تونس ـ «القدس العربي»: رغم النجاح الديمقراطي الاستثنائي الذي عرفته تونس في منطقة عربية تهوج وتموج، فإن الوضع الاقتصادي للبلاد يبقى صعباً على كل المستويات. يحصل هذا رغم أن تونس ليست بلدا خالياً من الموارد الطبيعية بل يمتلك القليل منها، والتي تبدو مناسبة ولو نسبياً للبلد، الذي يبلغ عدد سكانه 12 مليون نسمة.
كما أن الاقتصاد التونسي متنوع، ولا يقوم فقط على الموارد الطبيعية المتمثلة أساسا في الفوسفاط والمعادن مع القليل من النفط والغاز الذي «يسد الرمق» دون أن يجعل تونس بلدا مصدرا للمحروقات. وتعتبر الزراعة المحرك الأساسي باعتبار أن تونس بلدا منتجا ومصدرا للغذاء، ويحتل مراتب متقدمة عالميا في العديد من المنتوجات على غرار زيت الزيتون والتمور والحليب وغيرها. كما توجد في تونس صناعات كيميائية وتعدينية وتكنولوجية إضافة إلى صناعة النسيج. وتبقى السياحة مجرد قطاع يغطي العجز في الميزان التجاري وليست القطاع الأساسي كما يعتقد الكثيرون.
ورغم كل هذه الخاصيات التي كان من المفترض أن تكون عوامل قوة، يشهد الاقتصاد التونسي حالة من الركود انعكس على سعر صرف الدينار التونسي الذي يتهاوى أمام العملات الأجنبية، وهو الذي كان إلى وقت غير بعيد مضرب الأمثال في توازنه وفي سعر صرفه المرتفع مقارنة بعملات كثير من البلدان العربية وحتى الأوروبية قبل دخولها إلى منطقة اليورو.
فقد أصبح الدولار الأمريكي يساوي 2.5 دينارا تونسيا بعد أن كان في سنوات التسعين يساوي دينارا تونسيا وحتى 0.7 دينار، وهي المرة الأولى في تاريخ تونس التي يصل فيها الدينار إلى هذا المستوى الأمر الذي أثار قلق وسخط التونسيين على الحكومات التي تداولت على شؤون البلد في السنوات الأخيرة باعتبار أن هذا الانهيار لم يبدأ مع الحكومة الحالية بل مع سابقاتها التي عرفت تداول كم من وزير.
ومن بين الأسباب التي أدت إلى تراجع سعر الدينار كثرة الإضرابات عن العمل الذي تقودها النقابات العمالية، والتي يؤدي إلى ضعف الإنتاج وتراجع التصدير. كما بات لافتا إقبال التونسيين على الاستيراد في السنوات الأخيرة لسلع غير ضرورية ولا حاجة لاقتصاد البلاد بها بما يزيد الضغوط على العملة المحلية ويستنزف احتياطات البلاد من العملة الصعبة. ويرجع مراقبون هذا الارتفاع في الواردات إلى الارتباطات الخارجية لكثير من اللوبيات المالية ورجال الأعمال، الذي أفلتوا من قبضة النظام وشكلوا ما يسميه البعض «مافيات» مختصة في التوريد ناهيك عن تلك المختصة في التهريب.
كما يرى البعض أن هذا الانهيار للدينار سببه استجابة الدولة لمطالب صندوق النقد الدولي الراغب في أن يرفع البنك المركزي يده على العملة المحلية وتركها حرة من خلال عدم التدخل في تعديل مسارها. وتبدو تونس التي أصبح شعبها يطالب ولا ينتج، على حد تعبير البعض، مضطرة للتعامل مع صندوق النقد الدولي، وحتى ما وصلها من استثمارات من أطراف عربية وأجنبية، ليست إلا قطرات في بحر.
وفيما تضرر القدرة الشرائية للمواطن بفعل تراجع سعر صرف الدينار، ففي المقابل يرى خبراء أن هذا التراجع سيساعد على التصدير على اعتبار أن المتعامل الخارجي الراغب في اقتناء السلع والخدمات التونسية سيجدها بسعر أرخص، ويأمل هؤلاء أن يشجع تراجع الدينار على زيادة الصادرات التونسية، وبالتالي مداخيل من العملة الصعبة، خاصة و أن الحكومة مطالبة بسداد قروضها بالعملة الصعبة.
روعة قاسم