لندن ـ «القدس العربي»: يأتي الإضراب عن الطعام الذي يخوضه 1500 سجينا فلسطينيا منذ 16 نيسان / إبريل الماضي في سجون الاحتلال في وقت تشهد فيه الساحة الفلسطينية انقساما وصعودا لجيل جديد من القادة الجدد الذين يتبارزون على الساحة في معركة خلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، سواء كانوا من داخل مؤسسة السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح أو من داخل حركة حماس التي أجرت تغييرات على شكل القيادة وكذا رؤيتها السياسية التي طرحتها الأسبوع الماضي في «وثيقة المباديء والسياسات العامة لحركة المقاومة الإسلامية» فيما نظر إليها على أنها إعادة تشكيل صورتها وتخل عن بعض المواقف مقابل تأكيد مواقف ايديولوجية جديدة.
كما يتواصل إضراب الأسرى بالتزامن مع الزيارة التي قام بها عباس للبيت الأبيض في 3 أيار (مايو) واجتماعه مع الرئيس ترامب الذي تعهد بمواصلة العمل على تسوية تاريخية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وأن لا شيء «مستحيل» بالنسبة للرئيس الواثق من نفسه.
وعليه يجب فهم الإضراب العام لـ 1.500 سجين (تقول إسرائيل إنهم 1.200) ضمن هذه التحولات وما يجري على الساحة العربية من اضطرابات ونزاعات سياسية وطائفية وفصائلية، ومخاوف من ابتعاد الولايات المتحدة عن حلفائها التقليديين بالمنطقة. ولهذا يحاول القادة العرب خاصة في الخليج تبني القضية الفلسطينية من جديد كي يحافظوا على اهتمام الرئيس الأمريكي بالمنطقة (كما تقول صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» في عدد 2/5/2017). واهتم هؤلاء بزيارة عباس لواشنطن رغم تجاهلهم الزعيم الفلسطيني في الآونة الأخيرة ومحاولة بعضهم تعزيز مواقع قيادة منافسة له.
إضراب السجناء وهو ليس الأول ولن يكون الأخير مع استمرار الاحتلال التي ستحل ذكرى نكبته الـ50 هذا الشهر، ويجدد الفلسطينيون بالمناسبة تذكير العالم المتواطئ مع الاحتلال الإسرائيلي، أنهم آخر شعب يعيش تحت الاحتلال في العالم وسط تحذيرات خارجية من أن عدم استجابة إسرائيل لمطالب السجناء سيؤدي لمفاقمة العنف في منطقة مشتعلة أصلاً. وتدعو قائمة المطالب وهي ليست تعجيزية سلطات السجون الإسرائيلية السماح للسجناء مواصلة دراستهم الجامعية ومنح عائلاتهم زيارات أكثر وتوفير الإتصالات بينهم وعائلاتهم في عنابر السجون وهي مطالب إنسانية تتوفر للسجناء في كل أنحاء العالم. لكن إسرائيل التي تحكمها حكومة متطرفة صممت على عدم الإستجابة لمطالبهم بل وتسابق المسؤولون فيها لإصدار مواقف متشددة فمن من طالب بحكم الإعدام على سجناء هم «إرهابيون» في الحقيقة. وهنا من ذهب إلى القول حتى إنه على إسرائيل تركهم يموتون جوعا كما فعلت مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مع معتقلي الجيش الأيرلندي الحر. وكل هذا زاد في انسداد الأفق سيؤدي إلى مواجهة مفتوحة وعنيفة حسب صحيفة «أبزيرفر» (30/4/2017) في افتتاحية عدد الأحد الماضي .
وأكدت الصحيفة أن القضية الفلسطينية ظلت في مركز الاهتمام العربي والدولي، على الأقل من جانب اليسار ولم يتم تناسيها في الحقيقة وإن غطت عليها أحداث جديدة ظهرت وبسبب غياب التقدم على الملف الفلسطيني. فمنذ هجمات إيلول / سبتمبر2001 وجهت الولايات المتحدة كل جهودها وقوتها إلى العراق وأفغانستان بشكل حرف الإنتباه عن القضية الفلسطينية. ثم جاء الربيع العربي في عام 2011 والذي حرف الإنتباه بعيدا عن فلسطين وركز «الربيع العربي» على مظالم المواطنين العرب تجاه حكامهم لا إسرائيل. ومع ذلك فلم تتوقف الجهود الأمريكية للحل وإن جاءت متأخرة من الرؤوساء الأمريكيين وانتهت بفشلهم أو قبولهم بما تمليه إسرائيل عليهم، فمن خريطة الطريق التي أعلن عنها جورج دبليو بوش إلى محاولات باراك أوباما في أيامه الأولى من الحكم، والتي اصطدمت بجدار الاستيطان وانهارت في محاولات اللحظة الأخيرة لجون كيري وزير الخارجية عام 2014. وفي العام الماضي نظم الفرنسيون مؤتمرا دوليا أكد على حل الدولتين. وحاولت روسيا فلاديمير بوتين الدخول على الخط لتأكيد وضعها كقوة منافسة للولايات المتحدة بل ودخلت على ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية بين فتح وحماس. وفشلت كل هذه الجهود في تحريك الراكد ووقف عملية قضم الأراضي الفلسطينية. ويرتبط انسداد الأفق بغياب القيادة المستعدة لتقديم تنازلات وتحقيق تسوية تاريخية. فبنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي يعتبر خطرا على البلد الذي يقوده بسبب موقفه الصدامي. أما فلسطين فلديها عباس الزعيم الضعيف ولا يعد أي منهما كما تقول «أوبزيرفر» شريكا يوثق به في العملية السلمية. ودعت الصحيفة لإطلاق سراح مروان البرغوثي الذي يعتبر منظم الإضراب. ويواجه البرغوثي عددا من المؤبدات بسبب دوره في الإنتفاضة الثانية عام 2000 ويحظى بشعبية بين الفلسطينيين.
وفي مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (16/4/2017) تحدث البرغوثي. وقال إنه كان شاهدا على القمع الإسرائيلي وإساءة معاملة السجناء الفلسطينيين خلال تجربته التي مضى عليها 15 عاما. ولهذا قرر مواجهة الإنتهاكات الإسرائيلية بالإضراب عن الطعام. وقال إن الإضراب الذي تزامن مع يوم الأسرى هو آخر سلاح للمقاومة لدى السجناء وهو وإن سبب المعاناة لهم ولمن يحبون إلا أنه يخرج صوتهم إلى العالم من أقبية السجون. وتحدث البرغوثي عن تجربته في السجن منذ أن كان عمره 15 عاما وصور النظام القمعي الذي بنته السلطات الإسرائيلية ضد السجناء الفلسطينيين. فقد دخل سجونها منذ بداية الإحتلال أكثر من 800.000 فلسطيني ولا يزال هناك 6.500 سجينا يتعرضون لنظام قضائي غير عادل وروتين يومي ظالم وحرمان من رؤية الأهل وتلقي المكالمات الهاتفية في خرق واضح للأعراف الدولية. وفقط «إنهاء الإحتلال سينهي كل هذا الظلم ويعلم بداية الحرية». ومن هنا اعتبر البرغوثي حركة التحرر الفلسطيني جزءا من حركة الإستقلال في جنوب أفريقيا وغيرها من الدول. فهي تشترك في شيء واحد وهو الإنتصار المحتوم. وقال إن الفلسطينيين يقومون «بمسيرة طويلة نحو الحرية». وبحسب «أوبزيرفر» فالبرغوثي وإن لم يكن نيلسون مانديلا ولكن لا يمكن تجاهل مطالبه ومطالب شعبه للأبد. وعمل هذا سيؤدي لمخاطر نكبة جديدة ستجعل فلسطين ومرة أخرى في مقدمة مشاكل الشرق الأوسط.
ويبدو أن إسرائيل مصرة على تجاهل مطالب السجناء، ففي مقال كتبه وزير الأمن الإسرائيلي بصحيفة «نيويورك تايمز»(1/5/2017) اتهم فيه البرغوثي بالبراعة الفائفة والقدرة على إعادة إخراج «الإرهاب» وتحويله «لمقاومة» وتقديم نفسه كمعتدل. وقال إن البرغوثي لا يريد من جمهوره الغربي ان يعرف انه متهم بعمليات قتل زعم الوزير الإسرائيلي أنها طالت أبرياء مسيحيين ويهودا ودروزا. وكان البرغوثي قد رفض الدفاع عن نفسه ولم يعترف بشرعية المحاكم الإسرائيلية. ويقول الوزير الإسرائيلي إن قائمة المطالب التي تقدم بها السجناء ليست مهمة لأن ظروف السجون الإسرائيلية تتناسب مع المعايير الدولية. والسبب الرئيسي وراء الإضراب هو كما يقول الخلافات الفلسطينية الداخلية ومعركة خلافة محمود عباس. ويقول إن البرغوثي الذي لم يذكر اسمه في قائمة التعيينات الأخيرة في قيادة فتح ومنظمة التحرير يحاول موضعة نفسه عبر الإضراب وتأكيد نفسه كخليفة لعباس. وأكد إردان أن ظروف السجون الإسرائيلية يحددها القانون والمعايير الدولية لا الإضرابات. ويعتقد أن التنازل للمضربين هو بمثابة تنازل للإرهابيين. ولم ينس الوزير التذكير بأن أموال الدعم الدولي التي تحصل عليها السلطة يذهب بعضها لصالح عائلات الأسرى والشهداء وهم في عرفه «إرهابيون». ونحن هنا أمام تشابك في الروايات ومحاولة لدحض موقف الآخر إن لم يكن محوه. ففي مقال مماثل نشره موقع «تايمز اوف إسرائيل» (4/5/2017) زعم فيه دون ليبر أن معاملة السجناء الأمنيين الفلسطينيين هي الأفضل في المنطقة إن لم تتفوق على الغرب. وقال إن معظم الفلسطينيين متفقون على المطالب شرعية ولا تنفصل عن الخلافات الداخلية الفلسطينية. ودافع الكاتب عن نظام السجون الإسرائيلية الذي تتوفر فيه المعاملة الإنسانية للسجناء الأمنيين الفلسطنيين في محاولة للهرب من الموضوعات الأساسية.
وبعيدا عن القائمة المطلبية والحسابات السياسية فالإضراب كما يرى نيل قويليام من «تشاتام» هاوس في لندن هو مؤشر عن صراع أوسع قد يكون نقطة تحول ويؤدي لانتفاضة ثالثة إذا لم يتم التعامل معه بطريقة جيدة. وقال قويليام في مقال نشره موقع مجلة «نيوزويك»(4/5/2017) إن السؤال هو إن كانت إسرائيل ستترك الإضراب يسير إلى نهايته: وفاة المضربين ومعهم البرغوثي. وتحدث هنا عن مواقف القيادة الإسرائيلية التي مجدت موقف تاتشر من بوبي ساندز في الثمانينات من القرن الماضي وتسعة من المضربين معه حيث تركتهم يموتون. وفي الوقت نفسه وضع البرغوثي كل سمعته وتاريخه النضالي على تحقيق قائمة ضيقة من المطالب. ويناقش الكاتب أن الحكومة الإسرائيلية ربما اعتقدت أن لديها حالة مقنعة لترك البرغوثي يموت بشكل يؤشر مواصلتها على اتخاذ قرارات ذات نتائج خطيرة. ورغم أن الظروف الحالية مختلفة الآن، فقد عزلت منذ عام 2006 غزة وحولت الضفة لكانتونات بشكل تعتقد فيه الحكومة وليس الجيش بقدرتها على المرور بسلام من عاصفة وفاة البرغوثي. ويحذر الكاتب من أن الفشل بالتوصل إلى تسوية مع المضربين يحمل مخاطر كبيرة لن تترك أثرها فقط على الإسرائيليين والفسطينيين بل والمجتمع الدولي. فمن ناحية سيشوش الوضع القائم الذي خدم مصالح إسرائسل والنخبة الفلسطينية التي تتعامل مع السلطة في العقد الماضي وستدفع الفلسطينيين المحرومين لتبني خيارالعنف. وقد تؤدي وفاة البرغوثي لموجة من العمليات الإنتحارية في القدس وضد المستوطنات في الضفة. ولأن البرغوثي من دعاة حل الدولتين فتركه يموت يعني وضع المسمار الأخير في نعش هذا الخيار . وستجد إسرائيل نفسها أمام حائط صلب في جهودها لبناء تحالف مع ما يطلق عليها الدول السنية ضد إيران. وستخسر إسرائيل بالضرورة الدعم الدولي لها إن ردت بعنف على الإنتفاضة الثالثة. وفي النهاية يتعلق الأمر بصانع الصفقات ترامب. فلو ساعد في حل الأزمة وأقنع إسرائيل بالتجاوب مع مطالب البرغوثي وزملاءه فعندها سيعزز سمعته الدولة وحرصه على التسوية.
إبراهيم درويش