«مشكلني حبك»: الحب إيقاع بطيء

حجم الخط
0

أحمد ندا : «مشكلني حبك» لراشد الماجد.. ربما لأنه انفجر على الساحة العربية في آخر عام دراسي لي في الخليج، وبداية معرفتي للحياة خارجه في مصر، أدمنته كعلامة من علامات «الحياة» التي لا أعرف عنها شيئا.
العام 2003، عام دخولي الجامعة في مصر، التعرف على تفاصيل يومية لم أتمكن من معرفتها سابقا، أهمها الحرية في الفرجة على التلفزيون، الآن أشاهد ما سمعت عنه لسنوات طوال من أبي وأمي عن التلفزيون المصري، سحرني تماما في أيامي الأولى بمصر، أتابع كل برامجه بشغف وظمأ حقيقيين، أحفظ مواعيد برامجه، أتابع كليبات أغان تسللت إلى أذني في الأعوام الماضية صدفة. صارت أسماء عمرو دياب ومحمد فؤاد وسميرة سعيد ولطيفة وإيهاب توفيق وأصالة نصري صورا وحيوات وأشخاصا من لحم ودم. وسط ذلك الزخم ظهر أمامي فيديو كليب «مشكلني حبك» لراشد الماجد، مطرب الشباب –وقتها- في الخليج، الكيان الذي يطيب للشباب أن يقارنوه بعمرو دياب، باعتباره عمرو دياب الخليج. كانت مشاعري مختلطة تماما وقت مشاهدتي للكليب على التلفزيون المصري، بين فرحة بـ»شيء» آت من عالم قديم تركته، وضيق من أثره أيضا في عالمي الجديد. لكن الإيقاع كان أقوى من ضيقي، وانتشار الكليب في مصر وجماهيريته أعطتني تفوقا جديدا حيث كنت الأدرى بين أصحابي الجدد بتفاصيل اللهجة، فكنت أشرح لهم الكلمات، وأحكي لهم بيقين العارف الغناء الخليجي والموسيقى الخليجية.
الكليب كان مليئا بالجميلات اللاتي يتراقصن على إيقاع خليجي، هذه الأجساد الراقصة جديدة على العين المصرية، فيهن الكثير من فانتازيا الجمال الخليجي كما صوره الشباب، والإيقاع السريع وجمله القصيرة وجدت طريقها سريعا بين الجميع. وأنا وسط ذلك كله صرت في نظر أقراني الآتي من دنيا الكليب ليعرفهم معناه.
لم تكن الهواتف المحمولة الذكية قد ظهرت بعد، غير أني كنت من المميزين الذين يملكون MP4، هكذا صرت مركزا موسيقيا لهؤلاء الذين يندهشون من التقنية الحديثة العجيبة، مئات الأغاني وعشرات الفيديوكليبات، غير أن الجهاز الصغير الذي لا يفارق يدي لم يكن هو الحكاية، بل الكليب، أقترب من «شلة بنات» وأنزع السماعات لتنطلق كلمات الأغنية «مشكلني حبك ياروح الروح مشكلني واويله.. وأتعبني قلبك مع الحساد أتعبني.. يا مانصحتك وقلت لك كاين تحبني» أدعي التركيز مع الكليب وعيني على البنات، أغني مع الكلمات بلهجة سليمة، على أمل أن أثير فضول إحداهن، وهو ماكان.. اقترت بنت جميلة، شقراء شقرة طبيعية، ولم أكن بعد قد رأيت شقراوات إلا في الصور، قالت لي: «انت عارف الأغنية» أقول بثقة «آه، وأعرف اللي بيغنيها كمان، حضرت له حفلات، وقابلته» كنت أكذب بالطبع، لكني أردت أن آخذ كل الأسباب التي تجعلها تقترب مني، أن أثير فضولها أكثر، أن أعملها أنني من العالم الذي يرون بعضها منه في فيديو كليب. سألتني بابتسامة غامضة «انت تعرف راشد الماجد؟» قلت لها: «أيوه، وحضرته في جلسات خاصة» لم أشهد جلسات خاصة في حياتي، لكني أعرف قيمة «الجلسة الطربية» في الخليج، وأعرف أنها لخاصة الخاصة، هي لا تعرف ذلك، لكن صوتي حمل ثقة مزيفة كبيرة. صارت أكاذيبي الفورية مفتاحا لمعرفتنا، صداقة علنية، ومحبة سرية من ناحيتي، كتبت شعرا كثيرا باكيا ومتوسلا، لم أجرؤ مرة أن أعطيها أيا منه.
القدر دائما أكثر قسوة من تصوراتنا عنه، بين لقائي بشقراء الجامعة، وموعد حفلة لراشد الماجد في القاهرة شهران فقط، جاءتني في يوم متحمسة أن هنالك حفلة للماجد خلال أيام، وطلبت مني أن أهاتفه وأطلب منه تذكرتين، سألتها بلهفة «تقصدي لي ولك؟»، قالت بحماس «لا، لي ولصاحبي» سألتها بفزع «صاحبك؟!» قالت «أيوه ياأحمد، صاحبي شادي» أسألها ثانية «انت وشادي متصاحبان، مش باين عليكما، ظننتكما مجرد أصدقاء عادي « قالت لي «كنا متخانقين واتصالحنا، وعاوزين نروح الحفلة، ممكن تجيب لنا تذاكر؟» هذه المشاعر الفياضة التي انطلقت لم تر ما يحدث فعلا، كل ابتسامة منها كانت ابتسامة ود لا محبة، فضول لمعرفة الآتي من عالم آخر لا أكثر. غير أني قررت أن أنفجر «ومين قالك إني هاعرف أجيب تذاكر، لا طبعا، وأصلا أصلا أنا معرفش راشد الماجد» وتركتها ومشيت مسرعا.
سبعة عشر عاما مرت على هذه الواقعة، لم أر شقراء القصائد بعدها إلا من بعيد، أجبر نفسي على مسافة بيننا، لكنني لا أشاهد الكليب إلا وتذكرت ابتسامتها الأولى، ودفقات الحب التي أرادت لنفسها مكانا، كأن إيقاع الأغنية السـريع يصير أبطأ، شاهدا على رومانسيتي المراهقة الأولـى.

«مشكلني حبك»: الحب إيقاع بطيء

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية