دين الحرية ضد سياسة الغولاغ

كانت حياة الأستاذ محمد الطالبي، الذي انتقل أول هذا الشهر إلى رحمة الله تعالى عن سن تناهز الخامسة والتسعين، حافلة بالجهد الفكري والبحث الأصيل، حيث نشر حوالي ثلاثين مؤلفا وأكثر من مائة بحث في الدوريات الأكاديمية المتخصصة. وقد كانت سمعته مقتصرة، بطبيعة الحال، على النخبة من المثقفين والطلاب، حيث أنه كان أول عميد لكلية الآداب في تاريخ الجامعة التونسية. إلا أن حياته المتسمة بالهدوء الأكاديمي قد شهدت تحوّلين لافتين.
أحدهما: أنه قد صار بعد الثورة معروفا، بل مشهورا، لدى الجمهور. ولكن المحزن أنه اشتهر للأسباب الخطأ، كما يقول التعبير الانكليزي. إذ ان ظهوره في القنوات التلفزيونية في الأعوام القليلة الماضية قد جنى عليه لأنه اقترن بإعلان أفكار واجتهادات في الشأن الديني تخالف ما استقر عليه رأي عامة المسلمين. فكان أن اختزله التلفزيون في مجرد صورة شيخ تسعيني مثير للجدل. وهذه من جرائم دكتاتورية التسلية التلفزيونية: تستطيع أن تجعل من المفكر المؤمن الراقي اسما معروفا لدى الجمهور، ولكنها لا تسمح للجمهور بأن يعرفه على حقيقته.
تلك هي قصة محمد الطالبي مع بلاده في السنوات الأخيرة: مشهور ولكن غير معروف!أما التحول الأسبق، فقد حدث في منتصف التسعينات، حين اضطر الطالبي إلى التمرد على حكم بن علي وفضح انعدام الحريات في «دولة القانون والمؤسسات». وكان ذلك بعد أن قام الموظف المسؤول عن الرقابة على المنشورات في وزارة الداخلية بنشر ثلاثة مقالات في جريدة «الصحافة» يتهم فيها الطالبي بأنه «متطرف». كما قام وزير الثقافة باستدعاء الطالبي لإخطاره بلزوم التخلي عن رئاسة اللجنة الثقافية القومية لمجرد أنه أصدر عام 1994 كتابا حواريا بعنوان «عيال الله: أفكار جديدة في علاقة المسلم بنفسه وبالآخرين» أبان فيه عن استقلالية فكرية نموذجية وعن التزام إيماني عميق نابع من يقينه بأن الإسلام دين الحرية. فكتب الطالبي مقالا يفضح فيه الكذب الرسمي ويطالب بحرية التفكير والتعبير.
ونظرا إلى استحالة النشر في تونس، فقد نشر المقال في جريدة «الحياة» اللندنية. فاستدعاه وزير الثقافة الجديد ونبهه ناصحا، بحكم ما بينهما من الزمالة الجامعية والاحترام المتبادل، بأنه يعرض نفسه للخطر. كما أن الطالبي كان، مع أستاذ القانون المرحوم محمد الشرفي، من الموقعين في 7 أيلول /سبتمبر 2004 على عريضة موجهة إلى رئيس المجلس الدستوري للاعتراض على ترشح بن علي لولاية رابعة.
أما بورقيبة، فقد كان الطالبي من مؤيديه. ولكن اللافت أنه لم ينتم أبدا إلى حزب الدستور، ولم يكن له أي نشاط سياسي عندما كان طالبا في باريس، بخلاف بقية التونسيين الذين كان معظمهم مسيّسا، على غرار المرحوم محمد مزالي الذي قال عنه الطالبي إنه كان في شبابه «متحمسا جدا للقضايا السياسية». وقد كتب الطالبي مقالتين عام 2000 وعام 2004 في مجلة «جون أفريك» يتضح منهما فهم تاريخي ونفسي عميق لشخصية بورقيبة. كما أنه بين في كتابه «الغولاغ والديمقراطية»، الذي رفضته جميع دور النشر الفرنسية عام 2007 لأنه كان لاذعا في التنديد بدكتاتورية بن علي (الذي كان يحظى آنذاك برضا الدول الغربية)، أنه يحترم في بورقيبة الرجل المثقف المستنير، مع وعيه بأنه كان مستبدا. ومن مميزات الطالبي أنه كان كثير الكتابة في الصحافة، وخصوصا بالفرنسية، وأنه كان يأخذ الحوارات مع الصحافيين مأخذ الجد. وعندي في الأرشيف الشخصي حوارات له مع صحف عربية وغربية، منها حوار نشرته «القدس العربي» بتاريخ 12 نوفمبر /تشرين الثاني 1996.
والأستاذ الطالبي، رحمه الله وغفر له، مؤرخ بالأساس. وقد كانت رسالته للدكتوراه تتعلق بتاريخ إمارة الأغالبة الذين اتسم حكمهم في إفريقية (تونس) باستقلال نسبي عن حكم العباسيين. وبما أن من الباحثين من يرى أن بوادر نشوء الكيانات المستقلة في المغرب العربي قد بدأت في القرن السابع عشر في سياق تداعيات الأزمة التي أصابت المؤسسات العثمانية المركزية، فإن من الجدير التذكير بأهمية البحث الذي قدمه الطالبي عام 1978، في ندوة في تونس عن الذاتية العربية بين الوحدة والتنوع، لأنه شرح فيه كيف أن مظالم الأمويين وسياساتهم الملتوية قد أدت إلى زرع بذور الشعور بقوميات محلية في المغرب العربي منذ أوائل القرن 2 هجري (8 ميلادي).

٭ كاتب تونسي

دين الحرية ضد سياسة الغولاغ

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية