لماذا تقبل حماس اقتسام فلسطين مع إسرائيل بحدود 1967 وترفض اقتسام غزة مع فتح؟

حجم الخط
4

كان خالد مشعل واضحاً للغاية في حديثه لقناة الـ»سي إن إن» الأمريكية، فوثيقة الحركة الجديدة رسالة موجهة للغرب، لعله «يلتقطها» مع ترامب كما قال مشعل، ودولة الـ67 التي تجاور اسرائيل خرجت من خانة المحرمات الوطنية لدى حماس التي باتت تنتظر الفرج ممن يضعها على قائمة الإرهاب.. الأمريكيين!
الرد الأمريكي والإسرائيلي جاء سريعاً وسلبياً تجاه الوثيقة رغم ان دولتين صديقتين للولايات المتحدة كانتا وراء إقناع حماس بإجراء عملية التجميل المكلفة هذه دون أي مقابل، وغزة بلا كهرباء حتى، في تواصل للسياسة المعتمدة للدول العربية وتركيا تجاه غزة،  بمحاولة تحسين ظروف سجناء غزة دون حل جذري لإطلاقهم! ودون حتى ان يستطيعوا تأمين الحد الادنى من الحماية لغزة من أي عدوان تهدد فيه إسرائيل باستمرار قد يطيح بحماس او يحجم من نفوذها على القطاع.
لكن لماذا تعتقد حماس وشقيقاتها من الحركات الإسلاموية الحداثية انها تستطيع بقفزة هوائية واحدة ان تصبح صديقة لخصوم أصيلين كالدول الغربية التي أوجدت ودعمت عدوتها اسرائيل؟
ولماذا يسهل إقناعها دائماً بأن الحل يبدأ من التقرب لواشنطن ولندن وليس التقريب بين غزة ورام الله مثلاً؟!  وما هو يا ترى المنظور القيمي الذي يدفع حماس الآن للقبول باقتسام فلسطين مع اسرائيل على حدود 67 دون القبول حتى الآن باقتسام غزة مع فتح على حدود 2007؟!
يبدو غرام الاسلاموية الحداثية بالتقرب للغرب زلفى،  وكأنه ينم عن شعورهم بفشل مشروعهم للمواءمة بين الإسلام السياسي وشروط التأهيل الغربي، على طريقتهم، ليتحولوا الى حركات لا تحمل من الضوابط المرجعية الاسلامية الموجهة للرؤية السياسية إلا شعارات معدة للاستهلاك المحلي، ويهيمن على بوصلتها العملية إيمان مطلق بأن العدو الذي هزمنا هو نفسه المخلص!
وقد يقول قائل إنها براغماتية زمن الهزيمة، ولكن في هذه الحالة لماذا الزج بالمرجعية الاسلامية وتعريضها للتشويه المعنوي أيضاً، ما دامت هذه الحركات غير مؤهلة لحمل ثقل قيود هذه القيم الصارمة، والمعدة لمن يبحث عن مكان طليعي كمشروع أمة قائدة في منطقتها على الاقل، وليست بضاعة للمتاجرة بيد هواة التبعية لكل من هب ودب من أمم الارض التي تهيمن علينا من إيران شرقاً حتى الولايات المتحدة غرباً..
ففي العراق ، تكرر حماس العراق (وهو اسم فصيل عسكري للإخوان العراقيين تيمناً بحماس فلسطين) تكرر التجربة ذاتها بتناقضاتها التي درجت عليها حركات الاسلام الحداثي، تتمثل في المرونة الفائقة والتحالف مع الخصوم والاعداء والتصلب التام مع القوى الشقيقة، والتعلق بالقوى المحتلة وداعميها من ايران والولايات المتحدة لتحقيق وجودها السياسي الحزبي المحض، فحماس العراق رفضت خلال سنوات المقاومة ان تحتمل وجود قيادي اسلامي رائد كالدكتور مثنى الضاري في هيئتها القيادية وانشقت عن كتائب العشرين، ولكنها تحملت ان تعمل تحت قيادة ومشروع الجيش الأمريكي بالعراق لمحاربة القاعدة، وتواصل القتال اليوم تحت قيادة قوات الحكومة الشيعية في الانبار، ورفض حزبها الاسلامي منذ عقود ان ينهي العداء مع نظام الرئيس العراقي صدام حسين الذي تكفره، ولكن هذا الحزب الاسلامي السني هو جزء اساسي اليوم من حكومة ايرانية في بغداد، ويقاتل مع قواتها الميليشياوية ضد كل المدن السنية المتمردة على حكومة بغداد، كما انفرد قبل عشر سنين ممثلهم الهاشمي بتمرير الدستور العراقي بعد الاحتلال رغم معارضة كل القوى السياسية السنية، إلا أنه كان واثقاً من نصائح صديقه السفير الأمريكي زلماي خليل الذي طمأنه بأن هذا الدستور جيد للسنة!   
ولا يختلف الحال في سوريا، فحركات الإسلام السياسي المقربة من الحكومات وافقت على كل التسويات وانخرطت بمحادثات استانة بضمانة أعدائها روسيا وإيران ولكنها لم تمتلك أي رؤية أو رغبة جدية لتسوية مع الفصائل الجهادية والإسلامية الشقيقة..
 صحيح ان التصلب بالموقف والاقصائية صفات تشترك فيها ايضاً الفصائل الاسلامية الجهادية الاخرى والحركات القومية واليسارية، ولكن اللافت حقاً ان الحركات الجهادية ومعظم القوى القومية الاصولية واليسارية لم تنخرط في هذا السباق المحموم لإرضاء القوى الغربية، فهي ورغم أنها تشترك مع حركات الإسلام الحداثي بالإقصائية لشركاء الداخل إلا أنها حافظت على درجة عداء وتصلب مبدئي مع القوى الغربية التي ما زالت تصطدم معها مبدئياً.   
تعتبر حماس أن حدود فلسطين من البحر للنهر، وكحركة إسلامية المرجعية لا يبدو واضحاً من أين استقت هذه الحدود، فمنذ قدوم الإسلام لأرض الشام لم تعرف فلسطين دولةً مستقلةً أو لغةً او شعباً متمايزاً عن محيطه الشامي او الاسلامي المشرقي، بل انه وحتى قبل مائة وخمسين عاماً كانت معظم مدن فلسطين الهامة بما فيها القدس جزءًا من ولاية دمشق العثمانية، لذلك فان الحديث من قبل حركة اسلامية عن حدود دولة وطنية يثير العديد من التساؤلات حول المرجعية التي تستقي منها هذه التعريفات البالغة التأثير في فهم معنى الصراع وعمقه، فجزءٌ أساسي من المشكلة الفلسطينية ان هناك من يصدق ان قوى محلية في مدن صغيرة كرام الله وغزة تستطيع الدخول بصراع متكافئ مع كيان عقائدي يعتمد على دعم ممتد غربياً عابر للقارات وليس فقط الحدود الوطنية، ولعله من المستغرب ايضاً  ان تفكر الحركات الفلسطينية كما تفكر اسرائيل المعزولة في منطقتنا قومياً ودينياً، بالاستعانة بقوى غربية في أقاصي الارض، فالمفترض أن حركات النضال الفلسطيني وسط محيط يجمعها بروابط قومية ودينية راسخة هي التي تمكنت تاريخياً من تحرير فلسطين الذي كان عبر بوابة دمشق دائماً، ولن تتمكن أي حالة فلسطينية من أن تقوم لها قائمة دون اعادة هذه الوشائج بمحيطها العربي وترجمتها بكيان سياسي وعسكري يمنحها الدعم.. 
فما بالك أن تكون حركة محاصرة في سجن اسمه غزة وتعتقد أنها ستنجح بمواجهة متكافئة مع اسرائيل ومن ورائها قوى العالم الغربي، وتتبنى في وثيقتها المزيد من الاصرار على بقاء مشروعها في اطار هذه الحدود.. وتعود التناقضات العملية لتظهر عندما يتم الحديث نظرياً عن منظمة التحرير الفلسطينية كإطار شامل للفلسطينيين بينما تفشل فتح وحماس عملياً  في تطبيق هذا التعايش الفلسطيني في غزة رغم حصارها ومآسيها التي يفترض ان تشكل اكبر دافع للتلاحم كفلسطينيين.. وما داموا يواصلون العمل من هذه المنطلقات والنظرة المحلية الضيقة بالتعامل مع النزاع، فستواصل حماس الإخفاق في الطريق نفسه الذي سبق ان اخفقت فيه حركة فتح!
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

لماذا تقبل حماس اقتسام فلسطين مع إسرائيل بحدود 1967 وترفض اقتسام غزة مع فتح؟

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية