أنت لم تقتل أمّك يا فارس..

حجم الخط
11

كثيراً ما رافق الفلسطيني الذي هُجّر من وطنه في عام النكبة شعورٌ بالذنب، وذلك بإحساس أنه ترك وطنه دون دفاع عنه كما ينبغي له أن يدافع، هذا الشعور بالذنب عززته أدبيات سطحية زعمت بأن ما حدث ما كان ليحدث لو قبل العرب بقرار التقسيم عام 1947، ثم ما كانت النكبة لتحدث لو تمسّك الناس ببيوتهم وقراهم في عام ثمانية وأربعين كما فعل الذين بقوا فعلا في وطنهم، علماً أن لكل حالة لمن تبقوا ملابساتها وتعقيداتها التي تحتاج لشروحات كثيرة، وعودة إلى التاريخ والأرشيف والروايات الشفهية تؤكد أن عمليات الطرد جرت بالقوة والترويع وبعد اغتصاب ومجازر وتهديد بالقتل وإعدامات كثيرة وقصف وهدم للقرى، ثم أن النزوح نتيجة خوف من الموت في الحرب هو أمر طبيعي ومشروع خصوصاً للمدنيين العزّل، حتى الرسول هاجر مع أصحابه، وفي أحيان كثيرة تبادر الدول نفسها لنقل سكانها من مكان إلى آخر نتيجة الحرب لتجنيب المدنيين كوارثها، فالنزوح خوفاً من الموت خلال الحرب لا يعني أن يفقد النازح بيته وأرضه وأملاكه ويحرم من العودة إليها، بل أن يقتل إذا ما حاول العودة، فقد قتل حوالي 5000 فلسطيني من المدنيين بعد انتهاء الحرب ممن حاولوا العودة عبر الحدود وهذا حسب الأدبيات الإسرائيلية بين السنوات 1948 و 1953 .
تطرق غسان كنفاني إلى عقدة الشعور بالذنب في عدد من أعماله، ويبدو هذا واضحاً في رواية «عائد إلى حيفا»، وفي قصة (البومة) في مجموعة سرير رقم 12، وكذلك في قصص مجموعة أرض البرتقال الحزين، وفي رواية (ما تبقى لكم) وفي (رجال في الشمس) وفي رواية أم سعد. ولكنه يحاول التخلص من هذا الشعور
في مسرحية جسر إلى الأبد، فعقدة الشعور بالذنب تلاحق فارس بطل المسرحية لأنه ترك أمه في البيت وخرج من المدينة، وصار يؤمن بأنها ماتت بسبب تركه لها، حتى أنه يفكر بالانتحار.
يتعرف فارس على (رجاء) وهي ابنة طبيب من أسرة برجوازية عندما كادت أن تدهسه بسيارتها فتجرحه، وتقول له أنت تتلقى جزاءك لأنك تركت والدتك لوحدها.
موقف رجاء هو موقف الكثيرين من العرب الذين حمّلوا الفلسطيني الضحية مسؤولية طرده من فلسطين، وهو موقف الحركة الصهيونية نفسه.
تنشأ علاقة حب بين فارس ورجاء ابنة الطبيب فتقرر مساعدته في البحث عن جثة والدته في المشرحة، وتحصل على تقرير طبي فيه دليل بأن الأم كانت قد ماتت قبل أن يتركها ابنها بساعات (على الأرجح أن شخصية رجاء مستوحاة من شخصية الكاتبة غادة السمان المتحدرة من أسرة برجوازية التي نشأت بينها وبين كنفاني قصة حب، ووالدها أيضاً دكتور في موضوع غير الطب، وفارس هو غسان نفسه، فهو وقع اسمه على كثير من مقالاته باسم فارس فارس).
لقد ذاق الفلسطيني مرارات كثيرة، ولكن أشدها مرارة هي تهمة تركه لوطنه طواعية وحتى بيعه، وهذه تطفو على السطح كلما نشأ خلاف بين الفلسطينيين وجهة عربية ما، أو إذا أبدى الفلسطيني رأيه في قضية تجري في بلد عربي ما فتجد أن كثيرين يردون عليه بكلمات مثل «هربتم من وطنكم وبعتم فلسطين لليهود فماذا تريدون من العرب!».
كذلك فإن عندنا فئة حزبية متقوقعة ما زالت تردد بغباءٍ واستغباءٍ بأنه لو وافق العرب على قرار التقسيم عام 1947 لما حدثت النكبة! ولو سمعوا كلامنا إلخ من الخزعبلات التي يستنتج منها وكأنما كانت هناك خيارات أخرى أمام الفلسطينيين العزّل أمام قوات صهيونية مدربة وجاهزة بأسلحة حديثة عددها ضعف عدد المتطوعين العرب الذين هرعوا للدفاع عن فلسطين، فقد جند العرب 50 ألف متطوع غير محترفين في القتال بينما جند اليهود 100 ألف مقاتل عالي التدريب وحديث السلاح معظمهم ذوو خبرة قتالية من الحرب العالمية الثانية.
ما نراه اليوم وبعد سبعة عقود من النكبة التي ما زالت مستمرة يثبت أن هدف المشروع الصهيوني كان وما زال ابتلاع كل فلسطين، ولم يتوقف حتى اليوم، صحيح أن هناك حالات فردية فضلت الهجرة على البقاء في الوطن رغم إمكانية بقائها فيه، أي أنها سُجلت في الإحصاء السكاني الأول بعد النكبة في الدولة الجديدة ورغم ذلك هربت إلى دول الطوق بهدف اللحاق بأسرة تهجرت أو بهدف الانضمام للمقاومة المسلحة.
الحركة الصهيونية رضيت بقرار التقسيم عام 1947 كي تقف على أرض صلبة وتنقضّ بعدها على الجزء الآخر من فلسطين وليس لأنها كانت مقتنعة بأن هذه مساحة إسرائيل النهائية. لم يكتفوا بحدود تقسيم عام 47 ولا بالحدود التي نتجت عنها حرب 48 فانتظروا لإتمام احتلال فلسطين كلها عام 1967، والآن هم غير راضين بحدود 1995 وغير راضين بحدود 2017، ولن يرضوا بحدود 2025 أما من ما زالوا يعلكون بكليشهات مثل: لو وافق العرب على قرار التقسيم ولو بقوا ولو سمعوا نصائح فلان وعلان، فهذه ليست سوى تبريرات للعجز أولاً، وتبريرات للتواطؤ مع الحركة الصهيونية التي ظن البعض أنها ستقيم دولة اشتراكية في حينه وهي محاولات بائسة لتحميل الضحية عبء أكبر عملية سطو في التاريخ ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، مرة أخرى وكما قالت رجاء لفارس»أنت لم تقتل أمك يا فارس»، الفلسطيني لم يتنازل عن وطنه طواعية، والصهيونية والأنظمة المتخاذلة والتواطؤ الدولي هو الذي قتلها وما زال يقتلها حتى هذه اللحظة.
كاتب فلسطيني

أنت لم تقتل أمّك يا فارس..

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية