بتركيز حركة المقاومة الإسلامية على العوامل والاعتبارات الخارجية المحيطة بالقضية الفلسطينية وسعيها الحثيث إلى حجز مقعد لها في قطار تسويتها ذات العمر المديد من خلال مبادرتها الذاتية المتجلية في»وثيقة المبادئ والسياسات العامة»، التي أعلنها رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل أخيراً، أخرجت «حماس» نفسها من حيز الآيديولوجيا وجمودها إلى حيز السياسة ومرونتها، منخرطة بذلك في سباق التمايز في الخطاب السياسي الذي بات يجمعها مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، فأصبحت الحركتان تسيران جنباً إلى جنب وباتجاه واحد لا تحدد معالمه مضامين ومفاعيل قضيتهما الوطنية في مستواها الداخلي، بل ضرورات تأمين القبول الاقليمي والدولي لهما في لعب دور محتمل في رسم الخارطة السياسية لفلسطين المستقبل وتعيين صيغة نهائية لحل القضية الفلسطينية في اطار المعطيات السياسية الراهنة.
الإضافة الوحيدة التي طرحتها حركة حماس في وثيقتها الجديدة المباغتة من حيث المعطيات المستنقعة التي باتت تخنق القضية الوطنية الفلسطينية، لا تعدو كونها إحدى أوراق الاعتماد المطلوب من الحركة تقديمها للمجتمع الدولي تمهيدًا لانخراطها في تسوية فلسطينية – اسرائيلية محتملة لا تزال معالمها غامضة حتى الآن، وما دون ذلك وما فوقه يبقى محنطاً في قوقعة العبث بمفردات الصراع العربي-الاسرائيلي لا أكثر ولا أقل، اللهم إلا إذا استثنينا ذلك البند من الوثيقة الذي يعلن عن فك ارتباط الحركة الاسلامية الوطنية بحركة الإخوان المسلمين الكونية، وهو تساوق أيضاً مع متطلبات إقليمية ودولية لا يمت للقضية الوطنية بصلة.
بذلك، تسعى الحركة إلى وضع نفسها على سكة مسار ذو وجهة واحدة لا يخرج البتة عن إطار التكيف مع متطلبات وشروط اللعبة السياسية الدائرة رحاها في حلبة الثوابت الوطنية الفلسطينية وعليها وخارج المبادرات والمقترحات التقليدية لتسوية الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي، ما حتم على الحركة الاسلامية تقديم تنازلين رئيسيين في وثيقتها الجديدة، أحدهما فكري شمولي والآخر وطني سياسي، مثلما فرض على منظمة التحرير الفلسطينية قبلها بسنوات طويلة تقديم سلسلة من التنازلات المتدحرجة على مستوى تلك الثوابت الوطنية والتعاطي معها بمرونة أفقدتها الكثير من مضامينها.
التنازل الأول، الذي يمكن اعتباره حميداً، يتعلق بفك ارتباط الحركة بشقيقتها الكبرى حركة الإخوان المسلمين الكونية، وما يعنيه ذلك من انخراط أحد أكبر الفصائل الفلسطينية في المشروع الوطني الفلسطيني بمفرداته التحررية الوطنية بعيداً عن العقيدة الكونية ومتطلباتها والتزاماتها وتداعيات الانخراط الكلي في صفوف القوى والأحزاب التي تتمثلها فكرًا ومنهجاً للعمل السياسي،علماً بأن خطوة حماس في هذا الاتجاه لها مثيلاتها في تجارب عربية عديدة لم تفض إلى ما تصبو إليه فيما يتعلق بمحاولة تغيير صورتها وجعلها مستساغة من جانب المعترضين عليها في المنطقة والعالم، فلقد سبقتها إلى ذلك حركة الاخوان المسلمين في مصر، التي لم تفلح في اقناع تلك الجهات المعترضة بسلمية فكرها وأدوات عملها، وكذلك فعلت نظيرتها في سوريا وغيرها من الحركات الاسلامية في المنطقة. لكن تبقى لكل تجربة إخوانية خصوصيتها ويبقى قوس مقايضة الآيديولوجيا بالسياسة والكونية بالوطنية مفتوحاً في الحالة الفلسطينية.
أما التنازل الثاني المتعلق بقبول حركة حماس قيام دولة فلسطينية على حدود السادس من حزيران 1967، فإنه يصب في خانة المقايضة العقيمة ذاتها، ذلك أن صعوبات اضافية تقف بالمرصاد أمام خطوة حماس هذه لا سيما وأن «الشريك الاسرائيلي» في هذه المقايضة لن يحيد عن نهج المراوغة وكسب الوقت وسحب أوراق القوة من يد «الشريك الفلسطيني» ورقة تلو الأخرى مهما تباينت منطلقاته الفكرية والنظرية، ومهما اختلفت أدوات عمله السياسية لا لأن الأول لا يريد السلام فحسب، بل لأنه لا يحتاجه أصلاً في ظل سيطرة معادلة القوة التي أخرجت الدولة العبرية إلى حيز الوجود عام 1984 وأبقتها على قيد الحياة مزهوة بنفسها طوال العقود السبعة الماضية التي مرت على النكبة الفلسطينية، ما يجعل من أي محاولة للتكيف مع وضعية «الشريك» في الجانب الفلسطيني ضرباً من العبث.
كان بإمكان حركة حماس ألا تقع في فخ مسلسل التنازلات العبثية بسلوكها مسلكاً مغايراً من خلال السعي الجاد لإنهاء حالة الانقسام الفلسطينية – الفلسطينية والالتحاق بركب منظمة التحرير الفلسطينية بعد إعادة هيكلتها وتقديم أوراق اعتمادها ليس للخارج الإقليمي والدولي ولكن إلى الداخل الفلسطيني الذي يشكل، في المحصلة النهائية، بيضة القبان وخشبة الخلاص الوحيدة للنظام السياسي الفلسطيني وتخرجه من حالة التجاذبات السياسية الخارجية القاتلة لمشروعه الوطني.
كما كان في وسع الحركة الاحتفاظ بميثاقها الأساسي، الذي وضعته لنفسها عشية انطلاقتها عام 1988 لكن يبدو أنها ومنذ انطلاقتها قد رسمت لنفسها خطاً موازياً للنظام السياسي الفلسطيني بطريقة تسمح لها بالبقاء خارج هذا النظام الذي تعتبر نفسها فوقه لا جزءاً منه، الأمر الذي كرسته عملياً عام 2007 إثر انفصال الضفة الغربية عن قطاع غزة.
كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة