السلاح الجديد وغير السري لمحمود عباس والقيادة الفلسطينية هو التملق. وسواء كان الحديث يدور عن ثمرة تحليل نفسي أو عن غريزة اساسية لثعالب المعارك القدامى، فإن الفلسطينيين توصلوا إلى استنتاج أن الطريق لاحتلال قلب رئيس الولايات المتحدة هي مدحه دون حساب ودون التوقف عند الضوء الاحمر ودون التدقيق في سؤال إذا كانت هناك صلة بين السلام والواقع.
لقد حدد الفلسطينيون «الأنا» الخاصة بترامب كهدف، وهم يفرغون نحوه تشكيلة اقوال المدح التي لديهم. الجميع يشارك في الحفل، بدءا بعباس وحتى جبريل الرجوب وخالد مشعل من حماس ايضا، الذي انضم بشكل مفاجيء إلى طائفة المتملقين. وهم يعملون حسب نصيحة دايل كرينغي، مؤلف كتاب «كيف يمكن الحصول على الاصدقاء والتأثير على الناس»، حيث قال «التملق هو القول للشخص ما يفكر فيه عن نفسه بالضبط». عندما يقف ترامب أمام المرآة في البيت الابيض كي يسأل «أيتها المرآة، من هو الأكثر نجاحا في المدينة؟»، يقفز عباس أمامه ويجيب بلهجة لطيفة «أنت، يا سيدي الرئيس، أنت فقط».
لا يجب الاستخفاف بنجاعة المديح الذي لا اساس له، الذي يوجهه الفلسطينيون لترامب. فالحديث يدور عن شخصية أنانية لا ترى حدود قدرتها، مثلما تبالغ في تميزها. ونستون تشرتشل بجلاله استخدم التملق كأداة سياسية. وبهذا حظي بقلب رئيس الولايات المتحدة فرانكل روزفلت في الحرب العالمية الثانية، من أجل مساعدة بريطانيا المحاصرة. وهكذا ليّن موقف جوزيف ستالين من اجل ادخال المزيد من الروس إلى الحرب.
بنيامين نتنياهو هو تشرتشلي معروف، يدرك جيدا التحدي الذي يواجهه: في الاسابيع الاخيرة قام بقصف البيت الابيض بالمدح الكاذب، من التغيير الاستراتيجي الذي أحدثه ترامب حسب اقواله ـ قصف واحد في سوريا ـ وحتى القول بأن الرئيس الأمريكي صدّيق وحيد في سدوم يدافع عن الاطفال السوريين المساكين.
لكن عباس رغم ذلك يوجد في مكان متفوق، ليس فقط لأن نتنياهو لا يمكنه الاعتماد على أن وزرائه لن يهاجموا ترامب عندما يشمون بأنه بدأ يعمل بشكل جدي من اجل العملية السلمية. وخلافا لنتنياهو فان عباس يقوم بشحن الغرائز الكبيرة التي عبر عنها ترامب أمس، بأنه الرئيس الذي يستطيع ضرب جميع المحللين والخبراء الذين يزعمون أن السلام بين اسرائيل والفلسطينيين مستحيل. وعباس قال له نعم، أنت تستطيع. ولم يبق أمام نتنياهو أي خيار سوى أن يكون من يعكر السعادة، الذي يجب عليه مضاءلة حماسة الرئيس الأمريكي وأن يوضح له لماذا الموضوع ليس سهلا إلى هذه الدرجة.
من المعروف أن الشيطان يوجد في التفاصيل، بما في ذلك اولئك الذين منعوا تحقيق الاتفاق حتى الآن، وايضا القدرة السياسية والرغبة الشخصية للاتفاق عليها، وهذا ما ينقص عباس ونتنياهو. لقد عاد عباس أمس من جديد وأكد على طلب الفلسطينيين على حل الدولتين بناء على حدود 1967 وشرقي القدس عاصمة لفلسطين دون المعرفة إذا كان ترامب خلافا لأسلافه اوباما وكلينتون وبوش سيوافق أصلا على هذه الصيغة. في المحادثة المغلقة بينهما فهم ترامب بالتأكيد أنه من الاسهل على عباس أن يكون لطيفا مع الخارج من الاستجابة لطلبات الأمريكيين مثل وقف تمويل المخربين المعتقلين. وترامب ايضا ليس ساذجا إلى درجة أن يصدق بأن الفلسطينيين يربون أولادهم وأحفادهم على السلام، مثلما زعم عباس أمس، دون أن يرمش له جفن.
بالنسبة للمستوطنين ومن يؤيدونهم ما زال من السابق لأوانه الدخول إلى حالة الفوضى، لكن يمكن الدخول إلى حالة ضغط. وحقيقة أن ترامب اختار في بداية اقواله امتداح عباس على التوقيع على اتفاقات اوسلو، يجب أن تشعل الضوء الاحمر لديهم.
ولأن ترامب يؤمن جدا بأنه يمكنه تحقيق الاتفاق، هذا يثير السخرية، لكن القلق ايضا: خلافا لأسلافه يمكنه الموافقة على كلمة «لا» كاجابة. وحقيقة أن الفلسطينيين يهمسون في أذن الرئيس الأمريكي كل ما يريد أن يسمعه، حيث يصفونه بالواحد والوحيد والاستثنائي، فهم يتوسلون إليه تقريبا من اجل دعمهم وأن يكون الأب الذي لم يكن موجودا. هذا يعتبر مضحكا عند التفكير فيه، إلى حين أن نتذكر الامكانية المعقولة وهي أن ترامب سيوافق على طلبهم.
حيمي شليف
هآرتس 4/5/2017
صحف عبرية