صنعاء «القدس العربي»: كشف مصدر طبي يمني لـ «القدس العربي» أن مستشفيات ومراكز صنعاء المعتمدة لاستقبال حالات الكوليرا المشتبهة والمؤكدة تشهد يومياً تسجيل ما يصل وأحياناً يتجاوز ثلاث حالات وفاة وخاصة من الأطفال وكبار السن ممن يصلون متأخرين إلى المستشفى. وقال لقد بات واقع هذا المرض في اليمن مقلقاً جداً بل وأخطر بكثير مما تعلنه أرقام وبيانات السلطات المحلية والمنظمات الدولية، مطالباً السلطات الحكومية وغير الحــكـومية والمنظمات الإنسانية تحمل مســؤولياتها بشجاعة إزاء مواجهة تفشي الموجة الثانية من هذا المرض في اليمن وإلا فإن آثاره ستكون «كارثية»على حد تعبيره.
ووفق تقرير مشترك صدر عن عدد من المنظمات الإنسانية بالتعاون مع وزارتي الصحة والموارد المائية في صنعاء حتى 9 أيار/مايو الجاري فإن عددا من محافظات اليمن شهدت عودة مرض الاسهال المائي الحاد /الكوليرا بعد أن كانت البلاد شهدت انخفاضاً في حالات المرض خلال الشهور الماضية لتبدأ موجة ثانية من المرض وتحديداً منذ 27 نيسان /أبريل 2017. ووفقاً للنسخة الإنكليزية من التقرير، فانه في الفترة من 27 نيسان/ابريل وحتى 9 آيار/مايو تم تسجيل (47) حالة وفاة تم الإبلاغ عنها (فقط) من محافظات المحويت، وذمار، وإب، والضالع حجة وصنعاء من بين عشر محافظات (وسط وشمال البلاد) شملتها الموجة الثانية من المرض، وشهدت (2301) حالة مشتبهة ومؤكدة بالكوليرا تم رصدها خلال 14 يوماً في تلك المحافظات العشر حتى الثلاثاء الماضي، منها (1069) حالة مشتبهة ومؤكدة تم رصدها (فقط) في صنعاء (العاصمة والريف) منها (24) حالة وفاة شهدتها منطقة صنعاء، محتلة بذلك المركز الأول من حيث عدد حالات الاشتباه والإصابة وكذا حالات الوفاة وبمعدل ( 45.2 في المئة) من أجمالي حالات الاشتباه في الإصابة والوفاة على مستوى المحافظات المرصودة وبمعدل يتجاوز الخمسين من حالات المحافظات (المرصود فيها حالات الوفاة) وبمعدل تقديري يصل إلى ثلاث حالات وفاة يومياً بصنعاء (يتم الإبلاغ عنها).
وسجل التقرير نسب حالات الإصابة في المحافظات على النحو التالي: في صنعاء/الريف (34.6 في المئة)، وأمانة العاصمة/المدينة (11.9 في المئة) وذمار (5.8 في المئة) والمحويت (9.8٪) وإب (12.2٪) والضالع (9.8٪) وحجة (6.7٪) والحديدة (3.3٪)، وتعز (2٪) والبيضاء (3.9٪). وأشار التقرير إلى أن حالات الوفاة بلغت خلال الفترة المشار إليها 2 في المئة. فيما أكدت التجارب المختبرية-وفق التقرير-أجمالي (58) حالة إصابة بالكوليرا. وانطلاقاً من الإشارة الأخيرة التي تضمنها التقرير يمكننا الاستنتاج أن ثمة أوبئة أخرى مجهولة ومنتشرة مع الكوليرا في اليمن، وهي التي تتسبب بإصابات مشابهة كما بالوفاة، أو أن ثمة عجزاً كبيراً في إمكانات التحليل والفحص المخبري لدى ما تبقى من المستشفيات والمراكز اليمنية العاملة، وفي هذه الحال فإن واقع هذه المستشفيات يمثل بحد ذاته خطراً إضافياً وكبيراً قد يوازي خطورة تفشي مرض الكوليرا.
وأرجع التقرير في نسخته الانكليزية «ارتفاع عدد الحالات إلى تأثر النظام الصحي والبنى الأساسية المدنية، بما في ذلك مرافق المياه والصرف الصحي في المحافظات، بشكل خطير بسبب النزاع الدائر. كما تسببت الأمطار الغزيرة الأخيرة في ارتفاع حالات تلوث بعض مصادر المياه بالقمامة غير المحصلة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المناخ الأكثر دفئا يهيئ بيئة مواتية لمسببات الأمراض التي تسبب انتشار أمراض الإسهال».
الموت المحقق
إلى ذلك كشف طبيب يمني لأمراض الكُلى وضغط الدم في حديث غير رسمي مع «القدس العربي» أن كثيرا ممن قضوا بسبب الكوليرا في صنعاء في الأسبوع الماضي هُمّ من الأطفال ومن مرضى الكُلى وضغط الدم، وذلك بسبب ضعف مناعة الأطفال عن تحمل مواجهة المرض خصوصاً عند تأخر اسعافهم للمستشفى بالإضافة إلى أن ضعف مرضى الكُلى عن تحمل مضاعفات الاسهال الحاد الناجم عن بكتيريا الكوليرا، يجعل موتهم محققاً وسريعاً في حال لم يلقوا عناية عاجلة وخاصة، منوها إلى آثار الحرب على القطاع الصحي وتدهور الخدمات وتراجع الحياة المعيشية للناس إلى مستويات لجأ فيها كثير من السكان للأكل والشرب من مصادر غير آمنة، وهو ما جعل معدلات الإصابة مرتفعة مع تكدس مخلفات القمامة في الشوارع في الأيام الماضية، وبالتالي فان صنعاء ـ كما يقول ـ قد تواجه مع معظم محافظات وسط وشمال اليمن تفشياً كارثياً للمرض قد يتحول معه، خلال وقت قصير، إلى وباء يجتاح اليمن كله وسيتمدد إقليمياً بسرعة مخيفة.
ومقابل ذلك تحدث الروائي اليمني منير طلال عن تفاصيل مؤلمة لوفاة جاره بالكوليرا، بعد أكثر من عامين تشاركا معاً في صنعاء هموم مواجهة صواريخ الحرب وتداعياتها خوفاً وجوعاً وفقراً ليموت صديقه بمرض لم يكن في الحسبان ويخلف موته يتماً ووجعاً في مدينة أصبحت فيها الحياة أكثر قسوة جراء ما تعيشه من تدهورٍ في الخدمات وانقطاع في التيار الكهربائي وتلوث المياه وافتقار معظم سكانها لكثير من احتياجات المعيشة جراء انقطاع صرف المرتبات لثمانية شهور كحال معظم محافظات وسط وشمال البلاد.
وفيما تحدثت منظمة الصحة العالمية الأربعاء الماضي عن واقع خطير لعودة تفشي الكوليرا في اليمن وما نتج عن هذا المرض عن حالات إصابة ووفاة تنذر بنتائج وخيمة، فإن الجامعة العربية قد أعربت في بيان الثلاثاء الماضي على لسان أمينها العام، أحمد أبو الغيط، عن القلق البالغ مما تحمله التقارير الدولية التي تشير إلى تفشي الكوليرا، داعياً المجتمع الدولي والمنظمات الاغاثية إلى سرعة التدخل للحيلولة دون تدهور الوضع الصحي والإنساني في اليمن.
وأكد رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في اليمن شينجيرو موراتا في بيان الأربعاء الماضي أن «هناك حاجة لتعاون مرن بين المنظمات الصحية والسلطات المعنية لتقديم الدعم الفوري للمرافق الصحية والمجتمعات المحلية في المناطق المتضررة». وأضاف «هناك مرضى يأتون من مناطق عديدة تبعد عشرات الكيلومترات ونحن قلقون للغاية. أن انتشار المرض سيستمر ويخرج عن السيطرة» معرباً عن خشية المنظمة من أن السلطات الصحية في اليمن لن تتمكن وحدها من التعامل مع تفشي المرض نتيجة استمرار الحرب التي أدت إلى توقف عدد من المستشفيات والمرافق عن العمل بسبب عدم وجود ميزانية لتشغيلها وعدم دفع رواتب الموظفين منذ ايلول/سبتمبر 2016 إذ أصبح الحصول على الرعاية الصحية صعباً للغاية على ملايين اليمنيين».
تدهور قطاع الخدمات
وتسببت الحرب الدائرة منذ أكثر من عامين في اليمن في تدهور قطاع الخدمات وتدني وتلوث مصادر معيشة كثير من السكان وبالتالي في عودة تفشي الكوليرا لأول مرة في البلاد في تشرين الثاني/أكتوبر من العام 2016 بعدما كان اليمن قد أعلن خلوه منه عام 1999 ليعود في موجة ثانية أواخر نيسان/ابريل من العام الجاري بعدما كانت موجته الأولى قد سجلت انحساراً في آذار/مارس الماضي، وذلك بعد ستة شهور ضرب فيها المرض في موجته الأولى 16 محافظة شمالاً وجنوباً من أصل 22، وقضى فيها (103) أشخاص من إجمال 24 ألف حالة إصابة مؤكدة وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية.
وكانت السلطات الصحية في صنعاء قد أعلنت حتى الخامس من آيار/مايو عن تسجيل (1681) حالة مشتبهة بالإصابة توزعت في (13) محافظة: العاصمة صنعاء، وريف صنعاء، وإب، وحجة، وذمار، وعمران، والضالع، وتعز، وريمة، البيضاء، والجوف، والمحويت، والحديدة.
إلى ذلك كانت مصادر غير رسمية أعلنت عن أن صنعاء تشهد أكبر حالات تسجيل إصابة بالمرض، حيث تستقبل مستشفياتها ومراكزها المخصصة لهذه الحالات ما يتجاوز المئة حالة يومياً، بما فيها المستشفى الجمهوري التي تقول مصادر طبية فيها إنه يستقبل أكثر من أربعين حالة يومياً ولا يمر يوم دون أن يشهد هذا المستشفى مع مستشفى السبعين حالات وفاة من بين حالات الاشتباه والإصابة.
وتزامنت عودة تفشي المرض في موجته الثانية في صنعاء مع أمطار وإضراب عمال النظافة جراء توقف صرف مرتباتهم ما تسبب بتكدس مخلفات القمامة في الشوارع والأحياء في فترة تشهد فيها كثير من مناطق اليمن بما فيها صنعاء هطول أمطار غزيرة، وهو ما يجعل من مثل هذه البيئة لاسيما في فصل الصيف حاضنة جيدة لبكتيريا المرض وناقلة سريعة لها عبر الحشرات إلى حواضن جديدة، ومن خلال مياه الامطار إلى منابع المياه، ولهذا فقد أدى تكدس القمامة في موسم أمطار داخل صنعاء إلى تلوث بعض آبار المياه في فترة صار فيها ـ للأسف ـ كثير من سكان هذه المدينة بسبب تداعيات الحرب يعتمدون على هذه الآبار في الحصول على مياه الشرب والطبخ.
وكانت سلطة الموارد المائية في المدينة تحدثت عن ثبوت تلوث بعض منابع المياه ببكتريا الكوليرا بالتزامن مع تكدس أكوام القمامة في الشوارع خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري، وهو التلوث الذي اتسعت معه دائرة التفشي والإصابة بهذا المرض. واضطرت هيئة الموارد المائية في صنعاء للنزول الميداني مؤخراً لتنفيذ إجراءات احترازية (غير كافية) في بعض آبار ومحطات التعبئة في المدينة، وذلك بعد ثبوت تلوث بعض المنابع.
وتنتقل بكتريا الكوليرا إلى الإنسان عبر طعام أو شراب ملوث وتستقر في الأمعاء الدقيقة وتسبب اسهالاً وقيئا حاداً يحتاج معه المصاب إلى رعاية طبية عاجلة ومتواصلة ما لم فإنها تسبب الوفاة.
وكان عمال النظافة قد رفعوا إضرابهم مساء الثلاثاء (فيما ما تزال أكوام القمامة داخل كثير من الأحياء حتى كتابة هذا التقرير) بعد أن تكفل تجار بدفع بعض الاستحقاقات الضريبية المتأخرة للسلطة المحلية لمواجهة صرف مرتبات عمال النظافة المتأخرة وفق ما أعلنته مصادر محلية في العاصمة في سياق ما شهدته الخلافات بين سلطة المدينة والمحسوبة على حزب المؤتمر والرئيس السابق علي عبدالله صالح وسلطة وزارة المالية في حكومة الأمر الواقع والمحسوبة على الحوثيين جراء ما اعتبرته السلطة المحلية للمدينة رفض وزارة المالية صرف مرتبات عمال النظافة، وهو ما ارتفعت بسببه نبرة الاتهامات المتواصلة بين قطبي سلطة الأمر الواقع (صالح والحوثيين) في سياق ما باتت تشهده علاقتهما من توتر إعلامي.
كل عشر دقائق يموت طفل
وحذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في مستهل نيسان/أبريل من تزايد تفشي وباء الكوليرا بـ «شكل مخيف» في اليمن.
وهذا وما زالت بعض محافظات جنوب اليمن تعاني من وجود المرض جراء موجته الأولى وإن كانت أعداد الإصابة المبلغ والمعلن عنها قليلة إلا أن بقاء المرض يبقى تحدياً يفترض استشعار عال للمسؤولية لدى السلطات للتواصل والتعاون مع المنظمات الدولية في سبيل التخلص منه سريعاً إذ إن كل يوم تأخير يدفع ثمنه البسطاء الذين يتعرضون للإصابة بسبب التلوث الذي بات يحاصر حيوات معظم اليمنيين في عموم البلاد بل باتوا يموتون بأمراض يصعب تشخيصها. وكانت بيانات سابقة أشارت إلى أنه في كل 10 دقائق يموت طفل في اليمن، بسبب سوء التغذية، والإسهال والتهابات الجهاز التنفسي.
وأطلق ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن أحمد شادول، نهاية العام الماضي، تحذيراً من أن القطاع الصحي في اليمن يواجه خطر الانهيار في حال استمرت الحرب وتوقف الدعم الدولي، ما يعرض حياة الملايين من اليمنيين للخطر.
وألحقت الحرب الدائرة في اليمن بين مسلحي جماعة الحوثي (انصار الله) والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح من جهة وبين القوات الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي مسنودة بتحالف تقوده السعودية من جهة ثانية، منذ آذار/مارس 2015 أضراراً بالغة بالقطاع الصحي في البلاد، مع انتشار أمراض سوء التغذية والأوبئة ومنها الكوليرا ما يضاعف من المخاطر التي تتهدد حياة الملايين في هذا البلد في ظل تحذيرات أممية من اتساع دائرة المجاعة في حال لم تف الدول سريعاً بالتزاماتها التي قطعتها في مؤتمر جنيف الأخير لدعم جهود الإغاثة في هذا البلد الذي يعدّ من أفقر بلدان العالم.