قوة الأزهر ليست في مقاومته للمحتل فحسب وليست في حفاظه على الهوية الإسلامية والعربية فقط، وإنما تمتد إلى إمتلاكه قوة سياسية ، فقد كان الأزهر صاحب الفضل في تنصيب ونصح وخلع الحاكم، بداية من ولاة المماليك واستمر حتى محمد علي الذي عمل انهاء تلك القوة وتحجيم دوره السياسي باستمالة بعض العلماء له، ونفي الباقين امثال الشيخ عمر مكرم.
مهاجمة الأزهر كانت بدعم من الدولة المصرية، وسمح لجموع الصحف والقنوات بأن تهاجم وتحارب هذا الكيان الكبير، وفي التوقيت ذاته عندما طالبت جريدة مقربة من إحدى الجهات الأمنية بإقالة وزير الداخلية تم وقف طباعتها، فيجب على النظام أن يعي بأن مقام الأزهر أعلى من مكانة أي وزير وسيبقى أكبر من أي مؤسسة محلية لأنه مؤسسة عالمية .
الأزهر ليس فوق النقد ،بل هو كيان بشرى بالتأكيد لديه أخطاء، ولكن معالجة تلك الأخطاء تتطلب وجود خبراء مخضرمين ويكونون أهلا للتشخيص وللعلاج، أما أن يصبح جموع النخب خبراء في التعليم والمناهج ومتخصصين في العلوم الدينية، ويرون أن الأزهر به مناهج واجبة التغيير فهذا عبث.
هيئة كبار العلماء في الأزهر ادانت التفجيرات الإرهابية، وأكدت على أن الإسلام يحرم على المسلم تفجير نفسه وسط الأبرياء ، وأشارت إلى أن تشويه مناهج الأزهر واتهمها أنها تفرخ الإرهابيين هو نوع من التدليس وتزييف الوعي، وأن مناهج الأزهر قديما وحديثا هي وحدها الكفيلة بتعليم الفكر الاسلامي الصحيح.
على الجميع أن يدرك بأن الإرهاب لن يهزم بمحاربة أو مهاجمة الأزهر ، فالإساءة إلى الأزهر تدعم الإرهاب ، أما إذا أراد الإعلام والنخب محاربة ومهاجمة الإرهاب فعليهم بدعم الأزهر وتقويته ومناصرته ، فالفكر الإرهابي لن يُهزم إلا بالفكر الإسلامي الوسطى الصحيح الذي يمثله الأزهر.
كاتب مصري
عاصم عليوه