ما هي الاثمان التي ستدفع لمفاوضات السلام الجديدة؟!

حجم الخط
0

بالأمس ابدأت جولة المفاوضات ‘السرِّية’ في واشنطن، تبادلٌ للإبتسامات، تفاؤل كيري وتردُد فلسطيني واسرائيلي. هذا ما بدا واضحاً من المؤتمر الذي تلا الجلسة الأولى التي يفترض أن تقوم بتمهيد الأجواء أمام جلساتٍ أخرى. إذن، نجحَ كيري على الأقل في جمع الطرفين، ليسَ مهمَّاً – بالنسبة لكيري – كيف نجح! بالخدعة، أم الكذب، أم الدبلوماسيَّة، ثلاثتها أوجهٌ لعملة واحدة، هي العملة الأمريكيَّة المتناسقة تماماً مع الرؤية الإسرائيليَّة للواقع على الأرض، والواقع الواجب أن يكون في المستقبل لدولة إسرائيل، وليس دولة فلسطين.
لكن، بعيداً عن مستقبل هذه المفاوضات، جدواها، خطواتها، والأثمان التي ستدفع من خلالها، أو تحت غطائها على المستوى العربي وما تدبره الولايات المتحدة الأمريكيَّة للمنطقة. ماذا عن المشهد الفلسطيني تحديداً؟ قرأت للكثيرين الذين تحدَّثوا عن المفاوضات، المنتقدين، والذين صفقوا لهذه المفاوضات. ذاتها الحجج التي ترددت طوال العشرين عاماً الماضيَة، تردد الآن على لسان الفريق الثاني، الوضع العربي والدولي غير مساعدٍ على التعنت، وأيضاً، شعار الحياة مفاوضات والقدرة المتوفرة للحصول على الممكن في الوقت الآني.
أما الفريق الأوَّل، تعددت الحجج والافتراضات، ولكن ما كان جلِّياً وواضحاً في كلام المنتقدين، هو لومُ الشعب الفلسطيني، ودعوته للانتفاضِ والتمرد على الوضع القائم. ما يبدو غريباً، أنَّ هذا الشعب الذي يبدو أسطورياً إلى حدٍ ما، يُضربُ في سورية ويزجُّ في صراع بين قاتل وقاتل، وهو على حافَّة الهاويَة في لبنان من أن يتزحلق إلى حافَّة هاويَةٍ أخرى. وهو يشتمُ ويسبُّ في مصر وأمسى مستهجناً لدى قطاعٍ واسعٍ من المصرييين. وفي فلسطين المحتلَّة يُواجه مخطط برافر الذي يسعى إلى الاستيلاء على ما تبقى له في النقب وتهجير المزيد وولادة نكبة جديدة. وفي قطاع غزَّة، يُحكم بالحديد والنار، وهو أيضاً على حافَّة الهاويَة هناك، إذ أنَّ الجميع هناك يملكون السلاح والقوَّة، والضغطُ المفروض من قبل حركة حماس والحكومة المقالة هناك قد يولِّد انفجاراً يحملُ رائحَة دم الأخوة مرَّةً أخرى، ولكن بصورةٍ أكبر من السابقة. هذا كلُّه عدا عن الحصارِ المفروض على القطاع منذُ زمَن، والذي يعدُّ عاملاً آخراً في الضغط على الفلسطينيين، اقتصادياً واجتماعياً. وفي الضفَّة الغربيَّة، تُحاصرهُ المستوطنات من كلِّ جانب، والدوريات العسكريَّة وقنابلُ الغاز والسجون المليئةُ بالأسرى. وأيضاً، تُحاصرهُ من كل جانبٍ القروضُ البنكيَّة، والأسعار الباريسيَّة، وعيونُ أجهزة الأمن الساهرة على راحةِ رجالِ السلطة وتوجُّهاتها.
كلُّ ما ذكر سابقاً هي مأساةٌ يُعانيها الشعبُ الفلسطيني، ولكن لا تعانيها الفصائلُ الفلسطينيَّة، وقيادات هذه الفصائل على وجه الخُصوص. ما ترتَّب على شيخوخة قيادات الفصائل والأحزاب الفلسطينيَّة، وعيشها في أبراجها العاجيَّة على مدى السنين الفائتة. هو انفصال هذه القيادات عن الشارع الفلسطيني، ليسَ هناك خليل الوزير وقيادَة موحَّدة للإنتفاضَة تُديرُ شعباً كاملاً من تُونس، وليسَ هنالكَ ياسر عرفات آخر يلتفُّ حوله شعبٌ بكافة أطيافه، وليسَ هناك حبَش يُجمعُ عليه القاصي والداني، والطفلُ والشيخ، وليسَ هناك ياسينٌ آخر يعيدُ هيبَةَ الحركَات الإسلاميَّة، وصبغتها السمحة والمتسامحة مع الآخر. لا أذكرُ هؤلاء الآن للبكاء على أطلالٍ مضَت، بل أذكُرُهم لأبيِّن أزمَة القيادة، بل حتَى انتهاء صلاحيَّة القيادة الفلسطينيَّة. التي يتوزَّعُ بعضها فوق منصات الحكم والسلطة، متفرداً في قراره ويذكرنا بملك فرنسا الذي قال أنا الدولة، ويا ليتها دولة حقاً. والآخرُ يذكِّرنا بالحاكم بأمر الله، وليته حاكمٌ بأمر الله حقاً. وآخرون يدورون في فلك الإثنان، يدينون يوماً، ويجتمعون مع الإثنان في اليوم الآخر.
أعودُ لأولئك الذين يتحدَّثونُ عن الشعب الفلسطيني ويلومونه على واقعه المرير هذا، وأودُّ أن أسأل، إذا كان الشعبُ الفلسطيني يعيشُ هذه الأوضاع، ولكنَّه ما زال حيَّاً حتى الآن. يَتظاهرُ في فلسطين المحتلة ضدَّ مخطط برافر، ويصمدُ ويصبرُ على الحرب المتكررة كلَّ موسم انتخابات اسرائيليَّة على قطاع غزَّة ويقدم الشهداء. ويخرجُ للمستوطنين في بلعين ونعلين وقرية النبي صالح وقرى أخرى في الضفَّة الغربيَّة ويتعرض للإعتقالات كلَّ ليلة. ويصبرُ على المعاناة في سورية، وفي لبنان. هذا ما قدَّمهُ الشعبُ الفلسطيني، ولكن، ماذا عن ما قدَّمهُ اللائمون لهذا الشعب، هل يصمدون فعلاً كما يفعل؟ وهل يقدمون فعلاً ما يقدِّم؟
أمَّا عن المُفاوضات، واستنكار حركة حماس، ودوران الفصائل المتبقيَّة في الفلكان. هذه كلُّها ترهات، تجاوزَ الشعبُ الفلسطيني النشاشيبي والحسيني من قبل، وتجاوز الشقيري من قبل، وسيتجاوزُ هذان الفلكان لاحقا. وسيبقى الإستعمار استعماراً، لا يدوم، وينهزمُ في النهايَة عندما يحينُ وقت النهاية.
يُذكِّرني أولئك، بنصٍ من قصيدَةٌ لمحمود درويش، أعيدُ اقتباسها: قطعوا يديّ وطالبوني أن أدافعَ عن حلبْ.

أنس حسونة – جامعة بيرزيت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية