احيانا يكون هناك من يساعدنا ويفسر لنا بكلمات بسيطة ما حدث هنا قبل 1900 سنة. أحد هؤلاء الاشخاص هو ثيودور مومسان، وهو مؤرخ الماني، ومن أكثر المؤثرين من بين مؤرخي روما القديمة والحاصل على جائزة نوبل للأدب في العام 1902. يحاول مومسان حل لغز بقاء الشعب اليهودي. وفي ختام أقواله يؤكد على الصلة بين تمردات اليهود: الاساس الروحاني. وبشكل أدق، التوتر بين القوة الرومانية العلمانية وبين الاساس الروحاني لليهودية المقاتلة. «الوحدة القومية والدينية التي سعت حكومة روما الى تفكيكها، ازدادت قوتها أمام محاولة القضاء عليها». وبلغة الفيزياء، قانون الفعل ورد الفعل عمل بنجاح.
أعمدة الامبراطورية الرومانية بدأت بالانهيار، بعد أقل من خمسين سنة من دمار القدس، تمردت الجالية اليهودية في قيرانا وقبرص ومصر وسوريا. وعن هذا التمرد كتب مومسان: «انتصارات تريانوس في الشرق تفككت بين يديه، وقد كان للتمرد اليهودي دور في ذلك. تريانوس اضطر الى اعادة قواته ونقلها الى الغرب من اجل القضاء على التمرد، إلا أن قمع التمرد بشكل علني لم يقض على اليهودية. تمرد بار كوخبا الذي لم يكن له مثيل في قوته في تاريخ القيصرية الرومانية… القياصرة تغلبوا على الكيان اليهودي الذي كان دولة داخل دولة. الجيوش استطاعت الوصول الى أسوار القدس، لكنها لم تصل الى اليهودية نفسها».
هذا الامر يريح القلب. منذ فترة الانبعاث القومي لم تكن أي فرصة لاثبات اقوال المؤرخ. وها هم اليهود الأوائل يأتون الى ارض الميعاد، ومثل طائر الرمل الذي يقوم بفرد جناحيه تجمع اليهود من الشتات وأقاموا الكيان اليهودي الذي يتحدث عنه مومسان من جديد. فترة الانبعاث القومي أدت الى تشكيل جيش عبري، جيش للدفاع عن الشعب المشتت.
هل حدث انهيار للموقف القومي؟ هل ما بقي هو بقايا تلك البطولة، من تمرد بار كوخبا وحتى المقاتلين في حروب الانبعاث والاستقلال؟ كثيرون ممن يُشككون جاءوا من صفوف المقاتلين الاولى، وهذا الامر لا يمكن انكاره، لذلك لم يكن التأثير هامشيا. اضافة الى ذلك، دولة اسرائيل قامت بعد حربين عالميتين تسببتا بموت 100 مليون شخص، وهذا دون ذكر من قتلوا في روسيا والصين وغيرهما. العالم تعب من الحروب. وبكلمات اخرى لا يمكن رفض ادعاء من يشككون بالقومية، ليس فقط المحلية بل الدولية. ليس هناك شرك أخطر من ضعف القومية. والقومية لا تعني الحرب المستمرة، بل معرفة الواقع الذي يميز بين العدو والصديق. خدعة التاريخ قد تصل بأشكال مختلفة، لكن الطريقة لتجنب الشرك هي الاعتراف بنتيجة واحدة وهي أن السلام لا يمكنه أن يكون قيمة، بل نتيجة نهائية لمصالح مشتركة بين الدول. التغييرات التي تحدث في العالم بشكل عام، وفي الشرق الاوسط بشكل خاص، تؤكد على أن القومية يجب عليها استعادة قوتها من جديد.
هناك من يسمون تمرد بار كوخبا «قومية متطرفة»، لكن المؤرخ من الخارج يُبين العلاقة الخاصة التي ربطت بين اليهود في الشتات، الى أن جاءت القومية المباركة. من أجيال هي علامة خارجية فقط الى بُعد أكثر عمقا. الصلة التاريخية بين بار كوخبا وأتباعه وبين مقاتلي الجيش العبري تنعكس في ايجاد وثائق بار كوخبا في صحراء يهودا من قبل يغئال يادين، قائد الجيش الفعلي للجيش العبري المتجدد. وهي تنعكس في الوعي العميق بأن الشعب اليهودي يستحق دولة قوية وآمنة تعيش بسلام مع محيطها.
اسرائيل اليوم 10/5/2017