حرية مشروطة

حجم الخط
0

يوم استقلالنا في إسرائيل، لن يكون كاملا أبدا إلى أن يحقق الفلسطينيون استقلالهم. لا ادري إذا كان هذا سيحصل بمبادرة طيبة على نمط جنوب افريقيا، لتحرير البرغوثي بصفته نلسون مانديلا في اعقاب ضغط عام عالمي او كليهما، ولكن اعرف بان استقلالنا بحاجة إلى الاستقلال الفلسطيني بالضبط مثل جنوب افريقيا؛ بالضبط مثل الأمريكيين الذين تحرروا من عبء فيتنام والفرنسيين من عبء الجزائر.
لثلاثين سنة، من بداية الستينيات وحتى بداية التسعينيات كان جنوب افريقيا، بيض وسود، تخضع لطغيان الظل الثقيل للابرتهايد. السود كانوا محرومين من الحقوق ومحبوسين في قراهم واحيائهم، ومن اجل الانتقال من مكان إلى مكان كان يتعين عليهم ان يجتازوا حواجز اثر حواجز وكانوا مطالبين بان يعرضوا فيها بطاقات عبور. قوانين مثل قانون سجل السكان كان يشخصهم كمواطنين من الدرجة الثانية. اما البيض فكانوا يعيشون بامان وبرفاه اقتصادي, ولكن كمجتمع وكدولة كانوا محبوسين في مقر منبوذي العالم.
صحيح أنه يمكن العيش في فقاعة فليذهبوا جميعهم إلى الجحيم، ولكن غير صحيح أنه يمكن العيش هكذا على مدى الزمن. صحيح ان هناك اناس لا يهمهم حقا معاناة الناس الاخرين طالما ان هذا يسرهم، ولكن الطبيعة الانسانية والاجتماعية تعرف كيف تجبي من الناس الذين لا يهمهم شيء اثمانا. حظر السلاح والعقوبات الاقتصادية الحادة والمحتدمة فرضت حسب قرارات الأمم المتحدة على جنوب افريقيا وجعلتها منبوذة عالميا بشكل رسمي. وقوطع سكانها في المؤتمرات وفي اللقاءت الدولية، بدءا بالعلوم وانتهاء بالرياضة، إلى أن جاء عام 1990، بعد 30 سنة من القمع الابيض والإرهاب الاسود اعلن فريدريك فيلام دي كلارك، رئيس جنوب افريقيا في حينه بان سياسة الابرتهايد فشلت، الغى القوانين العنصرية، سمح بعمل حزب المؤتمر المعارض وحرر زعيمه نيلسون مانديلا، الذي تحول دفعة واحدة من إرهابي وقاتل إلى زعيم الدولة. اما إسرائيل، بالمناسبة، فهي الدولة الاخيرة التي تعاونت مع جنوب افريقيا، والى ان هددت بوقف المساعدات من الولايات المتحدة، لم تقطع علاقاتها مع نظام الابرتهايد. العلاقات مع جنوب افريقيا، بالمناسبة، بدأت بعد حرب يوم الغفران، حين قطعت دول افريقيا علاقاتها مع إسرائيل بدعوى ان سيناء هي ارض افريقية واحتلالها هو نوع من الاستعمار. من هنا فصاعدا بدأ احتفال التعاون، الذي بلغ ذروته بمشروع نووي مشترك (البيض ادعوا بأن افريقيا السوداء تهددهم، ولهذا فهم يحتاجون إلى القنبلة).
واعترفت الولايات المتحدة بالغاء الابرتهايد فقط بعد الغاء الاتحاد السوفييتي ولم تكن تحتاج إلى جنوب افريقيا، التي كانت مدماكا أمريكيا استراتيجيا في افريقيا في الحرب الباردة. في هذه الحالة ايضا كانت اوروبا هي الرافعة الاساس للضغط وللمقاطعة على جنوب افريقيا. بمساعدة الأمم المتحدة ودول العالم الثالث، بالضبط مثلما يحصل هذا اليوم مع إسرائيل.
يبدو وكأن النموذج الجنوب افريقي سيجلب علينا الكابوس الاكبر، حين نستيقظ ذات صباح، في يوم استقلال ما، وهو لن يكون لنا، بل للفلسطينيين. عندها سيتبين لنا أن من نعدهم إرهابيين هم ابطال استقلالهم. البرغوثي هو نيلسون مانديلا والافظع من كل شيء: ان أمثالنا يقبلون الرواية الفلسطينية.

معاريف 3/5/2017

حرية مشروطة
استقلالنا بحاجة إلى الاستقلال الفلسطيني مثلما كان الجنوب افريقيين بحاجة إلى استقلال السود
ران أدليست

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية