تسعى بعض الأوساط العلمية عبثاً إلى بلورة مفهوم «الاستغراب» ضد مفهوم الاستشراق الذي ساد زمن الاستعمار وبرر وجوده. ومحاولة التعامل في الأوساط العلمية والأكاديمية مع مصطلح لم يرتقِ إلى مستوى المفهوم، فيه كثير من المجازفة غير العلمية وأقرب إلى الغوغائية التي تضيف عدم الفهم والالتباس إلى العقل العربي المعاصر.
ولعل وجه الغرابة في مصطلح «الاستغراب» هو محاولة فرضه على منظومة الفكر العربي وثقافته لتوكيد الثنائية التي يجب أن تحكم الذهنية العربية وطريقة تفكيرها والتعامل مع الآخرين، وكأن قدر العرب أن يعادوا دائماً الغرب، حتى في زمن يعرف بالعولمة التي تزيل الحواجز والمتاريس المعرفية والإيديولوجية والدينية والسياسية، ناهيك عن الحضارية والتاريخية.
هل فعلاً العرب، خاصة منهم، ذوي التوجه الإسلامي في الأوساط الجامعية، مجبولون على افتراض ثنائية الشرق والغرب لإمكانية أي حديث عن قضايا الفكر والواقع؟
وبتعبير آخر يساعد على فهم المعنى نفسه، هل المثقف المسلم لا يستطيع أن يبادر إلى أي حديث إلا إذا انطلق من عدائه للغرب؟ وهل صحيح أن الغرب كان دائماً عدواً للإسلام وللعرب؟ ومن ثم يجب الرد عليه ببلورة مصطلح «الاستغراب»، نكاية بعصر الاستشراق والاستعمار؟ وما مدى علمية وحقيقة هذا التصور؟
للإجابة على هذه الأسئلة، نسارع أولاً إلى تفنيد مقولة «الشرق شرق والغرب غرب، أبداً لا ولن يلتقيا». فالعولمة القائمة اليوم أزالت التاريخ والجغرافيا، ومحت كثيراً من الفواصل والخصوصيات، وصار العرب والمسلمون، ليسوا مادة للاستشراق، بل منتجين لمادة العرب والإسلام في الغرب ذاته، وفي العالم العربي والإسلامي باللغات الغربية. هذه الحقيقة، أضحت بينة، بعد نزوح الملايين من العرب والمسلمين، ومنهم الآلاف من العلماء والخبراء ، إلى بلاد «الغرب» لكي يعيشوا وينتجوا لما يعرف بالعرب والإسلام وفي الغرب أيضاً. ومن هنا وجه انتفاء الدعوة إلى استحداث «الاستغراب» كنقيض للاستشراق، ليس لأننا، من الناحية المعرفية نعيش ما بعد الاستشراق، ولم يعد المستشرق يبدع ويصنع عالم الشرق وأشياءه، بل لأن الإنسان المسلم يعيش في بلد متخلف لا يوحي بأي معرفة فلسفية، يشترط فيها أن تأتي من آخر تطورات المدنية الحديثة والمعاصرة، أي من آخر ما تطوّرت إليه التكنولوجيا. فـ»المفهوم» رهين بالمجتمعات المتفوقة والمتطورة التي لها القدرة على إضفاء المعنى على الكلمات التي تبدعها كجزء من منظومتها المعرفية المتفوقة.
إن مقولة «الشرق شرق والغرب غرب»، التي رافقت العصر الاستعماري صارت بلا معنى ولا جدوى في سياق العولمة المعرفية وديمقراطية الإمكانات والوسائل وقوة الحداثة في تقريب الأطراف وعالمية المراكز الحضارية التاريخية. فاللحظة التي يحياها الجميع هي لحظة التماهي والحوار والتقارب بين الأوطان والشعوب ورفع الحواجز عن الإنسان حيثما حل وارتحل، لعلّ أهم مظاهرها تعدد الجنسيات في البلد الواحد والإنسان الواحد أيضاً، ناهيك عن تعدد الألسنة والثقافات. فظاهرة استيعاب التعدد والاختلاف والتنوع في الوعاء الواحد صارت حالة مكرسة تأبى أي تنميط أو تقييد أو تخصيص.
الشواهد التي تؤكد توجه العالم إلى ردم ثنائية الشرق والغرب أكثر من أن تحصى وتقدّر، وكلها تدلل على تواري وأفول الحواجز والمتاريس النفسية والإثنية والثقافية التي كانت تحكم علاقة العرب والإسلام بالغرب. لعل الأسماء العلمية والأدبية والفنية والرياضية التي تنتمي إلى العالم الإسلامي أو من أصول عربية صارت حقيقة من حقائق العالم، حاضرة في الشرق كما في الغرب، ونذكر على سبيل المثال المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد/الأمريكي صاحب كتاب الاستشراق، والروائي اللبناني/الفرنسي أمين معلوف الحاصل على جائزة غونكور الفرنسية، وكان آخر من حصل على الجائزة الروائية ذاتها ليلى سليماني، وقد سبقها إليها من أكثر من عشرين سنة المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، والداعية المثقف السويسري طارق رمضان، من أصول مصرية… ناهيك عن العشرات من الأسماء العربية والمسلمة التي صارت تحفل بها الأوساط العلمية والأكاديمية، والحضور الدائم للمئات من رجال الفكر والسياسة في وسائل الإعلام العالمية عربية وغربية وباللغات المختلفة، وبالقدر الذي يصعب فيه الإحاطة بالموضوع دون التماس آراء العرب والمسلمين فيه. أما في مجال الرياضة، وهو مجال قوي يشهد على امتلاك ملايين البشر ثقافة مشتركة يفهمها ويتفق عليها أهل الأرض جميعاً.
ودائما في توكيد الشواهد على توجه العالم إلى زوال متواصل لثنائية الشرق والغرب هو الزيادة المذهلة في نزوح الشرقيين إلى بلاد الغرب إلى حد تشكيل ظاهرة جديدة تعرف بمدن المتروبول مثل نيويورك، سيدني، موريال، لندن، وباريس، لا بل حتى بعض المدن العربية التي يقطن فيها الأجانب أكثر من المحليين، ولعلّ مدينة دبي الإماراتية أكبر شاهد على ذلك. ووتيرة الاندماج والتماهي آخذة دائماً في الزيادة. وإن لحظة تواجد هذا التنوع البشري في أرض الغرب وغداً في أرض الشرق أفضل ما يناسب آية التعارف «وقد خلقناكم شعوباً وقبائِلَ لتّعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم». ومثل هذا الفضاء الجديد هو الذي سيساعد على فهم جديد أيضا لرسالة القرآن إلى العالمين في لحظة تواجدهم التلقائي والفوري.
إن ما بعد الاستشراق يعني في الجوهر والأساس ردم البون الساحق الذي يفصل بين الشرق والغرب، فقد كان مقصد ادوارد سعيد من كتابه «الاستشراق» هو نقد النزعة الكولونيالية في المعرفة الاستشراقية وتصفيتها من الرؤية الدونية والهيمنة الإمبريالية على الآخر المختلف، أي عوالم الشرق في كل امتداداته في الشرق الأدنى والأوسط والأقصى. وكان أحد المرامي التي قصدها ادوارد سعيد هي الخروج من شرنقة الاستشراق إلى العالمية حيث تتواجد الثقافات والحضارات في لحظة بينية واعتماد متبادل وتعايش مثمر وحيوي وليس في صدام وتنابذ على ما دعا إليه صامويل هانتغتون. ويرى ادوارد سعيد أن ما بعد الاستشراق يعني امتلاك الإنسانية لوجهتها الإنسانية، ويبينها على النحو التالي: «تتغذى النزعة الإنسانية من المبادرة الفردية والحدس الشخصي، وليس من الأفكار المسبقة أو الأخطاء الشائعة واحترام السلطة. كما أن النصوص يجب أن تقرأ كإنتاج يعيش في التاريخ بشكل مجسّد»، [الاستشراق،من التمهيد 2003، ص. 9.] .
واليوم ، إذا ما نحن أخذنا برأي ادوارد سعيد وقرأنا نصه الكبير حول الاستشراق داخل التاريخ المنتج، نجد أن ما ترتب عليه هو عالمية المسألة الاستشراقية التي تطلبت نقاشاً وحواراً على صعيد العالم كله، بحيث استدعت الأوساط العلمية والأكاديمية ومنابر الرأي والإعلام كافة إلى إبداء الرأي فيها بالقدر الذي نالت نصيبها وألحت على ضرورة تجاوزها إلى ما هو إنساني وعالمي. وما لحظة التخبط الكبير التي يعيشها العالم إلا تعبيرٌ عن فقدان الدليل الهادي إلى «مرتع الناس جميعاً» في دلالته القرآنية، ولعلّ الدعوة إلى «علم الاستغراب» أحد مظاهر ضياع البوصلة إلى فضاء العالم العربي.
كاتب وباحث جزائري
د. نور الدين ثنيو