إيران تقيم ممرين عبر المشرق إلى البحر المتوسط والجولان… والمنفذ الرئيسي هو قاسم سليماني… وتركيا غاضبة من مصافحة العسكريين الأمريكيين مطلوباً من «بي كا كا» وعازمة على تخريب الخطط الأمريكية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: عندما قام الطيران التركي في الأسبوع الماضي بغارات جوية على مواقع كردية في شمال سوريا رافقت القوات الأمريكية مقاتلاً تركياً وسط حشد غاضب لمعاينة الضرر الذي أحدثته الغارات.
وكان لافتاً التحول الذي مرّ على عبدي فرهاد شاهين المعروف بشاهين تشيلو والذي وضعت على رأسه الحكومة التركية مبلغ 1.1 مليون دولار لكونه قائداً بارزاً في حزب العمال الكردستاني ـ «بي كا كا» ـ فمن هارب من العدالة إلى صديق يحظى بحماية الأمريكيين.
ورغم تصنيفها من الولايات المتحدة وتركيا كجماعة إرهابية إلا أن جماعة تشيلو أصبحت مركزية لواشنطن في الحرب ضد تنظيم «الدولة» الإسلامية في سوريا.
وكان ظهوره إلى جانب قوات من المفترض أن تقوم باعتقاله لا حمايته كافياً لإغضاب الحليف التركي.
ويقول مارتن شولوف مراسل صحيفة «الغارديان»، «هنا، أعقد زاوية في الحرب السورية والتي ستصبح بالتأكيد أسوأ»، خاصة بعد نشر العربات الأمريكية نهاية الأسبوع الماضي على جزء من الحدود التركية المتوترة حيث خلقت «محوراً عازلاً» بين الأتراك في الشمال والأكراد في الجنوب والذين يعرفون في سوريا بقوات حماية الشعب المرتبطين بـ «بي كا كا».
ورغم المرارة التي يشعر بها الأتراك إلا أن واشنطن تواصل التعامل مع الأكراد كحلفاء لا يمكن الإستغناء عنهم في الحرب ضد تنظيم «الدولة» خاصة في المرحلة القادمة من المعركة على مدينة الرقة. وكانت تركيا تأمل بأن يقوم الرئيس دونالد ترامب بتغيير المعادلة خاصة بعد توتر العلاقات مع إدارة اوباما لاعتمادها على الأكراد كقوة وكيلة. والإعتراف بدلاً من ذلك بالقوى العربية التي تحاول تركيا تدريبها والإعتماد عليها في معركة الرقة. ومع تعزز التحالف الأمريكي ـ الكردي حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من مخاطر زيادة الطموحات ببناء إقليم مستقر سيثير المشاكل داخل تركيا نفسها. ولهذا أمر بهجمات الفجر على مواقع كردية.
وعندما سئل المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر عن صور الجنود الأمريكيين وهم يصافحون المطلوب شاهين تشيلو كان رد فعله «لم أشاهد الصور ولكنني أشكّك بقوة من أن قيادات عسكرية أمريكية بارزة صافحت بسرور قيادات من «بي كا كا». وكما قلت «تعتبر الولايات المتحدة «بي كا كا» جماعة إرهابية أجنبية».
ويعلق شولوف أن إنكار واشنطن يظلل المعضلة التي تواجهها واشنطن وغياب الإستراتيجية الواضحة من الأزمة السورية والعراقية بعد ثلاثة أعوام من الحرب ضد تنظيم «الدولة» وخطة ما بعد هزيمته.
وأرسلت واشنطن 500 من قوات العمليات الخاصة للعمل كمستشارين لما يطلق عليها قوات سوريا الديمقراطية وهي مظلة حاولت الولايات المتحدة منحها صفة التعدد رغم أن غالبية المقاتلين فيها هم من قوات حماية الشعب.
وقادة هذه المجموعة كانوا بارزين في «بي كا كا» حيث شحذوا خبراتهم في قتال القوات التركية. وهناك ما يقرب من 5.000 جندي أمريكي يقومون بتقديم الدعم والإستشارة للقوات العراقية في حربها مع تنظيم «الدولة» التي تتركز الآن في الموصل. ومن المتوقع انتقال الحرب إلى جبل سنجار الذي تعيش فيه الطائفة الأزيدية. وكانت المقاتلات التركية قد دكت مواقع للـ»بي كا كا» في سنجار والتي يقوم المتمردون الأكراد بتعزيز مواقعهم فيها منذ العام الماضي. وتمارس تركيا ضغوطاً على حلفائها في حكومة إقليم كردستان العراق بتقييد حركة الـ»بي كا كا» وقوات حماية الشعب بشكل أدى لاندلاع القتال بين الفصائل الكردية نفسها. ونقلت» الغارديان» عن مصدر في المنطقة قوله إن تركيا مصممة على مواصلة جهودها لتخريب الخطط الأمريكية بعدما يئست من تحول في السياسة الأمريكية والتعاون مع «بي كا كا».
وقال: «كانوا سعيدين بزيارة (مدير سي آي إيه مايك) بومبيو لأنقرة وحديثه (مع أردوغان) من أن الأكراد سيقومون بعزل الرقة وليس السيطرة عليها، وقد أشترى الوقت لهم وانتهى وما سنراه هو موقف قوي من الأكراد ولا أستبعد توغلاً (تركياً) قريباً تجاه سنجار ولو حدث هذا فقد قال الأمريكيون أنهم لن يقفوا في طريقهم»، مضيفاً «أن الأمور قد تصبح أكثر سوءاً.»
ولكن هل يطفيء هذا تطلعات الأكراد من إدارة ترامب؟ يرى مورغان أل كابلان الباحث في برنامج دراسات الأمن الدولية في مركز بيلفر في مدرسة كنيدي في جامعة هارفارد أن الأكراد متفائلين من ترامب، مشيراً إلى إعلان الحزبين الرئيسين في 2 نيسان (إبريل) خططهما لإجراء استفتاء بشأن استقلال كردستان العراق. وفي مقاله الذي نشره موقع «فورين أفيرز» قال فيه إن الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني وإن اختلفا في الرؤية والمواقف إلا أن معركة الموصل التي تقترب من نهايتها تدفع الأكراد لاستغلال ما حققوه من مكاسب في الحرب التي مضى عليها ثلاث سنوات ضد تنظيم «الدولة».
ويعرف قادة كردستان إن الإستقلال لن يأتي بسهولة نظراً لمعارضة تركيا وإيران لأي طموحات من هذا بسبب السكان الأكراد الذين يعيشون في داخل البلدين. أما الولايات المتحدة فقد تجنبت فكرة تمزيق الدولة العراقية خوفاً من أن تكون بداية لحركات انفصالية في كل أنحاء المنطقة.
كما أن الخلافات الكردية ـ الكردية حددت من طموحات الأكراد الإستقلالية مما جعل المسؤولين يتحدثون عن إعلان نوايا وأن الإستقلال لا يزال بعيد المنال. وهذه ليست المرة الأولى التي عبّروا عن نيتهم في هذا السياق.
ولكن الأمر مختلف هذه المرة ولدى الأكراد تفاؤل كبير من نجاح جهودم في النهاية. والسبب كما يقول الباحث هو دونالد ترامب. وفي زيارة له لمنطقة كردستان تحدث مع مسؤولين سياسيين ورجال أعمال قالوا إن رئاسة ترامب تقدم لهم فرصة.
وعبّر الرأي العام الكردي عن تفاؤل بترامب منذ انتخابه. مع أن ملامح رئاسة ترامب التي تثير انتباه الأكراد العراقيين هي نفسها التي تثير قلق الخبراء في السياسة الخارجية. فمن جهة قام ترامب بتهميش مؤسسة السياسة الخارجية التقليدية حيث قام البيت الأبيض بتخفيض تأثير الدبلوماسيين من ذوي الخبرة والتقليل من رأي المسؤولين العاملين في مجال السياسة الخارجية بوزارة الخارجية التي لم تقم الإدارة بملء الشواغر الرئيسية فيها بعد.
وهذا يثير المخاوف لأن المسؤولين فيها شكّلوا دائماً الرابطة التي أكدت على صلة أمريكا المستمرة بالعالم. مع أن المؤسسة الدبلوماسية لم تكن لطيفة مع الأكراد حتى الإنتفاضة الكردية عام 1991 وغزو العراق عام 2003 حيث صار مألوفاً رؤية المسؤولين الأمريكيين وهم يصافحون الأكراد ويلتقون معهم بشكل مفتوح. ويعلق الدبلوماسيون الأكراد أن هذا تطور جديد ولم يحصل إلا بعد 60 عاماً من المعاناة والمقاومة. وظلت وزارة الخارجية حجر عثرة أمام الطموحات الكردية الإنفصالية، رغم وجود بعض العناصر المتعاطفة مع الأكراد داخلها.
وهذا نابع من الموقف الذي يتمسك بوحدة أراضي الدول ورفض المطالب الإنفصالية من اللاعبين غير الدول. وكانت النتيجة هي أن مسألة الإستقلال ظلت مستبعدة مهما أثبت الأكراد نفعهم للأمريكيين منذ السبعينيات من القرن الماضي وحرب الخليج عام 1991 وما تبع ذلك من غزو للعراق.
ولم يبد ترامب إزاء التخفظات القديمة التزاماً بالسياسات الأمريكية القائمة خاصة عندما قال إن الولايات المتحدة ليست ملزمة بالتعاون مع صين واحدة ولكنه اضطر لتغيير موقفه في فترة لاحقة.
ويأمل الأكراد أن يفتح ترامب الباب للإعتراف بالدول الجديدة. ويضيف الكاتب أن اختيار ترامب رجلاً لا خبرة له بالسياسة وكان يعمل في السابق مديراً لشركة إكسون موبيل يقدم منفعة جيدة.

النفط

فريكس تيلرسون قد لا يكون دبلوماسيا محترفا ولكنه وجه صديق للأكراد وقام بالإشراف على توسيع عمليات إكسون موبيل إلى كردستان العراق عام 2011. فرغم مظاهر القلق التي تم فيها تعيين تيلرسون بواشنطن إلا أنه اعتبر مفيدا في كردستان.
ويستفيد الأكراد من إحاطة ترامب نفسه بمجموعة من الجنرالات المتقاعدين الذين قام من خلالهم بمحو الإنقسام المدني ـ العسكري إلا أن أكراد العراق يعتبرون في مصلحتهم. فالجنرال جيمس ماتيس، وزير الدفاع والأدميرال مايكل روجرز، مدير وكالة الأمن القومي والجنرال جون كيلي، مدير الأمن القومي والجنرل أتش أر ماكمستر، مستشار الأمن القومي وخريج اكاديمية ويست بوينت مايك بومبيو وإن سيطروا على القرار في مناصب ذات طابع مدني إلا أن الأكراد يعتبرون كل هذا تطوراً جيداً لهم. ويقول الكاتب إن علاقة البنتاغون مع الأكراد كانت أكثر دفئاً من علاقة الخارجية معهم.
وأقامت عقوداً علاقات مع البيشمركه. وقدم البنتاغون، مساعدات عسكرية لهم في المعركة ضد تنظيم «الدولة».
ويقول كابلان، إن زيادة الأشخاص العاملين في إدارة ترامب كلما حصلوا على مزايا في واشنطن. كما أن لكل من ماتيس وماكمستر تجربة جيدة في المسرح العراقي. وفي لقائه مع حاكم إقليم كردستان، مسعود بارزاني أكد وزير الدفاع الدعم الأمريكي للقضية الكردية وأن كردستان والولايات المتحدة قدمتا التضحيات جنباً إلى جنب.
ويأمل الأكراد أن يترجم هذا الكلام إلى تعاون سياسي واقتصادي أبعد من المجال العسكري.
وفي النهاية يقول الكاتب إن قلة خبرة ترامب في شؤون المنطقة تعتبر مفيدة للأكراد. فالرئيس يحتاج للتعلم عن شؤون المنطقة الإقتصادية والسياسية.
وبتراجع تأثير مؤسسة السياسة الخارجية فلدى الأكراد الفرصة لكي يسوقوا روايتهم وقضيتهم إلى البيت الابيض. وفي النهاية قد يقدم ترامب الذي لا يحترم التقاليد الدبلوماسية فرصة لهم تماما كما فعل عندما تلقى مكالمة تهنئة من رئيسة تايوان خارقاً التقاليد التي مضى عليها عقود.
ويمكن أن يتخيل الواحد ترامب وهو يقدم رؤية متسرعة غير واضحة ودعما مبالغا للإستقلال الكردي حتى لو خرقت السياسة الأمريكية.
ولو حدث هذا فستعطي تصريحات كهذه ذخيرة جديدة للسياسين الأكراد في مواجهتهم مع بغداد. وتظل هذه عوامل محبذة للأكراد لكنها خطوات حيث يظل الإعتراف.
ومن هنا فسيكون الطريق نحو الإستقلال طويلا ومعقدا ومحفوفا بالمخاطر ولا يلغي هذا حقيقة أن النافذة نحو الإستقلال الكردي لا تزال مفتوحة. وفي النهاية يعتمد الموقف على العامل التركي والإيراني لوقف مشروع كهذا.

خطط إيران

وفي هذا السياق كتب الصحافي الإسرائيلي إيهود يعاري عن مشروع إيران في المنطقة. وكتب في مقاله الذي نشره موقع «فورين أفيرز»، متحدثاً عن تصريحات تيلرسون التي قال فيها إن الرئيس يقوم «بمراجعة طرق لمواجهة التحديات التي تمثلها إيران».
وهو ما يعني الحد من توسعات إيران في الشرق الأوسط. وحتى تكون الإستراتيجية ناجحة يدعو يعاري الولايات المتحدة لدراسة استراتيجية إيران التي تقوم على تحقيق التأثير والسيادة على سوريا ولبنان والعراق على المدى القريب دونما التخلي عن هيمنة واسعة على المنطقة في المستقبل البعيد.
ويرى الكاتب أن المستنقع الدموي الذي تعيشه هذه الدول الثلاث يقدم الكثير من الفرص لطهران أكثر من المواجهة المحفوفة بالمخاطر بمنطقة الخليج حيث ستجد نفسها في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها هناك.
وأي نجاح لها في هذا المحور سيؤدي إلى تقوية ساعدها ضد السعودية وبقية الكتلة السنّية. ويقول يعاري إن الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري هو المسؤول عن تنفيذ الإستراتيجية الجديدة.
وهو منشغل في السنوات الأخيرة ببناء الأسس لممرين عبر المشرق ويربطان إيران بالبحر المتوسط، واحد في الشمال وآخر في الجنوب. ويعلق يعاري إن الممرين هذين سيمتدان على طول 800 ميل من الحدود الغربية لإيران وعبر دجلة وادي الفرات ويربطان «حزب الله» في لبنان وينتهيان عند تخوم مرتفعات الجولان. وسيتم استخدام الممرين لنقل الإمدادات العسكرية والميليشيات التي تحتاجها إيران.
وذكرت ميليشيات في الآونة الأخيرة كيف استخدمت هذين الممرين.
فعلى سبيل المثال يقاتل «حزب الله» في سوريا بينما تعمل ميليشيات عراقية مهمة في لبنان. ويقول مسؤولون إيرانيون بارزون ان الفكرة تقوم على تسليم عهدة الإشراف على هذين الممرين لقوات وكيلة مثل «حزب الله» والميليشيات الشيعية المتعددة بدلاً من استخدام القوات الإيرانية.
ولأن طهران تتردد في إرسال قواتها إلى الخارج فهي تعوّل دائماً على الميليشيات الوكيلة لها والتي تستطيع حشد ما بين 150.000 ـ 200.000 مقاتل بما في ذلك 18.000 من شيعة أفغانستان وما بين 3.000 ـ 4.000 من شيعة الباكستان وكذا أعداد قليلة من المسيحيين والدروز.
وعن خط الممرين يقول يعاري إن الممر الشمالي سيمتد من إيران عبر محافظة دي إلى التي أصبحت ذات غالبية شيعية إلى محافظة كركوك وبلدة الشريقات في الشرق منها وترتبط بسوريا من خلال مناطق تلعفر وجبل سنجار.
وهذا يعني وصول الإمدادات لمناطق أكراد سوريا المرتبطة بالمناطق التي تخضع لسيطرة الرئيس السوري بشار الأسد. وحتى يتم تأمين الممر تحتاج إيران للتأكد من عدم تدخل الحكومة العراقية ولا الأكراد.
وفي ضوء التأثير الذي تمارسه إيران على الحكومة العراقية فمن المستبعد أن تعارض هذه حركة القوات الإيرانية والأمر نفسه يقال عن الحزبين في كردستان اللذين سيتجنبان أي حركة للقوات الإيرانية داخل هذين الممرين وفي سنجار هناك حضور لمقاتلي «بي كا كا» المرتبطين بإيران وكذا هناك ميليشيات مؤيدة لإيران في منطقة تلعفر.
أما الممر الثاني فيعبر المناطق الشيعية في الجنوب ويربط الأنبار ويصل إلى دمشق. والمشكلة هي أن الانبار ذات غالبية سنّية ويمكن تجنب المدن السنية في الفلوجة والقائم والرمادي ومد الخط عبر المناطق الصحراوية.
ولدى إيران حلفاء من خلال القوات الأمنية العراقية التي لن تعترض على مرور الإمدادات العسكرية.
ويرى الكاتب أن الهدف الرئيسي هو مد التأثير الإيراني إلى مرتفعات الجولان. ويقترح الكاتب أهمية دعم الأردن للقبائل السنّية في غرب العراق وقبائل شمر السورية لمواجهة الخطط الإيرانية بالإضافة إلى دعم الولايات المتحدة خطط إسرائيل لمواجهة الخطط الإيرانية.

إيران تقيم ممرين عبر المشرق إلى البحر المتوسط والجولان… والمنفذ الرئيسي هو قاسم سليماني… وتركيا غاضبة من مصافحة العسكريين الأمريكيين مطلوباً من «بي كا كا» وعازمة على تخريب الخطط الأمريكية

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية