لندن ـ «القدس العربي»: في تصريحات لمسؤولين أكراد نقلتها عنهم صحيفة «التايمز» البريطانية قالوا إنهم عازمون على تنظيم استفتاء للبت في علاقة إقليم كردستان، شمال العراق مع الحكومة المركزية في بغداد.
وقال وزير الخارجية والمالية العراقي السابق هوشيار زيباري «لقد فقدنا الأمل في العراق الجديد».
وتوقع تنظيم الإستفتاء في خريف العام الحالي بعد الإنتهاء من عمليات استعادة الموصل التي تشارك فيها قوات البيشمركة. ويرى الأكراد أن الظروف سانحة للدفع في اتجاه الإستقلال في ظل تقبل أمريكي ودولي لروايتهم. ففي أذار/مارس التقى حاكم إقليم كردستان بنائب الرئيس الأمريكي مايك بينس أثناء مشاركته في مؤتمر الأمن في ميونيخ الألمانية ونوقش موضوع الإستقلال «بجدية».
وقال مستشار لحاكم إقليم كردستان أنه تم إيصال الفكرة لوزارة الخارجية البريطانية. ويشعر الأكراد سواء في سوريا أو العراق بالثقة نظراً للمكاسب التي حققوها من خلال مشاركتهم بالحرب ضد الجهاديين وسيطرتهم على مناطق أوسع من حدود كردستان. وستكون هذه بمثابة ورقة مقايضة مع بغداد للموافقة على الإستفتاء.
وجاءت سيطرتهم على مدينة كركوك الغنية بالنفط بمثابة نقطة تحول حيث يشعرون أن بإمكانهم الإعتماد على مواردها النفطية لإنشاء كيان قابل للحياة. وفي محاولة منهم لجس النبض قاموا برفع العلم الكردي على المباني الحكومية في كركوك الشهر الماضي مما أدى لردود أفعال من الحكومة العراقية وإيران وتركيا.
وبموجب الدستور العراقي تم التعامل مع كركوك بصفة خاصة وتقرير مصيرها بناء على استفتاء إلا أنه لم يعقد بعد.
وفي استفتاء غير رسمي صوت أكثر من 98% لصالح الإستقلال. ويؤكد الأكراد أن دورهم في قتال تنظيم «الدولة» جعلهم حلفاء مهمين للغرب وتعاطف مع قضيتهم. ويقول زيباري «نحن جادون والجميع يتعامل معنا بجدية هذه المرة».
وقال «لقد قلنا إن لم تقدموا لنا الدعم فلا تقفوا في وجهنا». وأكد زيباري أن الإستقلال لن يتبع مباشرة الإستفتاء بل مفاوضات مع بغداد حول المستقبل بشكل يفتح المجال أمام تسويات وتنازلات من الطرفين.
وسيلعب الأكراد أوراقهم التي في يدهم الآن فقد يعرضون التنازل عن المناطق ذات الكثافة العربية التي يسيطرون عليها مقابل قبول بغداد بنتائج الإستفتاء.
والمشكلة هي في الإتهامات الموجهة للأكراد المتهمين بعمليات تطهير للقرى التي سيطروا عليها وطردوا سكانها العرب منها وذلك لتغيير المعادلة الديموغرافية.
واتهمت منظمة «هيومان رايتس ووتش» المقاتلين الأكراد باستغلال القتال ضد تنظيم «الدولة» للسيطرة عليها وتطهيرها من العرقيات التي تعيش فيها. وقالت المنظمة إن التطهير الكامل للقرى قد يصل إلى جريمة حرب.
تحديات خطيرة
وتمثل الطموحات الكردية صورة من حزمة المشاكل التي يواجهها العراق في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة».
فقد ظلت الخلافات بين اللاعبين مؤجلة نظراً لتركيزهم على العدو المشترك وهم الجهاديون، وفي حالة اختفائهم فستنفتح «علبة الديدان» والتي ستكشف عن توترات متعددة. وفي هذا السياق كتبت إريكا سولومون في صحيفة «فايننشال تايمز» عن التحديات التي ستواجه العراق في المرحلة المقبلة.
وتقول إن الولايات المتحدة تدعم العملية الأخيرة التي تقوم بها القوات العراقية في مدينة الموصل عاصمة محافظة نينيوى ذات التنوع الديني والطائفي والعرقي حيث يتساءل الكثيرون عن الكيفية التي سيتم فيها رأب جراح السنوات الثلاث الماضية والتي سيطر فيها الجهاديون على مدن وبلدات في شمال العراق وارتكبوا جرائم أدت لتسميم العلاقات المجتمعية القائمة بين سكان المحافظة وعددهم 3 ملايين نسمة منذ قرون.
ففي نينوى يعيش المسلمون، سنّة وشيعة ومسيحيون من طوائف عدة وعاش فيها يهود، وفيها عرب وتركمان وأكراد بالإضافة لأقليات دينية مثل الأزيديين والشبك.
ويتذكر أحد أفراد هذه الطائفة «أبو حسن» عندما حصه جاره بعد وصول تنظيم «الدولة» على ترك بلدته والفرار وقال له ساخراً «أنس مواشيك ودجاجك وبيتك».
ولا يزال أبو حسن حتى اليوم غير قادر على فهم السبب الذي جعل جاره يدعم حركة جهادية متطرفة وتساءل «بعدما حدث هذا كيف يمكن للناس العيش معا؟».
وتعلق الصحيفة أن اسئلة كهذه ستعود بعد الإنتصار المفترض للقوات الحكومية على تنظيم «الدولة» الذي لم يبق لديه سوى عدد من المقاتلين في الجزء الغربي من الموصل وسيقاتلون حتى النفس الأخير.
وبعد الموصل لن يبقى له إلا بعض الجيوب في العراق. وتقول سولومون إن واشنطن والدول المتحالفة معها ستدعم العمليات الأمنية العراقية بعد الموصل إلا أن المشكلة التي ستظهر مرتبطة بطريقة إدارة نينوى بل والعراق في مرحلة ما بعد الجهاديين.
ويقول مسؤول في مجلس محافظة نينيوى «بالطبع لم تنته بعد وستصبح طائفة ضد طائفة وحزب ضد حزب وحي ضد حي». وعلق قائلا إن القتل سيكون سهلاً لغياب الحكم والنظام. وتعتبر نينوى ثاني أكبر محافظات العراق وهي غنية بالنفط وتربتها خصبة ولكنها متنوعة سكانيا وتعاني من مشاكل سابقة على ظهور تنظيم «الدولة».
وهي بهذه المثابة صعبة على الحل لكن من السهل إشعالها. وتذكر الكاتبة بالخرائط التي رسمها الضابط البريطاني المعروف تي إي لورنس (لورنس العرب) لتقسيم منطقة الشرق الأوسط فقد وضع علامتي استفهام على محافظة نينوى ولا يزال تساؤله حاضراً.
وفي الوقت الذي يتم فيه تحديد الإنقسام بين شيعة وسنّة (عرباً وأكراداً) إلا ان الواقع أعقد والحقيقة القائمة تتعلق فيما إن استطاع سكان نينوى بتنوعاتهم الإثنية والطائفية قادرين على التعايش مع بعضهم البعض.
وستكون هذه بمثابة امتحان لكل العراقيين. وحسب إدريس ميرزا، زعيم الحركة الآشورية الديمقراطية فالوضع بعد تنظيم «الدولة» سيكون أخطر.
وأضاف أنه «في حالة حاول كل طرف في العراق حماية مصالحه ومصالح أنصاره فسنخسر ولن نستعيد المناخ الآمن للعيش هنا».
وتقول الصحيفة إن قصة أبو حسن تكشف عن الطريقة التي تحاول فيها المجتمعات التعايش في ما بينها. فبعد هروبه من بيته انضم للحشد الشعبي المدعوم من إيران، إلا أن وجود هذه القوات في المناطق الحساسة بالمحافظة أدى لتوترات طائفية.
ويقول أبو حسن إنه ليس مهتما الآن بمصير جاره السنّي الذي يتهمه بالخيانة وفيما إذا كان حياً أو ميتاً.
ورغم ذلك فهو مضطر للإشارة إلى أن هذا الجار عانى كثيراً على يد القوات الأمنية. وكيف قاما معا برشوة ضابط في الشرطة للإفراج عن شقيقه المعتقل. ففي الفترة التي تبعت سقوط صدام حسين عام 2003 أصبحت الموصل من المراكز المهمة للتمرد ضد الإحتلال الأمريكي والحكومة التي نصبتها في بغداد.
وعانى أهل الموصل كثيرا على يد القوات الأمنية ذات الغالبية الشيعية. ويقول أبو حسن «حتى أكون صادقا، فمع كوني شيعيا إلا أن ما يقولونه حقيقي: فقد كان الجيش طائفيا وأهانوا الناس على نقاط التفتيش واعتقلوهم بدون سبب وطلبوا منهم رشوة».
ويقول السنّة إنه لم يكن أمامهم خيار فبعد اجتياح الجهاديين لشمال العراق ودخولهم الموصل في صيف عام 2014 قاموا بحملة ضد الشيعة والطوائف الأخرى فيما هرب الجنود العراقيون وقوات البيشمركة ومنذ ذلك الوقت استعادت القوات العراقية معظم المناطق ولم يبق في يد الجهاديين سوى نسبة 7% من الأراضي.
والمشكلة الآن هي الخلافات الطويلة بين حكومة بغداد وإربيل حول مناطق متنازع عليها بما فيها أجزاء من نينوى. وبدأ النزاع في أجلى صوره عندما قامت القوات الكردية مدعومة من وحدة أزيدية بالسيطرة على منطقة سنجار والتي لقيت دعماً من وحدة كردية منافسة لها واضطر الأزيديون للفرار من جديد. وحوادث من هذا النوع تجعل القوى الخارجية مترددة للتدخل، فحسب مايكل نايتس من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى فإن الطبيعة المحلية المعقدة لهذه النزاعات تجعل من الصعوبة بمكان التوصل لحلول عملية.
وأضاف «لو تدخل المجتمع الدولي هنا (في سنجار) أو أي مكان آخر فسيكون هناك الكثير من الخاسرين، وما تحتاجه الأقليات حكام وإلى تحول عقلي والعودة إلى الأيام القديمة التي جرى فيها التحكيم الاجنبي».
إلا أن هذه النزاعات تقوم بتفريق الجماعة نفسها، فالتركمان وحتى قبل وصول تنظيم «الدولة» كانوا يعانون من خلافات داخلية وصلت إلى حد قام الأخ بقتل أخيه أو والده «وماذا سيحدث الآن» كما قال لقمان الرشيدية العضو في مجلس نينوى المحلي.
ويواجه السنّة تحديات مماثلة، ففي كل أسبوع تكتشف وعلى طول نهر الفرات إلى الموصل ومنها إلى الريف في الجنوب الجثث المنتفخة المشوهة والملقاة على ضفتي النهر من دون معرفة الجاني. ويقول المسؤولون العراقيون إن معظم عناصر تنظيم «الدولة» المحليين جاؤوا من المناطق الفقيرة في الريف والآن تقوم عناصر الأمن والعائلات التي تضررت بالإنتقام بمن يشبته أنهم تعاونوا مع الجهاديين.
وحسب مسؤول محلي فلا أحد يشعر بالحياء أو الخوف ولا أحد يراقب ما يحدث. ويتساءل عما سيحدث للآلاف الذين سيتم طردهم لشبهة تعاونهم مع تنظيم «الدولة إلى أين سيذهبون ومن سيقبلهم؟» ويجيب أن لا منطقة ستسمح لهم بالإقامة فيها.
وحذر آخرون من صعوبة حكم المناطق التي كانت خاضعة لتنظيم «الدولة» نظراً لما عانه سكانها من صدمة نفسية وكفاحهم للنجاة في ظل نظام قمعي.
وتحدثت سولومون إلى أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق حيث قال: أصبحوا أناساً مختلفين الآن وتغيرت طرق التجارة والإدارة. ففي ظل التنظيم تم حرف طرق التجارة إلى سوريا بعد إغلاق بقية الطرق مع العراق. ويطلب منهم الآن الإنضمام إلى بلد تكافح فيه الحكومة ضد الفساد ويواجه اقتتالا سياسيا وأزمة اقتصادية سببها تراجع أسعار النفط.
كما وتختفي فيه الخدمات الأساسية مثل جمع القمامة بشكل يجعل من العلاقة مع بغداد أمراً صعباً.
ويعترف الرشيدية بضعف الحكومة في نينوى وقال إنه لو استمر الوضع على ما هو فلن تستطيع الحكومة إدارتها.
وتبدو في ظل هذا الوضع محاولات المصالحة بين المجتمعات عبثية خاصة تلك التي تلقى الدعم من منظمات غير حكومية.
ففي واحدة منها دفعت ملايين الدنانير العراقية لقبيلة شيعية في بلدة حتى تسمح بعودة قبيلة سنّية اتهمت بالتعامل مع تنظيم «الدولة» لتجد هذه نفسها مطرودة بعد أشهر.
ويعتقد الرشيدية أن بعض الساسة العراقيين يعرقلون محاولات المصالحة هذه حتى لا يفقدوا التأثير.
ومن الحلول المتفق عليها هي ضرورة إعادة ترسيم المحافظة وتقسيمها لمناطق صغيرة تدار إما من بغداد أو إربيل.
ويطالب البعض بفدرالية مع حكومة إقليم كردستان. ومن أكثر المتحمسين لخيار الفدرالية هو روميو هكاري وحزبه «بيت النهرين الديمقراطي» الذي يتحدث عن مظالم للمسيحيين تعود للعهد العثماني. أما عن شكل المحافظة فيرى البعض أنه يجب تقسيمها إلى أربع أو خمس أو حتى تسع مناطق وهناك خلاف حول وضعية الموصل هل يجب أن تترك كمنطقة واحدة أم يجب دمجها مع الريف الجنوبي.
في الموصل
وبعيداً عن الخلافات المؤجلة أشارت صحيفة «واشنطن بوست « لعودة الحياة الطبيعية إلى الجزء الشرقي من مدينة الموصل وانتشار محلات الترفيه فيه مثل قاعات السنوكر والبول. وأشارت إلى نادي القبطان برخامه الابيض والدخان المتصاعد فيه، حيث عاد الزبائن إلى الطاولات بعدما حرموا من تسليتهم المفضلة لأكثر من عامين.
وكان التنظيم قد أصدر بعد سيطرته بوقت قصير على الموصل قراراً بتحريم لعبتي السنوكر والبول لأنهما تلهيان عن الجهاد وأمر بإغلاق القاعات.
وبعد طرده عادت قاعة القبطان وأكثر من عشر قات أخرى وفتحت أبوابها للزبائن في محاولة لإعادة الشعور بالحياة الطبيعية. كما قامت النوادي الأخرى بفتح أبوابها مراهنة على رغبة السكان في ممارسة الهوايات التي حرمهم المتطرفون منها. وقال فارس العبدلي، حكم لعبة السنوكر الدولي، بعد أن أنهى لعبة: «نحن لا نسعى للفوز بل نسعى للاستمتاع.. لقد عادت عجلة الحياة للدوران ولكن ببطء». ولاحظت الصحيفة أن لا أحد من الرواد في القاعات هذه يشعر بالخوف من أصوات الانفجارات البعيدة التي يرتفع صوتها فوق صوت الموسيقى والتي كانت ممنوعة أيضا. وتقول الصحيفة أن الحياة في الجزء الشرقي من المدينة عادت إليه الحياة بالتدريج.
ورجع التلاميذ لمدارسهم وفتحت الحوانيت أبوابها حيث تعرض الملابس الملونة التي منعت تحت حكم تنظيم «الدولة». وكان العبدلي قلقاً عندما أعاد فتح صالته قبل شهرين. لقد أوقف حارساً على الباب ليرصد إن كانت هناك أنشطة مريبة.
ويقول: «كنت قلقاً جداً. فلا نزال لا نثق تماما بالجيش»، حيث تذكر كيف هرب الجيش من المدينة في وجه هجوم تنظيم «الدولة» قبل ثلاث سنوات.
وكان العبدلي قد عاد لتوه من تحكيم مباريات سنوكر في الإمارات عندما احتل تنظيم «الدولة» الموصل.
وقال إنه حاول إقناعهم عندما طلبوا منه إغلاق محله فاعتقلوه 37 يوما كلها ما عدا يومين في زنزانة مظلمة لوحده.
ويقول إنه لا يزال يعاني نفسيا من ذلك. ويضيف إنه تعلم لعب السنوكر في السبعينات من العمال الكوريين الذين كانوا يعملون مع والده حيث كانت لديهم طاولة وعلموه.
وانتشرت لعبة السنوكر والبول في الموصل في ثمانينات القرن الماضي حيث انتشرت بالذات بين الطلاب في المدينة الجامعية.
وكان هناك أكثر من 400 قاعة بول في المدينة قبل سيطرة تنظيم «الدولة» عليها. وفتح العبدلي قاعته القبطان عام 1997. وبدأت معاناة ملاك قاعات السنوكر قبل وصول تنظيم «الدولة» عندما كانت «القاعدة» تطالبهم بدفع 200 دولار في الشهر (لكل قاعة) لضمان سلامتها.
ويقول العبدلي إنه كان منذ عام 2005 يدفع 200 دولار في الشهر لضمان سلامة قاعته «ولم يكن لدينا خيار.. فإن لم ندفع كانوا يتركون قنبلة خارج القاعة».
ولم تكن الشكوى للسلطات العراقية التي اخترقها الفساد مفيدة. والآن يشعرون بأنهم يستطيعون العمل ولأول مرة العمل دون دفع رشوة للمتطرفين.
مع ذلك يخشى الناس الخروج ليلاً ولا تزال المدينة تخضع لمنع التجول وهذا يعني عدم خروج الناس بعد الثامنة مساء.