خالد مشعل في طريق طويل منذ محاولة اغتياله الفاشلة من قبل الموساد في العام 1997. ومنذ عشرين سنة وهو يقود منظمة حماس بقبضة حديدية، ويقف على رأس الذراع السياسي. وقد اقام الفرع الغزي في فلسطين، والذي يعتبر في إسرائيل دولة حماس. وقد دفع الخصوم جانبا وقرر الانفصال عن سوريا وإيران في اعقاب الحرب في سوريا. وأجرى مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل من اجل اطلاق سراح الاسرى ووقف اطلاق النار. وأقام شبكة اقتصادية تقوم بتمويل نشاطات منظمته والمنطقة التي تحت سيطرته. ويتوقع في المستقبل القريب أن يخلي مكانه لوريثه.
إن الوثيقة السياسية التي نشرها يوم الاثنين في قطر، لم يقم مشعل بصياغتها بنفسه، لكنها ستكون ميراثه. وقد لا تكون الوثيقة الاخيرة. هل يستطيع ايضا احداث المصالحة بين حماس وفتح؟ والموافقة على توحيد شطري فلسطين لتدار من قبل نظام واحد؟ الاجابة على ذلك لا ترتبط به فقط. فأمامه يقف خصم عنيد هو محمود عباس، الذي طالما ملك القوة فسيستمر في كبح سيطرة حماس على م.ت.ف، كجزء من ميراث جيل المؤسسين للحركة القومية الفلسطينية.
لقد وجدت تحليلات كثيرة للوثيقة، تشير إلى التحول التاريخي الذي حدث في الحركة عندما أكدت على الطابع الوطني على حساب الطابع الديني الذي ميز ميثاقها من العام 1988.
الربط بين حماس وبين الاخوان المسلمين انقطع، ومبرر تحرير فلسطين كوقف إسلامي أخلى مكانه للمبرر الوطني، القتال سيكون منذ الآن ضد إسرائيل كمشروع صهيوني وليس ضد اليهود.
وفلسطين المستقبل لن تكون بالضرورة دولة شريعة. براغماتية الوثيقة رغم التناقضات فيها، تتحدث عن الدولة الفلسطينية في حدود 1967 كجزء من التوافق الوطني الفلسطيني، لكنها لا تشمل الاعتراف بإسرائيل ولا تلغي الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي في جميع انحاء فلسطين «من رأس الناقورة وحتى أم الرشراش»، أي ايلات. هناك الكثير من الاشجار في الغابة التي تعرضها الوثيقة، وهي تشغل المحللين الذين يحاولون الوصول إلى الفرق بينها وبين الميثاق الاصلي.
وفي السنوات الاخيرة عمل افضل المثقفين والسياسيين وقادة الحركة الذين تجادلوا وتصارعوا على كل حرف.
الجزء اللافت هو أن فقهاء الدين، سواء في حماس أو في حركة الاخوان المسلمين، أخلوا مكانهم إلى درجة كبيرة لواضعي السياسات. وقد تعرض مجلس الشورى إلى ضربة مزدوجة. الاولى، عندما تم اسقاط حكم الاخوان المسلمين في مصر واعتباره فيما بعد منظمة إرهابية. والثانية، عندما تحول داعش بعد ذلك بسنة إلى رمز الإسلام الراديكالي، وترك ظلا ثقيلا على كل الحركات الإسلامية ومن ضمنها حماس.
وثيقة المباديء هي إلى درجة كبيرة نتيجة ظروف سياسية وقراءة صحيحة للواقع، الذي تطور في الشرق الاوسط في اعقاب «الربيع العربي». «كان هناك في الحركة من تحدث عن أداء حزب النهضة في تونس، الذي تشكل في العام 1981 بتأثير من الثورة الإسلامية في إيران وحركة الاخوان المسلمين في مصر، كنموذج يمكن تقليده»، قال أحد قادة حماس، «لقد تنازل حزب النهضة عن السيطرة على الحكومة رغم أنه حصل على 37 في المئة في الانتخابات التي أجريت بعد الثورة. وهذا من اجل منع حدوث ازمة عميقة في الدولة.
وأشار آخرون إلى النموذج التركي، حيث يُعرف الدستور الدولة بأنها دولة علمانية، لكنها تدار على أيدي حزب إسلامي، كحل وسط مناسب من اجل توحيد فلسطين من جديد. قطر التي احتلت هي وتركيا مكان إيران كممول اساسي للحكم في غزة، اقترحت تحويل حماس إلى حزب، وقد صدر عن السعودية اقتراح مشابه». في الحاصل النهائي يمكن ملاحظة هذه البصمات، وايضا نموذج حزب الله الذي حصل على جزء كبير من الشرعية في لبنان من خلال تقديم نفسه كتنظيم وطني لبناني يحارب إسرائيل، وليس من اجل تحويل لبنان إلى دولة شريعة شيعية.
تجد البراغماتية تعبيرها ايضا في توقيت النشر. صحيح أن الجدل حول الصيغة النهائية تم حتى اللحظة الاخيرة. إلا أن زيارة محمود عباس في واشنطن ولقاءه مع ترامب فرضا الجدول الزمني. «لقد استطعنا الاستمرار في الجدل إلى ما لا نهاية»، قال أحد نشطاء حماس في الضفة الغربية للصحيفة. «المفارقة هي أن أبو مازن وترامب قاما بانقاذنا من حرب استنزاف داخلية». هل الرغبة في اظهار موقف جديد تجاه إسرائيل أثرت على الصياغة؟ «يتهموننا الآن بالتراجع أمام إسرائيل ويقولون إننا نسعى إلى ارضاء الولايات المتحدة من اجل شطب الحركة من قائمة المنظمات الإرهابية. ويتهموننا ايضا بأننا شطبنا ذكر الاخوان المسلمين لارضاء عبد الفتاح السيسي. انظر إلى العبثية. عندما نصبح براغماتيين ونترجم الواقع في وثيقة منطقية يتهموننا بالتصنع»، قال الناشط.
السؤال الذي يهم إسرائيل الآن ليس إذا كانت حماس قد غيرت جلدها، فمن جهتها لم يتغير شيء. فحماس كانت وما زالت منظمة إرهابية.
وهناك جملة واحدة تثير الخيال: «الدولة الفلسطينية السيادية التي عاصمتها القدس في حدود الرابع من حزيران 1967 مع عودة اللاجئين إلى بيوتهم التي خرجوا منها، هي صيغة وطنية متفق عليها ومشتركة».
من السهل رؤية الاعتراف بحل الدولتين أو التنازل في صالح موقف فتح، التي اعترفت في اتفاق اوسلو بوجود دولة إسرائيل. حماس لا تعترف بدولة إسرائيل في هذه الوثيقة، وسيستمر النضال في الضفة الغربية حتى التحرير، لكن هناك موازاة لافتة في موقف إسرائيل من حماس. رغم أن إسرائيل لا تعترف بحماس، إلا أنها تعتبرها حكومة مسؤولة عما يحدث في غزة، بدء بمنع الإرهاب ضدها وانتهاء بادارة حياة السكان. إسرائيل تطلب من حماس التصرف كنظام مشروع، في الوقت الذي تتهمها فيه بالاخلال بالقانون الدولي والقيام بجرائم الحرب، وهي تقترح عليها تحويل غزة إلى سويسرا إذا توقفت عن العمليات الإرهابية.
الانشقاق بين غزة والضفة يخدم مصالح إسرائيل، حيث يتم تصوير محمود عباس على أنه لا يمثل جميع الفلسطينيين، لهذا لا يمكن اعتباره شريكا في العملية السياسية. وفي نفس الوقت تطلب من عباس التنسيق الامني، وبالتالي تعزيز مكانة حماس الوطنية لأنها تعمل ضد هذا التنسيق. في حين أن وثيقة حماس السياسية تميز بين دولة في حدود 1967 وبين الاعتراف بإسرائيل، فهي تقول إن إسرائيل ليست كيانا سياسيا شرعيا، لكنها المسؤولة عما يحدث في المناطق كونها قوة احتلال.
في نظرها، مثلما في نظر إسرائيل، ليس هناك تناقض بين عدم الاعتراف وبين تحمل المسؤولية. مثلما أن هذا الوضع مريح لإسرائيل فهو يخدم حماس ايضا. لأنه في نهاية المطاف السياسة لا يتم وضعها بالوثائق، بل حسب الظروف القائمة، ولا يوجد مثل وثيقة حماس للتأكيد على ذلك.
هآرتس 7/5/2017