فازت «الماكرونية» على «اللوبانية» واندحرت الشعبوية ولم تمت

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: سيسلم اليوم الأحد الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته فرانسوا أولاند الرئيس المنتخب إيمانويل ماكرون الرمز السري للأزرار النووية الفرنسية، ومعه سيخلف له تركة هائلة من المشاكل التي تعاني منها الجمهورية الفرنسية ومنذ عقود، مشكلة إرهاب وبلد يعيش تحت وطأة قوانين الطوارئ وأكثر من 10 آلاف جندي في الشوارع لحمايتها من التهديدات الإرهابية وبلد منقسم بين دعاة العولمة والإنفتاح الذين يمثلهم ماكرون وحركته «إلى الأمام» ودعاة الإنعزالية والخروج من أوروبا والعنصرية الذين تمثلهم المرشحة الخاسرة مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية. والسؤال يرتبط بقدرة هذا «الولد» كما وصفته صحيفة «لاكسبريس» على غلافها بعد ساعات من فوزه في الانتخابات الرئاسية يوم 7 أيار (مايو) الحالي. ويعتمد كل هذا على أداء حزبه الجديد في الانتخابات البرلمانية، فبدون انتصار يمنحه الغالبية سيكون مقيدا في قصر الإليزيه أسير الكولسات في البرلمان ولن يستطيع تنفيذ وعوده الانتخابية في مجال الاقتصاد وحل مشكلة البطالة والإنسجام الاجتماعي الذي سممته دعاية الجبهة الوطنية من خلال لعب ورقة المهاجرين وتهديد المسلمين لقيم فرنسا.

السر

والسؤال هل سيكون فوز ماكرون نهاية اليمين واليسار وبداية مرحلة في الجمهورية الفرنسية برئيس مثل شارل ديغول الذي آمن بسلطة الرئيس التنفيذية وصمم الجمهورية على مقاسه كي تكون قادرة على مواجهة التحديات التي برزت من الثورة الجزائرية والإنقسامات الداخلية، أم أن ماكرون سينضم إلى قائمة الرؤساء الذي جاءوا بعده وتبنوا سياسات فاقمت أزمات فرنسا الاقتصادية وأخرجتها من مسرح التأثير العالمي من بومبيدو ومرورا بجيسكار ديستان وفرانسوا ميتران وجاك شيراك ونيكولاي ساركوزي وأخيرا أولاند؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من فهم سر انتصار ماكرون الذي أعلن وفاة الأحزاب التقليدية وأوقف موجة الشعبوية التي بدأت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وأدت لوصول دونالد ترامب إلى السلطة في العام الماضي. ولا شك أن فوز ماكرون البالغ من العمر 39 عاما والمولود في منطقة أميان لطبيب وطبيبة، كان في حد ذاته رفضا لسياسة لوبان وريثة والدها جين ماري لوبان الذي دافع عن التعذيب في الجزائر أثناء الإستعمار الفرنسي واعتبر غرف الغاز النازية مجرد «تفصيل» في التاريخ ولكم سياسية اشتراكية مرة على وجهها. وتبنت عائلة لوبان جان دارك كمثال لها وهي الطفلة التي اعتبرها البعض «أم الأمة الفرنسية» والتي استمعت للأصوات التي تناديها وقاومت الأجانب الإنكليز وأخرجتهم من فرنسا. وسمع لوبان وابنته الأصوات نفسها مع أن هوية الأجانب هذه المرة قد تغيرت. إلا أن ماكرون كان هو الرجل الذي استمع للأصوات المجهولة، ففي أثناء عمله كوزير للاقتصاد في حكومة فرانسوا أولاند وضع خطة ليحل محل رئيسه. وبعد إعلانه عن حزبه «إلى الأمام» في نيسان (إبريل) حذر مستشاروا الرئيس من الرجل الذي يعتبره ابنه الروحي والذي يحضر للدخول في الانتخابات ضده. ورفض أولاند الاستماع للنصائح واعتبرها مجرد شائعات وكان هذا مثيرا من رجل عمل في السياسة طوال حياته. ويقول أرثر غولدهامر الأكاديمي الأمريكي في جامعة هارفارد في «فورين أفيرز»(7/5/2017) إن صعود الشاب الموهوب بدأ عندما تخرج الأول في كل دروسه من المدرسة الوطنية للإدارة وهي الحضن الذي تتخرج منه النخبة الفرنسية وهو ما منحه الفرصة لكي يعمل في المديرية العامة للمالية، ومن هنا بدأ حياته العملية في أعلى السلم. وبعد فترة قصيرة عمل فيها في مصرف استثماري عاد ماكرون إلى العمل الحكومي كعضو بارز في فريق أولاند. وعين بعد ذلك في وزارة المالية وهو منصب ظل فيه حتى استقالته في آب (أغسطس) 2016 عندما قرر التفرغ للحملة الانتخابية. وعلى خلاف معظم المرشحين كان ماكرون الأكثر دفاعا ومنافحة عن الاتحاد الأوروبي وضرورة بقاء فرنسا في إطار العولمة ولهذا عكس برنامجه الانتخابي رؤى تفضل أصحاب الشركات والأعمال وتدعو لإصلاحات في قطاع العمل من خلال تخفيف اعتماد فرنسا على الوقود الأحفوري والإستثمار في قطاع العمل الاخضر الرفيق في البيئة. وفضل في هذا السياق النموذج الإسكندنافي الذي وفر الدعم للعمال الذين ينتقلون من القطاع المتراجع للعمل في القطاعات الصاعدة. ولم تكن وعوده كافية في ضوء المشاكل الكبيرة التي تواجهها البلاد وموجة العداء التي انتشرت للأجانب والمسلمين بسبب الخطاب الشعبوي ولهذا ظن الكثيرون أن فرنسا ستكون النسخة المقبلة من الشعبوية الصاعدة في أوروبا.

تخبط لوبان

ولكن المراقبين لم يفهموا بالضرورة تاريخ فرنسا وطبيعة الناخب الفرنسي الذي يفترض الكثير من المزايا في مرشحيهم للرئاسة. ولهذا كان ماكرون محظوظا بدرجة ما إضافة إلى تعثر المرشحين في اليمين واليسار الذين أطلقوا النار على أنفسهم بفضائحهم وتشتتهم. ولعب ماكرون نفسه دورا في تقسيم الاشتراكيين أولا بالتخلي عن استاذه أولاند وثانيا برفضه دعم الاشتراكي ومزاودته عليهم بحزبه الجديد. ومهما يكن أدى تخبط زعيمة الجبهة القومية لفتح الطريق أمام فوز الزعيم الشاب. فقد تخلت لوبان التي ورثت الجبهة الوطنية عن والدها عام 2011 عن جهود الإصلاح التي قامت بها وحاولت من خلالها تحويل الحزب إلى حزب رئيسي من خلال «نزع الشيطنة» عنه وتطهيره من الخطاب العنصري والنازي والمعادي للسامية. وركزت انتباهها على القضايا التي تهم الناخب الفرنسي ووسعت من قاعدتها بين الطبقات العمالية، حيث أصبح هذا المصدر الرئيسي لأصوات الجبهة. إلا أن فوز ماكرون المريح في الجولة الأولى 24٪ أعادها للمستنقع الذي نشأ فيه حزبها وحاولت في الأيام الأخيرة التي سبقت الجولة الثانية تقليد ديغول الذي ارتفع فوق حزبه واستقالت من رئاسة حزبها وعينت مكانها جين فرانسوا جالك الذي أثار جدلا بشأن مواقفه من الهولوكوست. ثم تبع ذلك سلسلة من الأخطاء القاتلة التي أثارت شكوك الناخبين بترددها بشأن الخروج من أوروبا «فريكسيت» التي قالت إنه سيبدأ بعد فوزها مباشرة لكنها عادت وقالت إنه لن يتأتى إلا بعد دراسة متأنية. وكان أداؤها في المناظرات التلفزيونية مشينا، حيث هبطت باللغة التي يجسدها حزب الجبهة ببذاءته ووقاحته. ورفضت مناقشة ماكرون حتى تبدو كرئيسة في عيون الفرنسيين. واتبعت تماما استراتيجية ترامب في مناظراته مع كلينتون، وما نجح في أمريكا فشل في فرنسا. فقد توصل الفرنسيون الحانقون على المؤسسة أن مرشحتهم لن تكون قادرة على قيادة البلاد بعدما رمت بوعودها من الشباك. وأخافت الكثير من الناخبين الذين غيروا مواقفهم ودعموا ماكرون. وعليه يمكن القول أن نتائج الانتخابات الفرنسية الأخيرة كانت رفضا عاما لـ «اللوبانية» ولم تكن بالضرورة تأكيدا لماكرون ونسخته «الماكرونية» الجديدة. ومن هنا فالفصل المقبل من تاريخ فرنسا معلق بنتائج الانتخابات البرلمانية التي ستمتحن قدرة الحزب الجديد على إقناع الناخبين. ورغم تعهد الرئيس الجديد بالمنافسة في كل المراكز الانتخابية إلا أن المهمة هذه المرة ستكون صعبة، فمرشحوه سينافسون في مراكز تدعم تقليديا أحزاب المؤسسة التي هزمها وهنا هو الامتحان الكبير. لكل هذا ففوز ماكرون أبعد من كونه هزيمة للشعبوبية بقدر ما يرتبط بتاريخ الرئاسة الفرنسية نفسها من ديغول إلى أولاند كما يرى جوناثان فينبي في «فورين أفيرز» (7/5/2017) حيث قال إن الرئيس الجديد الذي غرد خارج السرب وفاز بطريقة مدهشة لا يمكن تفسيره بإحباط القرنسيين من العولمة وخوفهم من الإرهاب.

تاريخ الرئاسة

والسبب أبعد ومرتبط بماضي فرنسا وتبدأ القصة بسلسلة من الرئاسات الفرنسية الفاشلة والتي عانت منها فرنسا منذ نهاية المرحلة الأولى من الجمهورية الخامسة التي أنشأها ديغول في عام 1958. ويقول إن كاتالوج الفشل على قمة السياسة الفرنسية يفسر في النهاية ظهور مرشحين من خارج التيار الرئيسي في انتخابات الرئاسة الفرنسية هذا العام. فالحنق الذي يتراكم منذ عقود انفجر هذا العام عندما قام الحزبان الرئيسيان بالقضاء على فرصهما. الاشتراكيون الذين اختاروا مرشحا قسم الحزب والجمهوريون الذين اختاروا مرشحا لاحقته الفضائح حتى النهاية. ومن هنا يمثل ماكرون جيلا جديدا من الفرنسيين الذي يريد فك فرنسا من القيود التي شلت عمل القادة في الماضي. ورغم تمثيل ماكرون للمؤسسة الإصلاحية إلا أنه كان الرجل الذي أربك الحملة الانتخابية. وعليه فهو يواجه اليوم تحديا من ناحية قدرته على وضع البلاد على طريق قوي لمواجهة سلسلة من التحديات الداخلية والخارجية. وبعد مرحلة قد تكون من شهر العسل ربما واجه ماكرون أعداءه الذين يتربصون به من اليمين المتطرف واليسار الذي يسيطر على الكنفدرالية العامة للعمال. وعندها يجب على الرئيس المتمرد نفسه أن يثبت أنه قادر على الغوص عميقا والخروج وتقوية الرئاسة التي عانت من أزمات في عهد أسلافه. وما نراه اليوم على الساحة الفرنسية «ثورة» ويعرف الفرنسيون معنى الثورات ومن هنا سيواجه ماكرون معارضة كبيرة كما تقول «تايم» الأمريكية (11/5/2017) وهو يحاول تطبيق أجندته. وتقول إن ماكرون ليس الرئيس الجديد لفرنسا فقط ولكنه المدافع عن أوروبا ولهذا فهو بحاجة لحلفاء وبالضرورة رعاة نظرا لخبرته القليلة على المسرح الدولي ولهذا يرى البعض ضرورة تعاون فرنسا وألمانيا لحماية الوحدة الأوروبية رغم خلاف الرؤى والفجوة التي تفصل بين البلدين في مجال البطالة والتقدم والتصدير، كما كشف مقال في «فورين أفيرز» (8/5/2017). وهو بحاجة لأن يتعامل مع الرئيس ترامب في قضايا الإرهاب والشرق الأوسط. فحسب إدوارد لوكاس في صحيفة «التايمز» (12/5/2017) فإن فرنسا ناشطة دوليا أكثر من الجارة بريطانيا. ولديها قوات في دول الساحل والصحراء والمحيط الهادئ وناشطة في محاربة تنظيم الدولة. وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستكون فرنسا الأقوى في أوروبا بجيش متفوق ومسلح بمعدات حديثة ويلعب دورا في الداخل والخارج. فبعد الهجمات الإرهابية في باريس 2015 نشر الرئيس أولاند 10.000 جندي في الشوارع. ويعتقد لوكاس أن تعاون فرنسا لتقوية حلف الناتو الذي تعرض لشجب من الرئيس الأمريكي باعتباره مؤسسة متهالكة ضروري ولا بد في الوقت نفسه من الرد على الهجمات الألكترونية التي يتهم فيها الروس عشية الانتخابات الفرنسية، فهي قضية مهمة لأمن فرنسا وأوروبا. ويعتمد كل هذا على قدرة ماكرون على إقناع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل لإصلاح منطقة اليورو.

لم تنته الظاهرة

وكما يقول فيليب ليغرين، مستشار المفوضية الأوروبية السابق في مقال له في موقع «بروجيكت سيندكيت» (10/5/ 2017) فعمر ماكرون، 39 مماثل لعمر ماثيو رينزي عندما أصبح رئيسا للوزراء في إيطاليا ووصل على وعود إصلاح الأوضاع. إلا أنه فشل وتراجعت شعبيته واستقال في كانون الأول (ديسمبر) بعد خسارته الإستفتاء مخلفا وراءه يمينا متطرفا في وضع جيد للفوز في انتخابات جديدة. وفي المحصلة فظهور ماكرون على الساحة الفرنسية هو نتاج لعوامل عدة الشعبوية واحدا منها. فهو وإن هزمها فرنسيا إلا أن الموجة عالميا لا تزال قوية ونظرة إلى لوحة النتائج نرى أنها خسرت بهامش ضيق في النمسا العام الماضي وفي هولندا قبل شهرين ولكنها لا تزال حية أبعد من أوروبا كما لاحظ ديفيد بيتش في «ييل إنسايت» (9/5/2017) فهي حاضرة في الفلبين وتركيا وروسيا وبصعود الأنظمة الشمولية. ويرى بيتش أن الشعبوية بما تعنيه من عداء للنخبوية والمؤسسة تتمثل أكثر في حزب لوبان منها في ماكرون الذي يحظى بشعبية ولكنه ابن المؤسسة ومتخرج من مدارسها، وقرر الابتعاد عنها بتأسيس حزبه الخاص. وعليه فـ «الماكرونية» تظل استراتيجية انتخابية وليست حلا للمشاعر الشعبوية. فلو لم يرشح ماكرون نفسه لفاز اليمين المتطرف. ولن تختفي الشعبوية طالما بقيت العوامل التي تغذيها. ومن هنا فقصة ماكرون التي تحمل الأمل لا تختلف عن باراك أوباما الذي بشر بالوعود وانتهى مقيدا في دوامة من التشريعات والكولسات بالكونغرس قيدت يديه وانتهى النهاية التي نعرفها بدون إنجازات كبيرة، بخلاف أننا أمام وعود جديدة.

فازت «الماكرونية» على «اللوبانية» واندحرت الشعبوية ولم تمت

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية