وطن الفقيد ومنفي بارد

حجم الخط
0

وطن الفقيد ومنفي بارد

عبد الكريم كاظموطن الفقيد ومنفي باردفي العراق، وفي وسط العاصمة بغداد حيث لم تتضح بعد كراديس القتلي بشكل منتظم، كان الشاعر يعتلي صهوة قصيدته البيضاء، بينما يجللّه ثوب أسود فضفاض ويري من جهة الرصافة خوذة امريكية حمراء ومن جهة الكرخ كابوس وعمامة سوداء، كان يقف بين حشد المذهولين ذلك الشاعر في سنته الثانية والخمسين، نزل من القطار القادم من كربلاء مع قصيدته، وكان دمٌ قد تيبس علي أنفه، وبان واضحاً أثر عـّدة ضربات شعرية من سيف المنفي تحولت الي جروح، كلمات وقصائد تقول: (صبراً للطبائع الأربع، وكان لا يزال يرتدي حنينه الأبيض من قماش الوطن / الكفن، ثم قال لنا: الفاجعة ستحل بعد قليل، انتظروا قليلاً…لقد صمت كل شيء من حوله، ولم يعد يسمع سوي صوت قصيدته الوحيد الذي انطلق متحشرجاً مكبوتاً ومخلوطاً بأنين واهن… بلادي.. بلادي و هو يفكر بشمس نيسان الساطعة ونيسان (أقسي الشهور) كما قال إليوت، وقفت قصيدته الأخيرة أمام الطاولة وقالت له: اسمع يا كمال ستموت حالما تنتهي من كتابتي، فـرّد عليها: حسناً.. هل سيتبعني أحد المخبرين؟ أبداً، لا أحد ومع ذلك يجب عليك ان تحتاط، كان يبتسم ويقول في سرّه.. لعلها تفكر بالسهولة التي ستقبض بها علي الشاعر في أقصي لحظة من لحظات التجلي، أما كان الأجدر بنا أن نموت معاً.أنت حكيم المدن الآن… أتعرف ذلك؟الحياة يليها الموت ولكن المنفي معراج دائم .. والذي يعرف الموت لا يخشي الموت، وهذه المعرفة ليست غاية في ذاتها.. انها مناورة شعريةمحضة علي غرار الشاعر الهارب صوب القصيدة، أعرف أنك ستضحك لذلك بطريقتك المجلجلة. هكذا ها ها ها..كمال سبتي الشاعر البعيد والغريب في الجنوب الهولندي.. هل تجرأ علي وضع حد لميتاته المتكررة بعد أن عاش حياة النفي والمنفي؟انه لا يحتاج في هذه الوقفة الي تعريف أو الي اعادة التذكير بمنجزه الشعري .. فهل اكتفي أخيراً بتسديد كلمات قصيدته الأخيرة الي زاوية حتفه وأنهي لوعة الشعر علي كرسي الشعر وطاولة القصيدة مثلما فعلها الماغوط.الشاعر المشرد بين مجد الشعر وحياء الشاعر.. هو اليوم (الشاعر شهيداً) تحت سماء غريبة، بعيداً عن سماء الوطن الملبّدة بالموت والخيانة.ثمة شعراء أكلت قصائدهم ودواوينهم الشعرية الحروب. آخرون انهاروا أمام شدقي صدام حسين وهو يلتهم قصائد اليمين واليسار. ثمة شعراء يبحثون حتي اللحظة تحت سماء أوطانهم عن ملاذ آمن في بلاد فقدت ساقيها تحت علم الدولة (المحررة).نظام رحل وآخر حلّ بالزي الامريكي.. من هنا سوف يدرك اللاحقون فاجعة الوهم وهم يبحثون عن نجمة الصباح في بلاد لا مكان فيها للنجوم، فهل سينتظر الشعراء العراقيون طويلاً أمام باب جهنم؟ من سيؤرّخ موتنا اللاحق بعد رحيل موتنا السابق؟ لربما سنتلاعب بالالفاظ مثلما فعلها ذات ديوان شعر صديقنا الشاعر عبد الرزاق الربيعي حين كتب: الحاقاً بالموت السابق، لكننا حتماً سنقرأ يوماً ما نبأ موتنا في صفحة من الصفحات.هل سقط الشعر العراقي بين جدران بابل التي رممّها البابليون وأطاح بها اليانكيون؟اليوم يا كمال.. أقف أمام موتك مفزوعاً علي حلم كنت تريده للعراق وأندهش لملامستك أياه.. لحظة الموت. أتحسر لعدم رؤية وجهك القريب من شاشة الكومبيوتر.ألوذ بقصيدتي التي أهديتها لك ذات مساء من مساءات المنفي الثقيل.وقائع هروب شاعر غامر صوب القصيدة التي لم تكتمل بعد .. كم كنت أتمني أن تقرأ هذه القصيدة؟بين موتك وصمتي أقول: عجبي للعراق!!ماذا يفعل الشاعر في وطن مثقل بالحقائق المرعبة والرازح تحت هيمنة وتسلط الأنظمة المستبدة؟اليوم ياكمال سبتي.. أدركت ما كنت تقوله لي عبر الهاتف: الشاعر يتغلغل في كل مسامات الحياة ويستولي في كل صباح علي قصيدة جديدة ليكمل بناء برج أحلامه الشعرية، ومهما كان الشاعر معزولاً ومنعزلاً، مطروداً ومطارداً، منفياً ومُغتالاً.. سيجد نفسه دوماً مطالباً بتفسير كل ما يحدث له ولبلاده بالشعر، هذا هو الرهان الأشد عسراً باثبات شرعية القصيدة بعد أن تهاوت الأحلام.الموت يا كمال.. في هذا الكون متعدد وهو عصي علي الفهم.الشعر يا صديقي شأنه شأن الحياة، ولكن متي ينتصر علي الموت؟ ومنْ الذي سيجعله ينتصر.. الشاعر أم موته؟لقد قرأت مرة أن الشعر انتصر في آخر المطاف علي الحقد من خلال قصيدة كتبها (الأنباري) والتي يرثي بها الوزير (ابن بقية) عندما قتله (عضد الدولة) والتي مطلعها:علو في الحياة وفي المماتلحق تلك احدي المعجزاتولكن لم أسمع أن الشعر انتصر علي الموت.. والسياب ماثلٌ أمامنا منذ قصيدة (حفار القبور)، واذا كان ثمة من لا يزال يكتب الشعر، هل يستطيع الوقوف أمام الموت، وإن لم يستطع فليشتمه .. بكرة وأصيلا.. تري هل سيسمعني:اسامة العقيلي، مفيد البلداوي، سليمان جوني، نصيف الناصري، ستار موزان، اسامة عبدالرزاق، جواد الحطاب، حسب الشيخ جعفر، صلاح حسن، سعدي يوسف، صفاء ذياب، سعد جاسم، جمال كريم، كريم شغيدل، وسام هاشم، هادي القزويني، سعدي شياع، هادي الحسيني، رياض وابراهيم سبتي، زعيم الطائي، حسين حسن، عباس الحربي وآخرون في الذاكرة…يا كمال…يا حكيم المدن قبالة بريد موتاك العاجلتجاه آخر مدنك المقدسةازاء آخرين غيرك ماتوا قبل هذا الوقتبنقاوة وردة البحرمن اجل ظل شيء مالأنني ثمل بومضات .. الخمريات الأربعفي متحف بقايا الأصدقاء الجحودينلا أقول صبراً لطبائع الموت المجحفةأقف مندهشاً لبقائي علي قيد الحياةو نابحاً ككلب لموتك المدويبت أعتقد يا صديقي أو هذا ما أوحت به القصيدة أن للشعراء شأناً في صنع المعجزات … ألم يقل الفرنسي جان راسين ذات مرة: ان الشعراء يزعمون أنهم أنبياء.نامي أيتها الروح لكن بسلام هذه المرة.كمال سبتي… القصيدة ترمي قوافلها أمام عتبة داركعن حالات الشاعر ووصفهالحالة الأولييداك وهما تمسكان القلمخيمتان تظللان القصيدةالحالة الثانيةروحك العائمة في الفضاءقبرةٌ تضيء البياض بالكلماتالحالة الثالثةلاتقل لي ضاقت الكلماتستأتي القصيدة بقوافل منهاوترميهـا امام عتبة داركالحالة الرابعةأتساءل …كيف تغدو القصيدة مثل البيتوالوطن النائي شعراًالحالة الخامسةشهقة واحدةهي القصيدةويندثر العالمالحالة السادسةكل مساءتتدحرج القصيدةوالشرفة خاليةما أحلي الشرفةوما أدهي القصيدةالحالة السابعةتتربص القصيدة بالشاعريتربص الشاعر بالكلماتيمد الشاعر كفاًتمد القصيدة ناباًفي وصف الشاعروحــدهُ كان هناكالشاعر المنزوييكتبُ قصيدته الأثيرةويزين كلماتها بالظلالينتظرُ شيئاً لن يراهيتبدد داخل غرفته المعتمةملتحفاً النوافذ المطفأةحين …يدخلُ خلسة حيث لا أحد في البيت سوي الشعريشطبُ ظنونه ببداهة طفلمردداً…ما أجمل المتعة بالخيالهل لك أيتها القصيدة أن تكتبيني؟كي أشرع لدفء الكلام شساعتيوأطفي جذوة القلقنمل أسودحذر غريبوانسجام متنافريعطي روحه للشعرأشاعرٌ أنت؟ام طفلٌ يعبثُ بالألوان؟هكذا تستقبلني القصيدةبحذرها الغريبوهي تستعرض كلماتها المرصوفة بأناقة النملنقشر الكلمات معاًلنزرع المخيلةلا سلام في الشعرلأن زيت القصيدة متهم بالاحتراقوهكذا إذن أيها الشاعريتشكل ازاء مفرداتكالحلم والوهم معاًلا تحاول الاختباءفكلما اشتد أوار القصيدةوانحسرت في روحك الكلماتغاص الغياببحروف أخريتتهجي حقلاً غريباً من المعنيلست معنياً بالبداهةلكنك مرصود بهااذ ينبغي لك أن تكتب هذا العمر البخسكما تشتهي لا كما يشتهون مُــّرة في الغيابوقارسة في الحنينومع هذا ففي القصيدة متسع لهدهدة الطفولةحين يتكور العالم بين يديكأيها الشاعر دائماً…أستلُ من مصابيح المفرداتضوءاً ناصعاً فينفلت الحلم علي هامش النومناعماً ودوداًثم يرتبك ازائيمحاولاً الاختباء ازائكبعين القصيدة الأثيرةأو في الشعرلا فرق23 نيسان (ابريل) 2006 مدينة شتوتغارت الألمانيةشاعر من العراق يقيم في المانيا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية