الجزائر – محمد البختي: الأنماط الموسيقيّة في الجزائر تتعدّد قياساً بالحضارات التي مرّت على هذه الرقعة الجغرافية الواسعة. المتمعن في المشهد الموسيقي يلاحظ غلبة واضحة للرأي، الذي يكثر الاهتمام به من قبل جميع طبقات المجتمع لأنّه يحظى بشعبيّة لدى العامّة، وهو رمز راسخ ونمط موسيقي متجذّر في الثقافة الجزائريّة. والسؤال، إلى أيّ مدى تمكن الموسيقيون الشباب من تجديد المشهد والانفتاح على مختلف الأنماط الموسيقية في العالم؟
يحمل الجيل الجديد من الموسيقيين الشبان في الجزائر ثقافة وافكارا تجعلهم في رحلة بحث دائم عن التفرّد ومخالفة القدامى. هكذا يشقّ الكثير منهم طريقهم مع لامبالاة تامّة بالتقاليد البالية والعادات المزرية التي كبلت العقليات لمدّة عقود.
لقد كان حبّ الموسيقى وسيلة لكسر كلّ الحواجز والاستغناء عن «الأستوديو» فبغيتار وعزف منفرد قد ترى شابا يحتلّ الرصيف ويغزوه بموسيقاه الصاخبة التي تجذب المارّة وتؤنسهم في وحشتهم وسط مشاغل اليومي التي تحـيط بهم من كلّ جـانب.
لم تعد الموسيقى حكرا على الفنانين المعروفين فهذه الفرق التي لطالما ظلت على الهامش لا تنتظر تنظيم حفل أو مناسبة بل تتّخذ من الشارع مقراً لمزج الروك والراي والغناوة وغيرها من الأنماط في خليط عجيب وجو غير معتاد، الألحان تختلط بأصوات السيارات وصياح الباعة.
انعتق الموسيقيون الشبان في الجزائر، كما في جلّ البلدان العربيّة، من القيود وانطلقوا بحريّة مع آلاتهم مكتسحين الفضاء العام. ظاهرة قد تكون انعكاسا (أو اقتداء) بمجموعة من التجارب السابقة التي غردت خارج السرب مثل مجموعة «لاباس» والتي كانت فكرة ناجيم بويزول والذي العزف في الجزائر لينطلق فيما بعد الى العالميّة. كما توجد أيضا فرقة «بابيلون» المعروفة بأغنيتها الشهيرة «زينة» والمتحصلة على جائزة أحسن فرقة موسيقيّة لسنة 2014. ما يمكن أن نذكر أيضا فرقة «الداي» والتي تميّزت بإيقاعاتها الجامعة بين الغناوة، الشعبي والفلامنكو.
إضافة الى هذه الفرق التي تكونت من الشارع وقدّمت موسـيقى متميّزة، نجـد في المشهد الموسيقي الجزائري مجموعـة من المواهب التي سلكت طريقا مغايرا وأضافت للسـاحة على طريقتها مثل الفنانة آمال زان التي نالت العديـد من الجـوائز منها اكتشاف حفلة الموسيقى التي أقيمت في الجـزائر سـنة 2011 لـتنطلق بعـد ذلك في انتـاج أغـاني تتـميّز بطـابعها المتـراوح بين الشـعبي وموسـيقى الروك.
ايدير سالم أيضا مغني قبائلي نجح في فرض نفسه على الساحة من خلال تمكنه من اجتياز مناظرة تم قبوله اثرها في الراديو ومن هناك يبدأ في تحقيق مشروعه الموسيقي القائم على مقطوعات غنائيّة تحظر فيها اللغة الفرنسيّة مع لغته الأم.
في سياق آخر، وبعيدا عن هذه التجارب التي ترجمت على أرض الواقع الى مجموعات موسيقيّة وفنانين يقدمون أعمالا متنوّعة وثريّة، تبقى ثقافة الهيب هوب في الجزائر من نقاط الاستفهام الكبرى اذ لم تشهد الساحة رابر يخرج بهذا الفن الى العالميّة مثلما فعل لطفي «دوبل كانو» فموسيقى الراب في الجزائر ظلّت حبيسة تجارب محتشمة لمجموعة من الرابرز (جينجا/ ماسي سامبل) التي لم ترتق الى تجارب التونسية والمغربيّة الحاليّة.
عازفون منفردون، مجموعات موسيقيّة أو رابرز يبدو أنّ المشهد الموسيقي في الجزائر بدأ يتخلّص من سطوة الراي وذلك من خلال بروز جيل جديد من الشباب الصاعد المقبل على تجارب هدفها أساسا التجديد والبحث عن المغامرة الموسيقيّة.