أروى حلاوي تروي تجربتها مع ابنها: تقبّل الأهل والتدخّل المبكر يخفّفان من معاناة المصاب بـ «التوحّد»

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: من قلب المعاناة، وُلدت التجربة. كم من الصعب على أم أن تكتشف أن طفلها الذي تحتضنه بين يديها، غير قادر على التفاعل والتواصل معها. وكلما كبُر يوماً كبُرت معه المشكلة من دون القدرة على تشخيص الأسباب. ففي الثمانينات من القرن الماضي لم يكن ما يُعرف بمرض «التوحّد» (Autism) شائع الصيت أو معروفاً كما اليوم. تقول أروى الأمين حلاوي، الأم التي عاشت التجربة مع ابنها البكر عباس، المولود عام 1988، أنها قابلت الواقع بالإنكار أولاً، ثم بعدم التقبّل، حيث بدأت الأسئلة الصعبة تراودها: لماذا أنا؟ نحن؟ وليس الآخرون؟ ومن ثم الكآبة والدخول في وضع نفسي صعب، عليها وعلى عائلتها، لينتهي بها الأمر إلى التقبّل، بعدما تعرّفت على 5 أمهات لديهن أولاد مصابون بأعراض التوحّد، واستطاعت تبادل تجربتها معهن ما شكّل لها ارتياحاً نفسياً وتفهّماً.
تلك التجربة الشخصية دفعتها والأمهات الخمس إلى تأسيس «الجمعية اللبنانية للتوحّد». كانت الأولى في لبنان عام 1999، من أجل تقديم الدعم النفسي للأهل لتخطي الصدمة الأولى وإدراك كيفية التعامل مع ابنهم المصاب بأعراض التوحّد، والأهم مساندة الأطفال عبر الاكتشاف المبكر، وهو ما لم يكن متوفراً في زمن طفولة عباس وأقرانه، إذ لم يتم اكتشاف حالته إلا بعد بلوغه الخمس سنوات، نظراً لغياب الإخصائيين في هذا المجال.
عباس الذي يبلغ اليوم من العمر 27 سنة تعتبر حالته وسطية، لكنه لا يقرأ ولا يكتب لأن المعالجة المطلوبة لم تكن متوفرة يومها. يُحبّ الطبخ ويذهب إلى الـ «دايت سنتر» مرتين في الأسبوع لاكتساب مهارة الطبخ، فيما يتلقى تعليماً مهنياً بقية الأيام في الجمعية، التي لديها أيضاً مركز للتعليم المهني، إضافة إلى مركز الدمج المدرسي باللغتين الإنكليزية والفرنسية.
تؤكد حلاوي أنه «كلما تم اكتشاف الحالة بشكل مبكر كلما كان ذلك أفضل للولد المصاب. أعراض التوحّد لا دواء لها بالعقاقير، بل بالمساعدة لاكتساب مهارات معينة والقدرة على التعامل في المجتمع بشكل أسهل، وهذا يحتاج إلى فريق متخصص. لا نستطيع أن نقول أنه إذا بدأنا بالعلاج سوف يتغلبون على تلك الأعراض. ولا نعرف مدى تجاوبهم مسبقاً. هناك درجات في التوحّد بين الخفيف والمتوسط والشديد».
لا تُعرف أسباب محدّدة للتوحّد. يسمونه مرض، ولكن الكثير من الأطباء يُدرجونه في خانة الأعراض والاضطرابات التي تعود إلى خلل عضوي في الجهاز العصبي المركزي، خلل في الجينات، وليست أسبابه نفسية أو اجتماعية، وإن كان الوضع النفسي للأسرة يؤثر عليه. تشير الدراسات إلى أن حالات التوحّد أكثر شيوعاً لدى الذكور من الإناث، وأنهم يولدون من حيث الشكل طبيعيين. حسب تعريف «الجمعية الأمريكية للتوحّد» هو «نوع من الاضطرابات التطورية والذي يظهر خلال الثلاث سنوات الأولى من عمر الطفل، حيث ينتج هذا الاضطراب عن خلل في الجهاز العصبي يؤثر بدوره علي وظائف المخ، وبالتالي يؤثر على مختلف نواحي النمو، ويؤدي إلى قصور في التفاعل الاجتماعي».
الأطفال التوحّديون عندهم مشاكل بالنطق والتواصل اللفظي وغير اللفظي. كثيرون منهم ليست لديهم القدرة على التخاطب، ويلجأون إلى طرق أخرى للتعبير. نحو ثلاثين بالمئة لا غير قادرين على النطق أصلاً، والبقية يتكلمون بطريقة ببغائية ويقومون بحركات متكررة. قسم منهم تظهر عنده أعراض الصَرَع. وهم يميلون إلى الانعزال، ولا يستطيعون التعبير عن الألم حتى لو تألموا. بعضهم قد يكون لديه تخلف عقلي، وبعضهم الآخر لديه قدرات عالية تمكنه من متابعة الدراسة الجامعية.
وفق رئيسة «الجمعية اللبنانية للتوحّد» فإن مركز التشخيص والتدخل المبكر في الجمعية قد تعامل مع 600 حالة بعد تشخيص مبكر، وتحسّنوا كثيراً. أعراض التوحّد تختلف من طفل إلى آخر. ورغم أنه في عمر الثلاث سنوات يمكن تشخيص الحالة، فإن يجب أن ينتظر الأهل لهذا العمر. من خلال تجربتها تقول إنها لاحظت منذ الأشهر الأولى أن ابنها عباس لا يتفاعل معها. ومع عمر السنة لم يكن يردد أي كلمة ولم يهتم لألعاب الأطفال». تقول: «طالما أن هناك خللاً معيناً، فلا بد من التدخل المبكر عبر فريق متعدّد الاختصاصات، منها معالج النطق ومعالج النفس الحركي ومعالج النفس السلوكي، وهذا يتم في جلسات خاصة ولمدة طويلة، ما يجعل كلفة المعالجة مرتفعة جداً، حيث تتراوح الكلفة التي تدفعها الجمعية لتقديم الدعم المطلوب لحالة المصاب بالتوحّد ما بين 10 و12 ألف دولار سنوياً».
لا شك أن احتضان الأسرة للمصاب بمرض التوحّد، ومعرفة كيفية التعامل معه هي مسألة مهمة، فهو وإن كان لا يستطيع أن يبدي مشاعره حيال الآخرين، لكن ذلك لا يعني أنه عديم الإحساس. المشكلة أن بعض الأهل يشعرون بالخجل من أن لديهم ولداً مصاباً بالتوحّد. فبمقدار ما ينجحون في تقبل الأمر ويعملون على دمجه في محيطه وفي المجتمع وتأمين ظروف ملائمة له، تكون النتيجة أفضل. تشير حلاوي إلى أن «عباس قادر على أن يُعبّر عن نفسه إلى حد كبير، ولكن لا يستطيع التواصل كثيراً مع الآخرين، ولا يستطيع التعامل بالنقود ويحتاج إلى مُرافق بشكل دائم».
على أن كل طفل يستجيب للعلاج بشكل مختلف عن الآخر نسبة إلى درجة إصابته. فإذا كانت خفيفة، وتمت متابعته باكراً، فإنه يصل إلى تحصيل علمي جامعي. لكن هذا لا يتحقّق إلا من خلال برنامج تعليمي خاص يتناسب مع توجهاته وقدراته. ويحتاج الطالب لدمجه في المدرسة العادية إلى «أستاذ ظل»، يكون مرافقاً له بشكل دائم.
الدراسات تشير إلى أن نسبة شيوع حالة التوحّد تصل إلى 4 – 5 حالات بين كل عشرة آلاف طفل كمعدل عالمي. ويعتبر البعض أن الحديث عن وجود تلميذ بين كل 68 تلميذاً في المدارس الأمريكية ليس مثبتاً علمياً ويحتاج إلى تدقيق، ويصبح معه الاستناد إلى هذا المعدل وانسحابه على واقع الدول الأخرى غير واقعي، ويحمل الكثير من المغالطات، في ظل غياب الإحصاءات الرسمية والتشخيص الدقيق لنوع الحالات التي تتشابه مع بعضها البعض لكنها ليست توحّداً، سواء في لبنان أو الدول العربية أو حتى الكثير من دول العالم. كما أن الجهل بهذا «المرض أو الحالة» يدفع بكثير من الأسر إلى عدم طلب المساعدة العلاجية، ما يؤول إلى غياب الإحصاءات الدقيقة.
إذا كانت الأبحاث العلمية لا تزال تبحث عن الأسباب الكامنة وراء الإصابة بـ «التوحّد» والعلاج الناجع الذي يمكن استخدامه، فإن الأكيد، مما تم التوصل إليه، أن دور الأسرة في احتضان الطفل التوحّدي ومدّه بالحب والحنان والرعاية بالتوازي مع التدخل المبكر من مختصين وبرامج تربوية خاصة، يمكنه أن يساهم في تحسّن حالات المصابين بالتوحّد، رغم أن الحديث لا يدور حول الشفاء التام.

أروى حلاوي تروي تجربتها مع ابنها: تقبّل الأهل والتدخّل المبكر يخفّفان من معاناة المصاب بـ «التوحّد»

رلى موفّق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية