التكفير… من المتنبي إلى أبي القاسم الشابي

حجم الخط
13

لقد ابتليت الأمة بمن يستعيد من جديد فتاوى تكفير من لا يستحق التكفير، يسترجعون بها مآسي المدن العربية التي سقطت تحت أقدام الغزاة، منذ سقوط بغداد قبل ألف سنة وإلى سقوطها المعاصر، والجرائم التي ترتكب في أكثر من بلد عربي يعيش الرعب والإرهاب كل يوم.
وأخيرا وليس آخرا صدرت فتاوى تكفير بحق الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي الذي توفي قبل حوالي مئة عام! بسبب قوله المشهور:
(إذا الشعب يوما أراد الحياة .. فلا بدّ أنْ يستجيبَ القَدَرْ)
بحجّة أنّ القدر لا يستجيب لإرادة البَشَر، وكنت أتمنَّى أن أقرأ لِمن يردّ هذه الفتوى، ويعيد الحق إلى نصابه، حتّى توصلت بكتاب الدكتور هادي حسن حمودي، فوجدت فيه ردا معتمدا على المصادر نفسها التي يزعم المتطرفون أنهم يؤمنون بها، وهي: القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف يرفعهما المتطرفون على أسنة رماح التخلف والقتل وخدمة أعداء الأمة.
يبنِي الكاتب ردّه عليهم بهذه النقاط:
1- لقد جاء في الحديث النبوي الشريف، (مَن كفّر مؤمنا فقد كفر) وأبو القاسم الشابي مؤمن لا شكّ في إيمانه. وإذا ظهرت عنده شكوى وخطاب إلى الله عن سبب شقائه ومرضه الذي مات منه، فإنه وفي القصيدة ذاتها، يسترجع ويستغفر ربّه.
2- ينبغي لنا أنْ لا نتعسّف الأحكام ولا يصح لأيٍّ كان تسقيط الآخرين إن قالوا ما لا يعجبه، أو لم يسمعوا الحديث النبوي الشريف الذي روته كتب الصحاح: (ولا تنظروا في ذنوب النّاس كأنّكم أرباب). فينبغي أن لا نتعجّل إسقاط الصّلة بين (الإرادة) من جهة، وسنن الله في الكون والحياة، أو القوانِين الفاعلة فيهما، من جهة أخرى.
3- الشعر له لغة خاصّة فلا يُعامل كما يُعامل النثر. فهو إبداع لا يفهمه إلا المؤهّلون له، ويمثل الباحث على ذلك بمدائح المتنبي لكافور الإخشيدي (كان عبدا ثم اشتراه الإخشيد. تولّى حكم مصر سنة 326 للهجرة. توفي سنة 356 للهجرة) التي يراها هادي حسن هجاء لا مديح فيها. وينقل عن الواحدي (توفي 468 للهجرة) رأيا طريفا أذكره كما ورد في الكتاب المذكور:
قال المتنبي في كافور، هجاء كأنه مديح:

عدوّك مذمومّ بكل لسانِ
وإنْ كان من أعدائك القمرانِ

أمّا أنّ عدوّ كافور مذموم بكل ألسنة أتباع كافور ورعيته فحقيقة لا ريب فيها، وقد انتقم المرحوم طه حسين لكافور بعد ألف عام، إذ أشبع المتنبّي ذما وانتقاصا في كتابه عنه، حتّى وصفه بمجهول الأب والأصل.
وأمّا (وإنْ كان من أعدائك القمرانِ) فإنّ الشمس والقمر لا يعاديان إلاّ أراذل الناس، وهو استعمال مجازي معروف لدى العرب.
وحين وصل المتنبي في القصيدة ذاتها (وهي في قتل شبيب بن جرير العقيلي غيلة وكان قد هزم جيوش كافور في مواقع عدة) إلى قوله:

برغم شبيب فارقَ السيفُ كفّهُ
وكانا على العلاّت يصطحبانِ
كأنّ رقابَ الناسِ قالتْ لسيفه
رفيقُك قيسيّ وأنت يماني
فإنْ يكُ إنسانا مضى لسبيله
فإنّ المنايا غايةُ الحيوانِ
فنال حياةً يشتهيها عَدوّه
وموتا يُشهّي الموتَ كلَّ جبانِ)

هنا تململ كافور وأشار إلى جنوده بالتحفّز، فالأبيات تمتدح القتيل لا القاتل. فلمّا قال المتنبيّ:

(وقد قتلَ الأقرانَ حتّى قتلتَه
بأضعفِ قِرْن في أذلّ مكانِ

إشارة إلى أنّ شبيب بن جرير قتلته – غيلة وغدرا ـ امرأة دسّها عليه كافور. فقال كافور: لا واللّه بل بأقوى قِرن في أعزّ مكانِ.
وهكذا سائر أبيات القصيدة التي ذكر الباحث منها مثالا على هذا النوع من الشعر الذي يصفه بأنه (لا يُسلس قياده إلاّ لعاشق يذوب فيه وجدا).
ثم يمثّل المؤلف على استجابة القدر لإرادة البشر بأمثلة عديدة، يؤمن بها الذين كفّروا الشابي أذكر منها:
أ- اللّه، تعالى، يقول في كتابه الكريم (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ويقول: (وإذا سألكَ عِبادي عَنِّي فإنِّي قَرِيْبٌ أُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعانِ) فاللّه يستجيب الدعاء، وما معنَى استجابة الدعاء إلاّ استجابة القدر لإرادة البشر؟
ب- ثمة قضايا معيّنة ما زلنا عاجزين عن معرفة كُنْهِهَا، فنكتفي بوصفها أنّها من المعجزات أو استجابة الدّعَوات. وكمثال على ذلك (صلاة الاستسقاء) التي إن صدقت نيات المصلّين، أو بعضهم على أقلّ تقدير، فهي تؤدي إلى نزول المطر، وقد ذكرتْ كتبُ التاريخ الموثّقة بعضا ممّا حدث في التاريخ من صلاة استسقاء كان لها أثرها، وصلاة استسقاء لم يكن لها أدنَى أثر، حتّى أنّ أبا طالب عم الرسول الكريم يمدحه بأنه (أبيض يُستسقَى الغَمامُ بوجهه). ففي هذه الاستجابة تغيير لا شك فيه لقانون طبيعي وما سبب التغيير إلا دعاء بشري صادق وبنيات صافية.
ويمثل الباحث الجليل بمثال آخر وذلك ما حدث في معركة بدر التي يُعتبر انتصار المسلمين فيها معجزة من المعجزات، قلّة في العدد والعتاد، أمام جيش عرمرم تدفعه أحقاد دفينة، يريد أن يدافع عن تاريخه كله.
وفي الوقت نفسه، قد يترتّب على هذا سؤال آخر عن سبب نجاح صلاة الاستسقاء في إنزال المطر، تارة، وعدم نجاحها تارة أخرى؟ ولماذا تحقّق النصر في بدر، ولم يتحقق في أُحُد، علما أنّ المسلمين دَعَوا ربّهم أن ينصرهم في المعركتين؟
يقول الباحث: المرجِع في هاتين الحالتين وغيرهما، التلاؤم مع سنن اللّه في الكون والحياة، مع القوانِين التي أودعها الخالق فيهما، إذ لا تكفي صلاة الاستسقاء، ولا يكفي الدعاء بالنصر على الأعداء، وإنّما لا بدّ من (النِّيَّة) الصافية (والإرادة) الصّادقة المترافقة مع العمل الحاذق المخلص، حتّى لو كان صلاة ودعاء. ذلك لأنّهما لا ينفعان لوحدهما.
ج- إننا ما زلنا لا نعرف كيف يُمكن لمشاعر المرء أن تؤثر في قوانين الكون، ولكننا نلمس آثار ذلك التأثير، كما هو معروف في الحسَد، مثلا، وتأثير النظرة الشّرّيرة تنطلق من مشاعر حقد وضغينة كم تبعث على الرهبة أو التحدّي أو الإضرار بالآخرين. ويؤكد القرآن هذه الحقيقة في عديد من آياته، كما في: (وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ. وَمَا هُوَ إلاّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ).
فالمشاعر النقيّة، والأحاسيس الرّضيّة، التي تطلب العدل وتسعى لتحقيقه أساس الحياة. والإصلاح منجاة من الهلاك. ومعلومٌ أنّ الإصلاح لا يتمّ إلاّ بالعلم النّافع والعمل الصّالح.
وهل ثمّة إرادة رضيّة أفضل من إرادة الحياة القائمة على العدل؟ فلمَ، بعد هذا كلّه، نحكم على الشّابّي أنه ارتكب خطيئة أو إثما، أو أنّه أخطأ وجه الصّواب، بله أن نتهمه بالكفر؟
ولا يكتفي الباحث برد فتوى التكفير، بل يواصل وضع الشابي في موضعه الحقيقي من مسار تاريخ الشعر العربي، حيث يعرب عن أسفه من أن كثيرا من الكتبة العرب، بحسن نية أو بسوئها، يسيئون إلى أبي القاسم الشّابّيّ جدا حين تأخذهم العصبية إلى غير الحق، فيخرجون على أبسط شروط البحث العلمي. ويا ليت حَسنِي النيّة منهم تأنّوا قليلا أو كثيرا قبل إطلاق الأحكام جزافا، وكأنّ مهمّتهم أن يصنّفوا الأدباء كما يفعل حراس حديقة الحيوان، فيضعون للقردة أقفاصا، وللأسود أقفاصا، وللببغاوات أعشاشا.. وهكذا..
بينما يرى الباحث أن الشّابّيّ هو مدرسة في الشعر قائمة بذاتها، أعمدتها الجمالية تتأصّل جذورها في معاناته للواقع وتعبيره عنه، من غير اهتمام بتصنيفها في هذا التيار أو ذاك أو ذلك.
ومنعا للإطالة في ما لا نفع فيه، واكتفاء بما قلّ ودلّ، لا يناقش المؤلف تلك التصنيفات جميعا، ولكنّه يأخذ مثالا عن مزاعم أنّ الشّابّيّ كان يأخذ أفكاره من جبران خليل جبران وشعراء المهجر، حتّى إذا جاء ذكرُ الناي، مثلا، في بيت له، سارع بعضهم إلى القول إنّه تقليد للرابطة القلميّة، خصوصا جبران خليل جبران! وكأن الشّابّيّ لم يرَ في بيئته ناياً ولم يعرف كيف يوظّف أنّاته الشاكية شعرا وحين يقول الشّابّيّ:

والليالي مغاور تُلحدُ اللحنَ
وتقضي على الصّدى المسكين

يُسارع المولعون بالتصنيف إلى القول بأنّه تعبير عن الألم، وبالتالي يكشف عن تأثر الشّابّيّ بالرومانتيكيين! متناسين آلاف أبيات الألم عند سائر الأمم من قبل الرومانتيكيين ومن بعدهم، وإلاّ ألا يستمعون لعشرات من قصائد الألم للمتنبي والمعري والطغرائي وغيرهم؟
وهل يكون الشّابّيّ مقلّدا لهؤلاء أيضا إذا قال:

يا موت! نفسي ملّت
الدنيا فهل لمْ يأتِ دوري؟

ألا يُلتَمس ذلك من مرضه ومن وضعه بشكل عام خاصّة وهو يقول:

الويلُ في الدنيا التي في شرعها
فأسُ الطعامِ كريشة الرسّامِ

إنّها معايشة الواقع والتعبير عنه لا الانحباس في قفص هذا التيار أو التأثر بذاك، فالانحباس والتأثر دالان على تهمة التقليد والتجمّد لا على التعبير عن الواقع ومعايشته بكل أفراحه وأتراحه وأحزانه.
ثم يتطرق الكتاب إلى الذين اتهموا الشابي بأنه كان يقلد جماعة أبولو في القاهرة، فيقرر المؤلف شيئا نقيضا إذ يقول: (أما قصّة الشاعر أحمد زكي أبو شادي، فتدلّ على الضّد مما قيل من أنّ الشّابّيّ كان يقلده ويقلد شعراء جماعة أبولو) ثم يذكر هذه التفاصيل: (سعى أحمد زكي أبو شادي صاحب مجلة «أبولو» التي كانت تصدر في القاهرة، لدى أبي القاسم الشّابّيّ أن يكتب الأخير مقدمة لديوان الأول. فكانت مقدمة ديوان «الينبوع» بعنوان (الأدب العربي في العصر الحديث). وفي مقابل ذلك تعهّد أبو شادي بطباعة ديوان الشّابّيّ، لكنّه ماطل ولم يفعل، بل لم يعد يردّ على رسائل الشابّي إليه. ربّما خضوعا للقاعدة المعروفة عن (تحاسد المتعاصرين) التي كان الشّابّيّ براءً منها. ذلك أنْ لو انتشر شعر الشّابّيّ يومها لكان شأنه وشأن أبولو برمتها شأنا آخر.
والكتاب، بعد هذا غنِي بكثير من الآراء التي تفتح أبواب الحوار والنقاش على مصراعيها، من أجل وضع النقاط على الحروف، والأخذ بالنهج العلمي في دراسة النصوص بعيدا عن الغرضية المسبقة.

أكاديمي تونسي – تونس

التكفير… من المتنبي إلى أبي القاسم الشابي

صلاح بلخالد الشريفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية