يسعى الدكتور محمد عطوان في كتابه (صُوَر الآخَر في الفكر السياسي العربي المُعاصر.. الاستشراق- العلمانية- الأيديولوجيا- الاستعمار) إلى فهم الآخر وتمثّلاته في الفكر العربي المعاصر، مشيراً في مقدمة الكتاب إلى أنه حين يتناول المفكرون السياسيون العرب المُعاصرون الثنائيات بصورها المتعددة: أصالة/ حداثة، هوية/ اغتراب، شرق/ غرب، داخل/ خارج، فإنهم يُعبّرون عن وعيهم بالعلاقة القائمة على التطابق والاختلاف ما بين عالمّي الأنا والآخَر، وعن محاولاتهم تَصوُّر الأشكال المُختلِفة للآخَر الغربي سعياً لفهمها وصياغتها [الأشكال]، وتحديد عناصر التمايز والتفارق فيها. وإن مثل هذا السعي الفكري المُتقابل الهادف للتَصوُّر والفهم والصياغة ينطلق من أن ثمة آخَر لدى كل فكر، مثلما يتغذى هذا الفكر على نماذج مُتعددة من الـ»غيريات» ويتشكل تبعاً لتصوره الذاتي لها.
ويضيف أنه لا يمنع تَشكُّل صور الآخَر عربياً من كونها في النهاية صوراً تعتمد في بنائها وتواصلها على منظور التمايز الذي يُحفِّزه وجود الأنا والآخَر معاً، وتَمثلُّ أحدهما للآخَر، سواء أكان التَمثُّلُ إيجابياً أم سلبياً. ويَردُ مثل هذا التَمثلُّ على هيأة تفسيرات ومواقف، تتحدد بـ (مع) أو (ضد) بانتحال صورة عن الوافد كما لو أنه أصل، أو بتوليد مُضادات وجودية له بتأثير من قوتي التعـــميم والانتشار اللتين يبثــهما الآخَر بفعل عوامل الهيمنة.
ويشير عطوان إلى أن التناظر في المقولات بين الثقافتين الغربية والعربية ليس محور الاهتمام الرئيسي في هذه الدراسة، فما يمكن الاهتمام به هو بيان الصور أو الظلال ذاتها، والتفسيرات والقراءات وردود الفعل النظرية والعملية الناشئة عن تأثير الوافد في الأنا العربية. فنكون عندئذ أمام مستويات مُتعددة من التَمثُّل الذاتي للوافد. ولا نشترط في التَمثُّل انعكاسَ الآخَر في الذات العربية، بل امتصاص ما يفيد الأخيرة من روح الثقافة المهيمنة.
وفي سبيل فهم طبيعة الصور وأسباب تَشكُّلها (أي أسباب انبنائها)، تركز الدراسة على تَمثُّلات المُفكِرين العرب المُعاصرين بشأن مقولات الآخَر: الاستشراق والعَلمانية والايديولوجيا والاستعمار، والاهتمام بالتَمثُّلات قصد استخدامها كنصوص وشهادات مُعبِّرة عن مفردات العقل العربي المعاصر. ورغم صعوبة التعامل مع الاسقاطات العربية المؤدلَجة عن الآخَر، فإن دراستها ومعاينتها تظل ضرورية ولازمة لتحديد ملامح هذا الفكر، ومن ثم تشخيص سماته وصولاً إلى أهم مواقفه، والتعرُّف إلى طبيعة الصور التي تَمثَّلها.
ترى الدراسة أن المُفكِرين العرب المُعاصرين تَمثَّلوا مقولات الغرب على هيئة صور، وإن هذه الصور مهما بلغت مساحتها من العِلمية والشمول، وادعت تماميتها، فإنها تظل شيئاً موارباً للأصل أو أقل منه. لذلك نحاول في هذه الدراسة أن نتبيَّن مستويات تمثُّل هذه الصور؛ من خلال قبولها تارة، وتكييفها تارة أخرى، ورفضها أحياناً، ومن ثم، تثبيت ما يُعتقد بأصالته عربياً من خلال منظورات ومواقف المفكرين والكتاب العرب. لهذا اعتمدت على منهج تحليل الخطاب، حيث المقولات تنطوي على آراء ومواقف ورؤى ومنظورات سياقية آخرانية تعود إلى محمول ثقافي غربي مُحدَّد، وأن دراستها في ضوء الفكر العربي يحيل إلى تكوين التصورات العربية عنها [المقولات] عبر مقتربات: الإدراك والاستيهام والترميز وحتى الحجب أو التغييب المركب للوقائع والأحداث. وأن الأخيرة أدوات ذهنية مساهمة في تشكيل الجهاز المفاهيمي العربي، وراسمة للخطوط الأساسية لبنيته الفكرية المُعاصرة.
تضمنت الدراسة مقدمة ومدخلاً مفاهيمياً وأربعة أقسام وخاتمة. يعرض المدخل المفاهيمي لكلمات المفاتيح الخاصة بالأنا والآخَر وصورهما، مع تحديد المقولات الغربية المُختارة التي جرى محاكاة صورها عربياً، وأهم هذه المقولات (الاستشراق، العَلمانية، الايديولوجيا، الاستعمار). فيما يعرض القِسم الأول بالوصف والتحليل (صور الآخَر الاستشراقي) عبر تسليط الضوء على التمثيل الغربي للشرق، وفيه يمكن متابعة تاريخية وأسباب دراسة عوالم الشرق غربياً، مع تضمين الرؤية العربية لمقولة الاستغراب بِعدّها مشروعاً بحثياً يتوسم توسيع رقعة التعرف العربي إلى الآخَر بغية تمثيله. أما القِسم الثاني والذي حمل عنوان (صور الآخَر العَلماني) فيتضمن التَمثُّليَن العربيين العَلماني والإسلامي للعَلمانية، وفيهما تُبحَث أوجه التوافق والتعارض في المواقف العربية من العَلمانية، وما إذا كانت الأخيرة حافزاً على إنتاج تصورات عربية عن الدولة من منظور عربي- إسلامي، وهو ما جرى العمل عليه منذ بدايات القرن الماضي. أما القسم الثالث، فيتناول (صور الآخَر الإيديولوجي) ويتعرض بالتفصيل إلى الايديولوجيات الغربية الثلاث، القومية والليبرالية والماركسية، والتي من خلالها يُمكن بيان أوجه التمثل العربي، مع تضمين العوائق التي حالت دون نموها في البيئة الثقافية المنقولة إليها. وفي الأخير، يتناول القِسم الرابع (صور الآخَر الاستعماري) حسب التحقيب التاريخي لها، بدءاً بتفصيل صور التمدين الفرنسي المرافق للحملة الفرنسية، والإنشاء البريطاني الذي ساهم في تشكيل الدول العربية الحديثة، والاستيطان الإسرائيلي لفلسطين القائم على قلب نهاية الشعب اليهودي إلى منفى الآخَر، والتفتيت الأمريكي بصياغاته ما بعد الاستعمارية، مع عرض مستويات التمثل العربي للمقولات المذكورة آنفاً.
ويخلص عطوان إلى أن التَمثُّلات العربية أعادت- ضمن منظورات إيديولوجية مُختلفة- قراءة مُعطيات الغرب، فبدا ما قُرئ عربياً منها شيئاً أقل من الأصل، فالتَمثُّلات التي أوَّلت الأصول الغربية إلى صُور وظِلال، لم تكن من نسغ الأشياء الغربية ومن أرومتها، ولا علاقة لها بالمعيار المفاهيمي الغربي، بل إنها في حقيقتها صور تتوطن واقعاً تفصله مسافة ذهنية عن الواقع الأصل، مهما بلغت مساحتها من الشمول والرصانة العِلمية.
ومن هذا، كان عامل التأثر بالتوسطات يَحكم بدايات التعامل العربي مع مفاهيم الغرب عموماً، أكثر مما هو وعي ذاتي بالظروف الموضوعية والثورية. ومع ذلك فإنه لا معنى لحصر فاعلية هذه المفاهيم في محيطها الغربي الأصل، طالما أنها لم تكن حكراً على الغرب، ولعل في جوهرها ما يجعلها مفاهيم تشميلية عابرة لحدودها الثقافية. إن عدم استيعابها عربياً، ناتج عن عدم توفر شروط إمكانها سَلفاً، وهذا هو المهم، فما فعله العرب؛ استعارة المفاهيم الغربية من جهة، واستدعاء ما يُناظرها من مفاهيم التراث المحلي من الجهة الأخرى، من دون عناية بالظرف التاريخي الفكري المُسهم في تطورها، وبالتناسق المنطقي الناظم لبنائها الطبقي والاقتصادي.
كما لاحظ عطوان كيف أبدى النهضويون العرب تحفظهم على إمكانية دخول العصر الحديث وتبَنّي مفاهيمه ومُعطياته الحديثة بوساطة لغة متخلفة، فقسَّموا خطابهم إلى ثلاثة مواقف من التَمثُّل؛ الموقف الموافق لقيم الغرب، والموقف الموائم بين قيم الغرب وقيم التراث العربي، والموقف المتعارض مع قيم الغرب، فراح الموقف الليبرالي يعمل على تَمثُّل القيم الوافدة بنحو الإيجاب، لإيمانه بغياب الدور العربي في مرحلة الاستعمار. وأنه رغم ما ورد في هذا السياق من جرأة في الطرح، لم يستطع أصحابه تبديد غربة المفاهيم الوافدة وتبيئتها وتفعيلها على نحو يحول دون تأكيدها على خصوصيتها الغربية.
كما قاربَ الموقف التوفيقي ما بين القيم العربية الإسلامية والغربية، ومُقارَبتها سبيلاً لإنضاجها وقبولها في البيئة المحلية، وتوفير شروط التوازن بين مدّخرات الثقافة العربية الذاتية التاريخية ومعطيات اللحظة الراهنة. في حين آثر الموقف السلفي الإعلاء من فكرة الرفض المُطلَق للمفاهيم الغربية واهتمامه بالعودة إلى الدين واستلهام التراث لاستعادة الهوية السردية الغائرة في ثنايا الرموز والبحث في الحقيقة القُدسية. وقد أسهم هذا الموقف في توليد غربةً ذاتية مضاعفَة هي غربة الفكر العربي المُعاصر مع تراثه.
ومهما يكن من أمر، فإن العقل السياسي العربي، وضمن هذه المستويات الثلاثة، تَمثَّل مفاهيم الآخَر المتولِّدة في سياق نصي عقلي غربي لم يكن للعقل العربي إي موقع فيه، ولم يكن العقل العربي طرفاً من أطرافه أيضاً. لقد صاغ الغرب مفاهيمه الفلسفية والسياسية في سياق فكري يُناسب مستوى ما توصلت إليه حضارته من العِلم والمعرفة، ووظّف محمولاتها، فيما بعد، بوساطة الاستعمار لمصلحة سياسات احتلالية بملامح تمدينية. أما الأنا العربية فقد كانت تحتكم لمنظومة مفاهيم تقليدية تُراثية تدور في مدار المِلَّة وتُغاير ما أتت به المفاهيم الغربية الحديثة من قيم الحرية والحق والفردية والدولة الزمنية، ما أدى ذلك إلى حصول صدمة في المجال التداولي للعقل السياسي العربي.
ومهما يكن من تلك المواقف، فإن من المهم القول إن العقل السياسي العربي تعرَّف إلى قيم المُستعمِر على أرضه المُستَعمَرة، وتعامل مع ما تمليه عليه اشتراطات الشراكة غير المتكافئة (شراكة المُستعمِر والمُستعمَر) في تمثُّل مفاهيمه، وإعادة إنتاجها، لتكون مفاهيمه هي مفاهيم الثقافة المُستعمَرة، مفاهيم ثقافة الأقاليم والهوامش. لقد خضع العقل السياسي العربي، عبر تَمثُّله لمقولات الاستشراق والعَلمانية والايديولوجيا والاستعمار، لأصناف من المُراقبة والإدارة والتوجيه جعلت من السهل تَلمُّس صُور الآخَر في الجسد الثقافي العربي.
كما لم يكن تَصوُّر الدولة الإسلامية، في سياقها التداولي التقليدي، إلا إبدالاً تعويضياً لِما جاءت به العَلمانية ودولتها المدنية الزمنية، حتى إن المعطى التصوري للدولة الإسلامية الحديثة أخذ يتشكل لاحقاً في إطار الحاضن المدني العَلماني وينمو فيه. فما كان التفكير العملي في قيام دولة إسلامية حديثة (تعي ما للآخَر وتتعامل مع معطيات الدولة المدنية القائمة على التعددية السياسية) لينشط لو لم تحل مقولة العَلمانية منافساً في المنطقة العربية وعموم المناطق المجاورة لها.
ومن ثمَّ، فقد صنعت الإيديولوجيات القومية والليبرالية والماركسية تمظهراً للايديولوجيات الغربية التي شاعت قيمها في العالم أيضاً. فالقومية في المنطقة العربية لم تستطع أن تصنع اندماجاً ثقافياً وقانونياً يقوم على فرضية دولة الأُمّة، ذلك لأن السياق التاريخي الناظم لتلك المسألة لم يكن سياقها الأصل، وإن مسار التجربة العربية لم يُحدِث، طوال مئة عام، نقلات نوعية على المستويات الثقافية والفلسفية والاقتصادية، الأمر الذي ينسحب على الليبرالية والماركسية أيضاً. ولا يمكن أن تتحقق (الدولة- الأُمّة) بمعناها المعياري إلا في حال بلوغ المجتمع مرحلة المجتمع البرجوازي الذي لم يختبره الواقع الاجتماعي العربي، فالقومية نتاج المجتمع البرجوازي، والقاعدة الليبرالية المُفترضة هي الأساس في قيام الدولة الوضعية ذات الطابع البرجوازي التي يُفتَرَض بلوغها قبل الحديث عن عناصر القومية ابتداءً. الأمر الذي يرخي بظلاله على الماركسية في العالم العربي أيضاً، والتي تقتضي تحولاتها توفر عتبة الليبرالية التي لا يمكن أن يتأسس الوعي الثوري بغيابها.
إلى جانب ذلك كله، ساهمت الصور الاستعمارية المتنوعة في تحديد الموقف العربي المحلي من ذاته أولاً ومن الغير ثانياً، وإن ترتيب الصور التاريخية للاستعمار منهجياً على النحو التمديني والإنشائي والاستيطاني والتفتيتي؛ يعني الوعي بمساهمتها الملحوظة في تحديد مسارات المواجهة العربية، سواء في معاينتها الذاتية لذاتها أم في استيعابها للآخَر، لذلك بذرت مثل هـــذه الصور الصــادمة بذور الوعي العربي الحديث، وشكَّلت عقلية أطــرافه الفلسفية والسياسية.
محمد عطوان: «صُوَر الآخَر في الفكر السياسي العربي المُعاصر… الاستشراق- العلمانية- الأيديولوجيا- الاستعمار»
دار الرافدين، بيروت 2017
272 صفحة.
صفاء ذياب