فرنسا والعرب: الاقتصاد مفتاح ماكرون

حجم الخط
2

أي علاقة قد تُنسج بين العرب وفرنسا في ظل رئيس فرنسا الجديد إيمانويل ماكرون؟ سؤال قد يكون من المبكر الإجابة عليه قبل أن تتبلور موازين القوى في البرلمان التي ستفرزها الانتخابات التشريعية الشهر المقبل، والتي ستحدد ما إذا كانت حركة «إلى الامام» التي أسسها الشاب الطموح قبل سنة ونصف على قاعدة «لا يمين ولا يسار»، وتحولت اليوم لتصبح حزب «الجمهورية إلى الأمام» قادرة أن تشكل القاعدة السياسية بحصولها على الأغلبية التي سيتكئ عليها الرئيس لحكم البلاد في السنوات الخمس المقبلة، وتالياً قادرة أن تؤمن لماكرون الحصول على غالبية 289 مقعداً في الجمعية الوطنية من أصل 577 ، بما يمكنه من أن يكون طليق اليدين، أم سيكون عليه التعايش في «حكومة مساكنة، ما سيقيّده في خطواته وتطلعاته سواء على مستوى السياسة الداخلية أو الخارجية، خصوصاً إذا كانت المساكنة مع اليمين المحافظ العازم على إعادة لملمة صفوفه لخوض الاستحقاق النيابي، الذي يتم النظر إليه على أنه جولة الانتخابات الثالثة، وذلك بغية الحصول على كتلة وازنة تفرض على الرئيس الشراكة في الحكم.
كثر من المحللين للمشهد الفرنسي يروق لهم وصف ماكرون على أنه إستمرار لسياسة سلفه فرنسوا أولاند. الحديث هنا لا يتناول توجهات ماكرون الداخلية بل الخارجية. هذا الوصف من شأنه أن يريح الدول العربية، من باب توقّعها أن يستمر «سيد الإليزيه» الجديد بانتهاج سياسة فرنسا التقليدية في الشرق الأوسط التي تنطلق من الحرص على مصالحها في هذه المنطقة.
ويكفي بداية الدول العربية، وتحديداً الخليجية، أن تكون مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن قد أخفقت في قيادة فرنسا. فهذا الأمر يحمل بحد ذاته الكثير من الإيجابيات لجهة عدم حصول تحولات جذرية ودراماتيكية في العلاقة العربية الفرنسية، كما كان متوقعاً لو فازت. فخسارة لوبن تشكل أولى الأوراق الرابحة في يد العرب والمسلمين، نظراً إلى حجم العداء الذي كانت تكنّه حيالهما وعنصريتها تجاه المهاجرين عموماً. كما أن تلك الخسارة تشكل ثاني الأوراق الرابحة للدول العربية التي تخوض مواجهة مصيرية في المنطقة، نظراً إلى أن مواقف مرشحة اليمين المتطرف كانت واضحة في اصطفافها إلى جانب نظام الرئيس السوري بشار الأسد وسياسة روسيا، وإلى تماهيها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان ليشكل الحليف الأقوى للوبن والداعم لسياستها في الخروج من الوحدة الأوروبية.
في خسارة لوبان، جزء من ربح محقق لمصلحة العلاقة العربية الفرنسية. لكن الرهان على ذلك غير كاف. وفي رأي متابعين للتحولات الفرنسية ألتي أطاحت بالحزبين التقليديين الكبيرين، فإن الهاجس الفعلي للرئيس الجديد هو اقتصادي أكثر مما هو سياسي، ذلك أن مشروع الوحدة الأوروبية سيكون مهدداً إذا لم يتحسن الاقتصاد. وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد أن المصالح الاقتصادية تشكل المفتاح الأساس لضمان علاقات أفضل بين باريس والدول العربية، فإذا حضرت تلك المصالح الاقتصادية، وكانت هناك مواقف خليجية مشجعة، يمكن الرهان على تحسن قوي في العلاقات.
الاقتصاد هو المفتاح، وهذا يعني انتهاج سياسة انفتاح عربي تجاه العهد الجديد، والذهاب إلى تعزيز التعاون الاقتصادي، من خلال عقد صفقات سلاح وشراء طائرات وتكنولوجيا والقيام بمشاريع ضخمة مشتركة. مفتاح قد تكون له تأثيراته الجيدة ما دام «ساكن الإليزيه» لم يصل إلى الرئاسة على خلفية منطلقات معادية أو مناوئة للعرب أو الوقوف مسبقاً على الضفة الأخرى في الصراع الدائر في المنطقة.
ماكرون المرشح لم يبد خبرة كافية في السياسة الخارجية، ويتوقع أن يستعين بأشخاص لهم خبرة تتحدد معهم أكثر معالم سياسته المستقبلية. بعد ان تنهي عملية تسلمه مقاليد قصر الإليزيه اليوم الأحد، يفترض أن يُعيّن ماكرون أول رئيس حكومة في عهده الذي سيدير معركة الانتخابات البرلمانية، ولكن إلى حين جلاء المشهد الفرنسي بعد انتخابات التشريعية، وتحديد ماهية الحكومة، فإن الاعتقاد السائد أن الرئيس سينتهج السياسة التي انتهجها أولاند في مقاربته ملفات الشرق الأوسط، خصوصاً في الساحات المشتعلة، من سوريا والعراق واليمن إلى الحرب على الإرهاب الذي اتخذ من فرنسا هدفاً مباشراً، فضلا عن توقع السياسة ذاتها حيال الصراع العربي الفلسطيني.
غير أن فعالية السياسة الخارجية الفرنسية، في رأي المتابعين، تحكمها إلى حد بعيد سياسة واشنطن الخارجية. فعلى الرغم من المواقف المتقدمة لأولاند خلال السنوات الماضية في ما خص الأزمة السورية، على سبيل المثال، فإنه لم يكن يملك الأدوات والقدرة على احداث فارق كبير مع تخادل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري. في ظن هؤلاء المتابعين، أن التغيير الملموس الذي طرأ على الاستراتيجية الأمريكية مع وجود دونالد ترامب في «البيت الأبيض» والمواقف الصلبة التي يبديها وزير خارجيته ريكس تيلرسون حيال روسيا ستعطي دفعاً أقوى للمواقف الفرنسية في سياستها الخارجية، على الرغم من الاتجاه الذي عبّر ماكرون عن نيته انتهاج سياسة خارجية فرنسية مستقلة ومتوازنة. فالدافع وراء ذلك الطموح فيه البعد السياسي والتحدي الأمني والرغبة في بناء السلام لكن تحوطه بشكل رئيسي هواجس الاقتصاد. فمعارك ما يسمى بالدول الكبرى تنطلق في أي بقعة من العالم من المصالح الاقتصادية وتنتهي بها. فالسياسة والأمن يصبان في نهاية المطاف في مصالحة الاقتصاد ليس إلاّ.

فرنسا والعرب: الاقتصاد مفتاح ماكرون

رلى موفَق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية